بعد أيام قليلة سيكون أمامنا في المنظومة التشريعية المصرية، قانون جديد، هو قانون مُنظِم لعمل جهاز مستقبل مصر. مشروع القانون هذا سينضم بلا شك إلى ثُلة معتبرة من القوانين الاستثنائية، التي أتت بها السلطة التشريعية خلال العقد الأخير، بفعل وإصرار مسبق من السلطة التنفيذية. فبعد سن قانون القائمة المطلقة المُزوِر لإرادة الناخبين؛ لكونه ينقل عدد أصوات المقترعين المعارضين بنسبة 49% على مستوى الجمهورية إلى أصوات المؤيدين، وقانون التظاهر السلمي المانع فعليا للتظاهر، وقانون التجاوز عن أخطاء المتجاوزين بحق متظاهري 25 يناير، وقانون المجتمع المدني، وقانون الإجراءات الجنائية، المُبقي عمليا على الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي، (بعد كل ذلك وربما يزيد)، يُناقش هذه الأيام في مجلس النواب مشروع قانون لإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
احترس من الاقتراب.. رئيس الدولة على رأس الجهاز
إن لم يكن للمرء صلة بعضو برلمان نشط، يمكن له بِزِر بحث بسيط على الإنترنت، أن يحصُل على نص مشروع قانون الجهاز المطروح للنقاش والتعديل أمام المجلس، ولدى البعض المطروح للتمرير، لا شك أن من سيقرأ المشروع سيجد العجب.
واحد من الأمور المقلقة التي تجعل القارئ للمشروع مرتابا، هو أن مواد المشروع تُخيف المُشرع البرلماني، من خلال عبارات كثيرة عنوانها الكبير “رئيس الجمهورية” وهي عبارة رغم المكانة الجيدة، التي تُكن لصاحب هذا المقام الرفيع مالك تلك العبارة، إلا أن تكرار كتابتها في عديد مواد المشروع يبدو غرضها إخافة المُشرع أكثر من كونها وردت لتسهيل عمل الجهاز القائم فعلا. فالجهاز تابع للرئيس، وهو القابض تقريبا على عديد الأمور، التي تتعلق بعمله الإداري والفني والمالي. وقد يمتد هذا التخويف إلى القائم بالرقابة مستقبلا، من خلال رفع عبارة معنوية أسمها “احترس من الاقتراب ومن باب أولى المساس بالجهاز فرئيس الدولة على رأسه”.
ولمشروعات القوانين المعروضة أمام مجلس النواب مرجعيات قانونية تُذكر عادة في المقدمة، تحت عبارة “بالرجوع إلى…..”، لكن من خلال المتابعة الدؤوبة للأداء التشريعي لمجلس النواب، من قبل المراقبين للعمل التشريعي، لأول مرة يُصدم المرء في الصفحة الأولى بكم رهيب من المراجع القانونية للمشروع، فبدلا من العادة في ورود 5 أو 10 مراجع قانونية على الأكثر، إضافة بالطبع إلى الدستور الحالي، يجد القارئ نفسه – وإمعانا في زيادة ريبته مما يقرأ- أمام أُطر مرجعية عددها 86 قانونا، و11 قرارا جمهوريا، و6 قرارات بقوانين، وقرارين لرئيس الوزراء!!
استثناءات تجعل من الجهاز دولة داخل الدولة
أما المُطلع على مواد القانون البالغ عددها 81 مادة عدا مواد الإصدار، فيلاحظ أن هناك عديد الاستثناءات التي تجعل من الجهاز بمثابة دولة داخل الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة. انظر على سبيل المثال للمادة 73، والتي تقول إنه لا تقبل الدعاوى والطعون ببطلان تصرفات أو مبيعات الأصول التي ينفذها الجهاز لتحقيق الأغراض والأهداف القومية، إلا من أطراف تلك التصرفات دون غيرهم. وهذا الأمر يخل بمبدأ محاربة الفساد والاحتكار، ويغل من قدرة الجهات المدافعة عن الشفافية في مواجهة الجرائم والتصرفات غير القانونية، بحُجة أن تلك الدعاوى رفعت ممن ليس لهم مصلحة، حتى لو كانت تلك التصرفات واضحة بشكل لا لبس فيه، أنها غير دستورية، هنا من المهم لفت الانتباه أن المشروع استخدم عبارات مطاطة وهلامية، بالإشارة أكثر من مرة إلى أن تلك التصرفات تكون لتحقيق “أهداف قومية”، وهي عبارة لا معنى محدد لها.
جهاز له سلطات وصلاحيات لا حصر لها
وتعتبر صلاحيات مجلس إدارة الجهاز من أبرز مواد القانون، التي تجعل من الجهاز مُتحكما في مفاصل الاقتصاد المصري. فإضافة إلى مجلس الإدارة الذي له رئيس (سيكون كما جرت العادة من أرباب المعاشات والعاملين السابقين في أجهزة بعينها)، سيضم عددا زوجيا لا يزيد عن 14 شخصا، لا علاقة للبرلمان بتعيينهم أو محاسبتهم. هذا المجلس يقوم بـ34 وظيفة، حددتها المادة 10 من مشروع القانون، وهي أطول مادة في القانون وعددها يربو على 1000 كلمة ضمن كلمات مواد القانون الـ81 والبالغة إجمالا نحو 7500 كلمة.
صحيح، أن هناك وظائف روتينية متعارف عليها مثل الإشراف على سير العمل بالجهاز والصندوقين السيادي والخدمي التابعين له، وإقرار السياسات والخطط وبرامج العمل، وإنشاء فروع له بالداخل، وإقرار اللائحة الداخلية، وتشكيل لجان الاستثمار والحوكمة وإدارة المخاطر، واعتماد الهيكل التنظيمي للجهاز.
لكن بالمقابل، كل ما سبق، هناك صلاحيات تجُب الحكومة والوزراء المعنيين بالشأن الاقتصادي والمحافظين والأجهزة المحلية، بما فيها المجالس الشعبية المحلية (بعد انتخابها وتشكيلها) على محاسبة كل من يحيد عن مقدرات المحليات دون موافقتها، ومن ذلك على سبيل المثال إنشاء جهاز مستقبل مصر فروع له وكذلك شركات استثمارية خارج الدولة، ما يغل يد أجهزة أمنية بعينها؛ تهدف لحماية الأمن القومي للبلاد، ناهيك عن أن جهاز مستقبل مصر- وفقا لمشروع القانون- هو المتحكم في كل ما يخص مناطق التنمية المستدامة، بدءا من التأسيس والتسمية إلى وسائل العمل، دون المرور على المحافظات، وإمكانية القيام بأعمال بالمجان ما يُضيع على الدولة عوائد. هناك كذلك بذات المادة صلاحية إقرار لائحة بجزاءات المخالفات المالية للمُرخص لهم بأعمال، وإقرار قواعد التصدير والاستيراد لمناطق التنمية المستدامة، وكل ما سبق يتم (حسب نص مشروع القانون) دون التقيد بأي قانون آخر. إضافة لما تقدم، هناك صلاحية تحديد رئاسة الجهاز لطبيعة أي مشروع سواء كان قوميا أو غير ذلك، وسلطة منح الهدايا للغير، وهو أمر قد يفتح الباب للفساد، وكلنا لم ننسَ بعد قضية هدايا الأهرام إبان العهد البائد.. إلخ.
استثناءات أخرى من قوانين الدولة
علاوة على ما سبق، منح مشروع القانون للجهاز في المادة 33 منه صلاحيات ضخمة، فباستثناء موافقة وزارة الدفاع يكون للجهاز حق العمل وتشغيل المرافق المتعلقة بمختلف الأنشطة، وذلك بلا أي قيد في نطاق مناطق التنمية المستدامة. ويكون لرئيس الجهاز في تلك المناطق ذات صلاحيات الوزير أو المحافظ أو رؤساء الهيئات العامة الحكومية. لا شك أن كل ما سبق، ربما يُشكل أثناء التطبيق على الأرض تضاربا في الاختصاصات، وتنازعا في المهام والأوامر، والمؤكد أنه سيغل يد كل المعنيين، ويُخيفهم حال اتخاذ أي قرار برئاسة الرئيس للجهاز، ما يجعل أية أعمال حسنة وجيدة، تُلحق بالجهاز، وأية مساوئ- لا قدر الله- تُنسب للمحليات والجهات الحكومية.
مهم أيضا أن يشار إلى أنه فوق كل ما سبق يستثني مشروع القانون الجهاز من تطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، صحيح أن الحدين أمر غير معمول به عمليا، لكن النص صراحة على هذا الاستثناء يفتح الباب صراحة أمام عدم المساواة وتكافؤ الفرص، ويزيد من الفوارق الطبقية. كما أن المشروع يستثني الجهاز من عديد الأمور الإدارية القانونية، لكونه قد أشار إلى أن قانون الخدمة المدنية لا ينطبق عليه، وكذا قواعد المشتريات والتعاقدات العامة.
تعديل مادة: رفع العبء الضريبي عن الجهاز وتحميله للمواطن
واحد من أبرز الأمور التي تُشير إلى النية المبيتة في تمييز هذا الجهاز عن باقي أجهزة الدولة، وجعله فوق الدستور والقوانين السارية، هو ما كانت تنُص عليه أحد مواده، من أنه (وفقا للمشروع المقدم للبرلمان) لا يتحمل العبء الضريبي، ويجعل من خزانة الدولة المتحمل الرئيس لذلك. حيث تنص المادة 71 على تحمل الخزانة ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدمغة ورسم تنمية الموارد المالية، علاوة على أي نوع آخر من الضرائب والرسوم، وغير ذلك من الفرائض والأعباء المالية المقررة قانونا على الجهاز. هذه المادة ربما تعيد إلى الأذهان ما كان معمولا به حتى وقت قريب- وانتقده صندوق النقد الدولي- من بعض أجهزة الدولة السيادية مالكة المشاريع الاستثمارية، وهى من المفترض أمر خارج عن نطاق العمل المعتاد المتعارف عليه لتلك الأجهزة منذ عقود طويلة، لأن ذلك (كما قال صندوق النقد الدولي وقتئذ) يؤكد عدم تكافؤ الفرص الاستثمارية، بين ما تقوم به بعض تلك الأجهزة التي تدير أنشطة اقتصادية، والأنشطة الاقتصادية التي يمتلكها ويديرها القطاع الخاص، ما يُعد نوع من التمييز غير المبرر، وحرمان لخزينة الدولة من الموارد الضريبية.
صحيح، أن الأغلبية والمعارضة في مجلس النواب انزعجوا وقاموا بإلغاء هذا الأمر منذ يومين، لكن المشكلة تبقى في ذهن الحكومة ومن ساهم في سن هذا المشروع، كونها بهذا العمل تُشجع الناس على التهرب الضريبي، فالحكومة أو المشرع التنفيذي (إن جاز التعبير) بالنسبة للمواطن بمثابة القدوة، وعندما تسقط القدوة تسقط الالتزامات، وتتوه الحقوق والواجبات.
ما العمل؟
ما كُتب في المشروع الذي يستحق القراءة المتأنية أكثر مما سبق ذكره هنا، يجعل من الضروري إعادة التفكير الهيكلي في المشروع برمته. لربما كان ترك الأمور على ما هي عليه، بشأن عمل الجهاز الذي لا شك قام بأعمال محمودة (رغم أن هذا الترك ليس بالأمر الجيد) سيكون أفضل بكثير من الموافقة على كل ما هو مذكور بمشروع القانون، الذي يستحق حوارا مجتمعيا واسع النطاق، إذا ما أريد لنا الموافقة عليه.






