قبل مائة عام أو أكثر قليلاً، تأسس الشرق الأوسط المعاصر على قاعدتين: الأولى اتفاق سايكس- بيكو 1916 م؛ لاقتسام الشام والعراق بين بريطانيا وفرنسا. والأخرى: وعد بلفور 1917 م، بوطن قومي لليهود في فلسطين. وضع العراق والأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، حتى يلتئم طريق بريطانيا إلى مستعمراتها في آسيا، كما وضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وهو حلم فرنجي قديم من زمن الحروب الصليبية. البريطانيون احتضنوا الهجرة اليهودية، ثم قيام الدولة اليهودية، واجترحوا إمارة شرق الأردن؛ لتكون عازلاً بين العراق والدولة اليهودية الوليدة. والفرنسيون اجترحوا دولة لبنان إلى جانب الدولة السورية. البريطانيون منحوا العراق استقلالاً مشروطا بضمان مصالحهم فيه 1932 م، ليكون أول الدول العربية نيلاً للاستقلال؛ وليكون أول الدول العربية مسرحاً للانقلابات العسكرية؛ وليكون أول الدول العربية تأرجحاً بين ملكيات ديموقراطية هشة وجمهوريات ديكتاتورية عسكرية دموية، ثم في عام 1946 م نالت إمارة شرق الأردن استقلالها عن بريطانيا؛ لتكون المملكة الأردنية الهاشمية، ثم نالت كل من سوريا ولبنان استقلالهما عن فرنسا في العام ذاته، وبهذا يكون قد تم انتقال العراق والشام من ولايات عثمانية إلى مستعمرات بريطانية وفرنسية إلى دول مستقلة لأول مرة في تاريخها منذ فتحها العرب، ودخلت عالم الإسلام، صارت لكل منها هوية وطنية على النمط الحديث، بأعلام تدل عليها وحدود مرسومة، تفصلها عن جوارها وسيادة شعبها على أرضها، وهذا وضع جديد يختلف عما كانت كثير من بلدان الإسلام تناله من استقلال بعد تفكك الوحدة السياسية للعالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي.
بعد أن نال العراق وبلاد الشام استقلالهما، بات معلوماً بالبداهة أن مصر والسودان في طريقهما للاستقلال عن بريطانيا، خاصةً بعد أن قررت بريطانيا، أن تمنح الهند استقلالها مع تقسيمها إلى دولتين 1947 م، بخروج بريطانيا من الهند، وهو درة التاج البريطاني الذي من أجله، تنافست مع فرنسا على احتلال مصر حتى ظفرت بها، ثم مكثت فيها ثلاثة أرباع قرن، بخروجها من الهند بات خروجها من مصر والسودان مسألة وقت لا أكثر. وقد اختارت بريطانيا تسليم مصر للجيش في اتفاق الجلاء 1954م، بينما ماطلت الحكومات المدنية في مفاوضات غير ذات جدوى ثلاثين عاماً، وما زالت مصر تحت حكم الجيش، وقد ذهب حكم السودان للقوى المدنية، حيث الديموقراطية البرلمانية على النمط البريطاني، ثم دخل في دوامة التأرجح بين ديموقراطيات هشة، تتعاقب معها ديكتاتوريات عسكرية، حتى وقعت تحت حكم البشير 1989- 2019 في ثلاثة عقود من حكم عسكري إسلامي مشترك، انتهى بثورة شعبية، بعدما أدى إلى تقسيم السودان، كما مهد الطريق السريع إلى حرب أهلية، لا تزال رحاها دائرة.
وباستثناء الملكية المغربية ذات التاريخ العريق والثقافة الخاصة والحضارة الفريدة، فإن ملكيات وإمارات ومشيخات المشرق العربي، تأسست وعاشت وتطورت في ظل التوافق مع الاستعمارين البريطاني ثم الأمريكي، حذرها وخوفها وقلقها من جوارها العربي أكثر من حذرها من قوى الاستعمار، وأحياناً كثيرة كان العكس صحيحاً، أي كان الأمان تجاه الاستعمار يوازن القلق من الجار العربي.
………………………………………………………
بعد مائة عام أو أكثر من وضع قاعدتي الأساس للشرق الأوسط المعاصر (اتفاق سايكس بيكو 1916، ثم وعد بلفور 1917) وقعت حرب استثنائية، اهتزت لها وارتجت القاعدتان: ارتجت سايكس بيكو، كما ارتج وعد بلفور، ففي حرب طوفان الأقصى بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل التي بدأت 7 أكتوبر 2023 م، بعد خمسين عاماً كاملة من حرب أكتوبر 1973 م، في حرب طوفان الأقصى، مثلما في حرب أكتوبر 1973م، تجلت حقيقتان: تقسُم الأمة إلى دول وطنية عديدة، لا يعني إسقاط هويتها العربية الجامعة، كما لا يعني إسقاط تضامنها في مواجهة ما يهدد وجودها من أساسه، والحقيقة الثانية: أن وجود الدولة اليهودية شك، لا يقين فيه، كما هو يقين، لا شك فيه. تقسم العرب، لا يعني تلاشي معناهم أو زوال قوتهم، وإقامة الوطن القومي لليهود ليس معطى محسوماً أو مفروغاً منه. حارب على مدى أكثر من عام لبنانيون وعراقيون ويمنيون مع المقاومة الفلسطينية حرب السلاح مع السلاح ضد السلاح الصهيوني، ومعه ترسانات متدفقة من السلاح الأمريكي وبعض الأوروبي. هذا السلاح العربي سواء من لبنان أو العراق أو اليمن، وقفت وراءه قوتان: إيران من خارج العالم العربي، ثم سوريا من داخله. وكان المنطقي أن ترد إسرائيل وحلفاؤها في أمريكا والغرب وبعض العرب والمسلمين بخطوات منهجية: إبادة المقاومة الفلسطينية، ثم المقاومة اللبنانية، ثم تأديب إيران وإهانتها وكسر نفسها وتحطيم هيبتها أكثر من مرة سواء في عقر دارها في طهران، أو حيث توجد قواعدها ومنطق نفوذها سواء في لبنان أو سوريا أو اليمن أو العراق. إيران وحلفاؤها من المقاومة العربية أشعلوا ضد إسرائيل وقود حرب ذات طبيعة استثنائية في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، حرب فوق سماء إسرائيل نفسها، ثم حرب يعجز التفوق الإسرائيلي بالمدد الأمريكي عن حسمه في ساعات أو أيام أو حتى أسابيع، كما تعودت إسرائيل في حسم حروبها مع العرب، هذا اختيار عنيف، وقعت فيها فكرة الوطن القومي لليهود، اختبار ظهرت معه الفكرة اليهودية آلة وحشية، تقودها غرائز العدوان؛ لإبادة كل ما تستطيع إبادته من الشعب الفلسطيني، ثم تكسيح الآلة العسكرية المقاتلة لحزب الله اللبناني، ثم إخراج سوريا من لبنان، ثم الاستغناء عن حكم آل الأسد في سوريا، شرق أوسط جديد: بدون مقاومة، بدون إيران، بدون سوريا. ويبدو أن الوقت أكثر من مناسب لتحقيق الأهداف الثلاثة: فسحق المقاومة في خمسة عشر شهراً، هو سحق لكامل إمكاناتها العسكرية، بما يصعب معه، أن تعود لنشاط فعال ضد إسرائيل في الأجل المنظور، كما أن عمليات تمريغ أنف إيران في التراب، نجحت في تنتيف ريشها، وقص أجنحتها، بما يعجزها عن أي قدرة فعالة لتحريك أذرعها سواء في العراق أو اليمن أو الأرض المحتلة أو لبنان، ثم جاء الختام بإزالة نظام الأسد من سوريا في واحدة من أذكى العمليات الاستخباراتية توقيتاً وتنظيماً وتسليحاً، فقد نجحت في جذب اهتمامات الرأي العام من ضد إسرائيل ومع المقاومة إلى ضد الدكتاتورية ومع حق الشعب السوري في التحرر من نظام حكم دموي هو الأكثر بشاعة بين جمهوريات الرعب العربي، سقط النظام في عملية نظيفة خاطفة، نقلت مسرح العمليات في الشرق الأوسط نقلة بعيدة، نقلته من مواجهة الصهيونية والاستعمار إلى مواجهة الديكتاتورية والطغيان، في أقل من أسبوع، ابتهجت جماهير عربية لا حصر لها بسقوط واحدة من أفظع الديكتاتوريات العربية، ثم بعضها يبتهج مستبشراً بنوافذ جديدة للحرية، وبعضها يبتهج لسقوط النظام، لكن غير مطمئن للقادم بعده بالقياس على ما سبق من تجارب، حيث سقطت العديد من الديكتاتوريات، دون أن يترتب على ذلك قيام ديموقراطيات تحل محلها، ففي ظل الغياب الكامل لأي بنية تحتية للديموقراطية سواء بنية فكرية أو ثقافية أو سلوكية أو حزبية أو تنظيمية من الصعب، أن تنبت نظم ديموقراطية فور سقوط الديكتاتوريات، لا ديموقراطية دون تربة ومناخ وظروف مساعدة لاستنباتها، ومن ثم ينشأ فراغ، وفي الفراغ المصحوب بغياب سلطة مركزية قوية تبسط القانون، يحدث كل شيء ممكن من الفوضى مروراً بالحرب الأهلية انتهاءً بالتقسيم، الأمل الوحيد في الحالة السورية، أن وراءها تاريخ من فشل التحول الديموقراطي العربي، عليها أن تدرسه وأن تستفيد من دروسه، وألا تكرر أخطاءه، لو حدث ذلك تستطيع التجربة السورية، أن تتفادى المآلات المؤلمة للانتقال العربي من ديكتاتوريات قديمة إلى ديكتاتوريات جديدة.
………………………………………………….
رأت الشعوب إبادة المقاومة فحزنت، ثم رأت إزالة الديكتاتورية ففرحت، ولم تتوقف كثيراً عند حقيقة، أن هندسة واحدة تقف وراء الحدثين، الهندسة التي وقفت وراء إبادة المقاومة، هي الهندسة ذاتها التي وقفت وراء إزالة الديكتاتورية، تنسيقية واسعة من أصابع كثيرة بعضها صهيوني وبعضها أمريكي وبعضها مسلم وبعضها عربي، هندسة تستهدف شرق أوسط متسقا مع أمن إسرائيل، هيمنة أمريكا، استقرار الأنظمة العربية الموالية لكل من إسرائيل وأمريكا. قليلون فقط من العرب، حزنوا لإزالة الديكتاتورية ليس لأنهم عشاق للطغيان وصنائع للاستبداد، ولكن لأن منظوماتهم الفكرية تقدم القومية والعروبة والوجدة والمقاومة والاستقرار، وتجعل لها الأولوية والأسبقية على الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، هذه الأقلية التي حزنت على إزالة الديكتاتورية، تعتقد أن الكرامة مرادف لقوة الدولة، وليس عندهم إيمان كاف بالحريات الفردية، حتى يعتقدوا أن الكرامة لا وجود لها إلا في تكريم الإنسان سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي، وذلك بحفظ حرياته وحقوقه وآدميته وتنزيهه عن الإهانة والاستهانة والامتهان والازدراء والتحقير الذي طالما تعودت عليه الديكتاتوريات العربية في التعامل مع مواطنيها. وإلى جانب الأقلية التي حزنت على إزالة الديكتاتورية، بزعم أن ذلك يضر المقاومة ويخدم أعدائها، كذلك توجد أقلية معاكسة؛ فرحت بإزالة الديكتاتورية، باعتبار ذلك يصب في مصلحة تيارات الإسلام السياسي، ويرد لها الاعتبار، ويسمح لها بدور إقليمي جديد، بعدما تراجعت إلى حد الاختفاء الكامل على أثر الثورات المضادة التي أخذت على عاتقها إعادة الاستقرار إلى العالم العربي بخلق ديكتاتوريات جديدة، وكمس خطر الإسلام السياسي، هذه القوى الدينية، بما أنها شريك فاعل في إزالة نظام الأسد، فإنها أعطيت الإيحاء، بأن الإسلام السياسي، ربما يكون لها دور مستعاد في الهندسة الجديدة للشرق الأوسط بعد حرب الطوفان، هذا الدور المستعاد يحمل قدراً من التوازن مع إبادة المقاومة، فليس من الحكمة- في عقلية الهندسة الجديدة- أن تتم إبادة المقاومة والإخفاء الكامل للإسلام السياسي، بعض الأدوار لبعض الإسلام السياسي أمر مفيد، وربما تكون التجربة السورية هي المحطة الأولى لموجة جديدة من توظيف الإسلام السياسي في إعادة هندسة الشرق الأوسط.
يبقى أن عوام الناس الذين وقفوا مع المقاومة بقلوبهم، ثم فرحوا لإزالة الديكتاتورية من قلوبهم، دون توجيهات تنظيمية ولا محركات إيديولوجية، هؤلاء العوام هم التعبير النظيف عن مسيرة الحركات الوطنية والقومية الحديثة في العالم العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر، حيث دار نضال العرب الحديث على محورين متلازمين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر: 1 – محور الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان والحكم النيابي والدساتير ودولة القانون، وكل ما يكبل الطغيان التاريخي الذي عاش تحت الإنسان العربي جيلاً وراء جيل. 2- ثم المحور الثاني، وهو التحرر من النفوذ والمصالح والهيمنة والتدخل والاستغلال والاستعمار الأجنبي في كل صوره وأشكاله. هذان المحوران- الديموقراطية والاستقلال- هما العصب التاريخي للنضال الديموقراطي العربي عبر قرنين من الزمان، قبل وبعد سايكس بيكو ثم وعد بلفور.
…………………………………………………..
المشكلة الآن- في العالم العربي- أنه في حالة عجز عن الأمرين معاً:
فهو عاجز عن إقامة ديموقراطية، يمنع بها الدكتاتورية ويكافح بها الطغاة.
كما هو عاجز عن إقامة استقلال وطني، يواجه به هيمنة الأجنبي على مقدراته ومصيره وحاضره ومستقبله.
وهذا هو موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.