بينما تتصاعد الدعوات الدولية لوقف الحرب في غزة، ظهرت خلال الأيام الأخيرة تقارير إسرائيلية، تشير إلى أن حركة حماس ما زالت تحتفظ بنحو 20 ألف مقاتل نشط داخل القطاع.
الرقم الذي انتشر عبر وسائل إعلام كبرى دون مصدر استخباري واضح، أعاد فتح النقاش حول أهداف الحرب، ومصداقية الخطاب الإسرائيلي، ومدى واقعية الوعود التي قُدمت في بدايات التصعيد العسكري.
هل يعكس هذا الرقم معطًى ميدانيًا حقيقيًا؟ أم أنه رقم وظيفي، جرى تسويقه في لحظة مأزومة لتبرير خيارات عسكرية وسياسية قائمة أو قادمة؟
وما الذي يعنيه اعتراف ببقاء هذا الحجم من القوة، بعد أكثر من 20 شهرا على اندلاع الحرب البرية والجوية؟
أرقام بلا مصادر واضحة
بداية، من المهم الإشارة إلى أن الرقم لم يُعلن في مؤتمر رسمي، ولم يُقدَّم ضمن بيان عسكري مدعوم ببيانات استخبارية. بل ورد كإشارة عابرة في تقرير، نشرته مجلة “ذا أتلانتيك”، ثم تلقفته وسائل إعلام دولية ومحلية، كأنه حقيقة ثابتة.
هذا الغموض المنهجي في الإعلان، يطرح تساؤلات حول الجهة التي سربته، وتوقيت ظهوره، والوظيفة السياسية التي يؤديها.
وإذا ما افترضنا جدية الرقم، فإن السؤال الفوري الذي يفرض نفسه هو: كيف بقيت هذه القوة قائمة، رغم ادعاءات الجيش الإسرائيلي المتكررة، بأنه دمّر قرابة “70% وأكثر” من القدرات القتالية لحماس؟
وإن كان الرقم مبالغًا فيه لأهداف دعائية، فلماذا يتم تداوله من مؤسسات، يُفترض أنها تستند إلى تقديرات أمنية دقيقة؟
في الحالتين، نحن أمام مفارقة، إما أن إسرائيل فشلت فعليًا في تحقيق هدفها المعلن منذ اليوم الأول، وهو “تصفية حماس”، وإما أن الحكومة تبالغ عمدًا في حجم الخطر لتبرير استمرار العمليات العسكرية وتوسيعها.
ما يعزّز من جدية هذه التقديرات– أو على الأقل من احتماليتها– هو ما ورد في تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية متخصصة، مثل معهد دراسات الحرب الأمريكي والمعهد الملكي البريطاني.
كلا المؤسستين ترسمان صورة لحماس، باعتبارها حركة غير نظامية تعمل من خلال خلايا صغيرة، مرنة، سريعة الحركة، وغير مرتبطة بجبهات تقليدية.
هذا النمط القتالي، يجعل من الصعب إخضاعها بضربات جوية أو عمليات برية واسعة.
فالمقاتلون لا يتحصنون في مواقع ثابتة، بل ينتقلون عبر شبكة أنفاق تحت الأرض، يعتمدون على تكتيكات الكمائن والعبوات والقنص، ويعودون للاختفاء بعد تنفيذ الهجوم.
القدرة على إعادة التمركز والحشد، حتى بعد الضربات، وبالتالي “النصر الكامل”، كما تُصوّره إسرائيل، يصبح هدفًا نظريًا أكثر من كونه ممكنًا فعليا.
بعيدًا عن العنصر البشري، تشير التقارير أيضًا، إلى أن حماس لم تفقد كامل ترسانتها من الأسلحة.
ما زالت تُطلق صواريخ قصيرة المدى تُبقي الجبهة الداخلية تحت الضغط، وتستخدم طائرات مسيّرة للاستطلاع وأحيانًا للهجوم، ما يمثل نقلة نوعية في تكتيكات الحرب غير المتكافئة.
هذه القدرات لا تعني بالضرورة، أن حماس تسيطر ميدانيًا، لكنها كافية لحرمان إسرائيل من الشعور بـ “الأمان الكامل”، وهو أحد الأهداف الرئيسية للحرب وفق الخطاب الرسمي.
بعبارة أخرى: بقاء التهديد، ولو على مستوى محدود، يعني فشلًا وظيفيًا للهدف العسكري المعلن.
استنزاف النفس الطويل.. تجارب تاريخية متكررة
ما يحدث في غزة اليوم ليس ظاهرة فريدة، فثمة نمط واضح في الحروب التي تخوضها جيوش نظامية ضد حركات مقاومة أو تنظيمات غير تقليدية من فيتنام، إلى أفغانستان، إلى لبنان 2006.
في كل هذه الحالات، لم تنتصر الحركات غير النظامية من حيث السيطرة أو الحسم، لكنها نجحت في إطالة أمد المعركة، وتآكل الإرادة السياسية لدى الطرف الأقوى، وفرضت في النهاية معادلات جديدة، لم تكن مطروحة في بداية الاشتباك.
في لبنان، خاضت إسرائيل حربًا، قالت إنها لإنهاء حزب الله، لكنها خرجت من دون حسم، وبقي الحزب فاعلًا وقويًا في المعادلة الإقليمية.
في أفغانستان، عادت طالبان إلى الحكم رغم عقدين من الوجود العسكري الغربي.
وفي فيتنام، شكل “الفيتكونج” نموذجًا للمقاومة المستنزِفة التي لا تسعى للنصر التقليدي، بل لتفكيك قدرة العدو على مواصلة القتال.
اليوم، تجد إسرائيل نفسها في وضع مماثل، فمن جهة لا يمكنها إعلان نهاية الحرب، ما دامت القوة العسكرية لحماس قائمة، ومن جهة أخرى لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية، دون أن تدفع أثمانًا داخلية متصاعدة من عدد القتلى، إلى الاحتجاجات الشعبية، وصولا إلى الأزمة السياسية التي تهزّ الحكومة.
تقدير الـ20 ألف مقاتل قد يعمل، في جزء منه، كرسالة مزدوجة. للداخل، يبرر استمرار الحرب، ويمنح الحكومة مساحة للمناورة أمام منتقديها، خاصة عائلات الأسرى.
وللخارج، يستخدم كأداة دبلوماسية لإقناع الوسطاء، بأن أي هدنة محتملة ستُبقي تهديدًا فعليًا، ما يمنح تل أبيب ورقة تفاوضية إضافية.
لكن هذا الاستخدام السياسي للأرقام قد يرتد عكسيًا. فالإقرار ببقاء حماس بهذا الحجم، يعني فشلًا ضمنيًا في تحقيق هدف الحرب.
ويضع الحكومة أمام معضلة: إذا اعترفت، خسرت الرأي العام. وإذا أنكرت، تصطدم بتقديرات مؤسساتها الأمنية والإعلامية.
إعادة تعريف النصر والهزيمة.. معركة الرواية لم تنته
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه الآن: ما هو تعريف “النصر” في هذه الحرب؟ هل هو اجتثاث كامل لحماس؟ أم تحجيم قدراتها؟ أم فقط إبقاؤها تحت الضغط المستمر؟
الواقع على الأرض، بحسب ما تشير إليه المعطيات، يجعل من الصعب– إن لم يكن مستحيلًا– الحديث عن نصر عسكري شامل.
فكلما أعلنت إسرائيل تقدمًا، عادت الأرقام لتذكّر بأن القوة المقاتلة لم تُهزم. وكلما طالت الحرب، ازدادت قدرة حماس على تحويل مجرد “البقاء” إلى إنجاز سياسي ورمزي، حتى لو كانت المبالغة الإسرائيلية تهدف للمزيد من شرعنه القتل وتوسيع دائرته.
في النهاية، سواء كان تقدير “العشرين ألف مقاتل” دقيقًا أو مضخّمًا، فإن دلالاته السياسية والعسكرية لا يمكن تجاهلها.
فقد تحولت الحرب من وعد بـ“تصفية سريعة” إلى مأزق استنزاف طويل، لا يُحسم بالسلاح فقط، بل بالرواية والشرعية أيضًا.
وهنا، ربما يكون التحدي الأكبر أمام إسرائيل ليس فقط في إنهاء تهديد عسكري، بل في صياغة رواية انتصار، تقنع الداخل والخارج، رغم أن المعطيات على الأرض، تقول شيئًا آخر تمامًا.