لا يمكن للتاريخ السياسي العربي الحديث والمعاصر أن يغفل الدور الذي مارسته الجماعات والتنظيمات السياسية المسندة إلى الإسلام على حال السياسة ورجالها، ومؤسسات الدولة وهيئاتها، وخطاب السلطة في مفرداته وبنائه ومقصده، وما يموج به المجال العام من أفكار وقضايا ومواقف وأحداث ومجريات صغيرة كانت أو كبيرة، وما يشغل عموم الناس من هموم ومشكلات، وطموح وتطلعات، بصرف النظر عما إذا كان هذا الدور سلبيًا أو إيجابيًا، أو موزعًا بين السبيلين بنسب متفاوتة، ودرجات مختلفة على قدر الحاجة والمنفعة والرؤية، ووفق السياسات قصيرة المدى، والتصورات بعيدة الأمد.

ولا تخلو أي منها من حركة سياسية إسلامية، موزعة على جماعات وتنظيمات شتى، تتلاقى عند المنابع، وتفترق في التأويل والتصرف، الذي تؤسس عليه الخطاب والمقاصد والتدابير والتصرفات والمسالك، وفي بناء العلاقة مع السلطة السياسية، والتيار المدني، والمجتمع الأهلي، وفي طول الخيط الذي يربطها بالتاريخ الإسلامي وسُمكه، ضعيفًا كان أو قويًا، رفيعًا أو غليظًا، معوجًا أو مستقيمًا.

يعجز المرء، وحتى الجماعة البحثية، عن رصد وإحصاء ما أعدت من دراسات، وكتبت من مقالات، وقيلت من تحليلات، وبثت من لقاءات مسموعة ومرئية، حول الحركة السياسية الإٍسلامية، أو القوى الاجتماعية المؤسسة على رؤية الدين الإسلامي في عقيدته وتعاليمه وطقوسه وتاريخه، لكن قلة هي الدراسات التي تصدت لكيفية صناعة القرار لدى هذه الحركات، أو بالأصح عند النخب التي تصنع مسارها ومصيرها، وكذلك التي تدرس أثر وجودها على صنع القرار السياسي بشكل عام في كل دولة عربية على حدة.

 وقد اطلعت مؤخرا على دراسة للأستاذة هبة الله شعبان، حصلت بها على درجة الماجستير من معهد البحوث والدراسات العربية، التابع لجامعة الدول العربية، تحت عنوان: “أثر الإسلام السياسي على عملية صنع القرار في الوطن العربي.. دراسة لحالتي مصر وتونس من عام 2011 حتى عام 2020″، تناولت فيها هذا المسار غير مقتصرة على السنوات العشر، التي تمثل زمن البحث، إذ غاصت بعيدًا، لتبدأ دراستها منذ ظهور ما تطلق عليه “الإسلام السياسي” في حياتنا العرب المحدثين والمعاصرين، لنعرف كيف كان لمن حولوا الإسلام إلى أيديولوجية “عقيدة سياسية” أثر لا يستهان به، ولا يمكن إغفاله أو إنكاره، على كثير من القرارات والإجراءات والقوانين والتشريعات والخطط والسياسات التي حكمت عمل أنظمة الحكم العربية المتعاقبة في مصر وتونس.

ومع أن الباحثة قد التزمت في الغالب الأعم، بما فرضه عليها العنوان من طريق للبحث والفحص والعرض والتحليل، فإنها لم تهمل جانبًا مهمًا، يتعلق بكيفية صناعة القرار داخل التنظيمات السياسية الإسلامية ذاتها، وهو أمر مهم، إذ أن المضاهاة تفيد في تعميق الرؤية، عملًا بالقاعدة التي تقول “بضدها تتميز الأشياء”، فنحن لا يجب أن نُعنى فقط بما تركه وجود هذه الجماعات، المعتدل منها والمتطرف، العلني والسري، المتبع للصعود الهادئ المتدرج أو الانقلابي المتعجل، من بصمة على قرارات وسياسات أثرت على حال السياسة في بلادنا تأثيرًا جارحًا وبارحًا، يكفيها أن تكون واحدة من أسباب تعويق التطور الديمقراطي، والإصرار على العمل بالقوانين الاستثنائية، والإفراط في إضفاء الطابع الأمني على الأداء السياسي.

إن جزءًا واسعًا عريضًا من فهم الجماعات السياسية الإسلامية، لا يجب أن يقف عند حد تحليل خطابها، والإلمام بأفكارها، ورصد سلوكها، وإدراك مراميها، ومعرفة تنظيماتها، وإحصاء رجالها الفاعلين وقادتها، وتتبع أنماط علاقتها بـ “الآخر”، الذي يعني هنا كل من ليس في صفوفها، والوقوف على انتصاراتها وانكساراتها، والتنبؤ بمستقبلها، لكن عليه أن يهتم أيضًا، وبشكل حيوي وضروري بفهم طريقة عملها الداخلي، أي الوقوف على كيفية صناعة القرار عندها، من حيث طريقته، والعناصر التي تشكله، والمآلات التي انتهى إليها.

وأعتقد أن الوقوف على طبيعة الجماعات السياسية الإسلامية، في خطابها وبنية تنظيماتها وممارستها في الواقع المعيش، يجعلنا موقنين أن صنع القرار لديها يختلف في حال الأجنحة المعسكرة السرية منها عنها في هيئاتها السياسية التي تعمل في المجال العام، سواء أخذت شكل الجماعة أو الجمعية أو الحزب السياسي، علاوة على ما تصنعه من تجمعات ذات طبيعة دعوية أو تثقيفية، وكذلك الشق الخيري المنخرط في النفع العام، سواء كان رسميًا ضمن المجتمع الأهلي، أو غير رسمي في إطار سعيها الدائب نحو صناعة مجتمع عميق، وفق ما بينت في كتابي “المجتمع العميق.. الشبكات الاجتماعية والاقتصادية للأصولية في مصر”.

ويختلف الأمر بالكلية في جماعات وتنظيمات تعمل في الخفاء مثل، تنظيم الجهاد، الذي يأخذ الشكل العنقودي، وكثير من جماعات صغيرة مارست العنف، وأطلقت عليها اسم “الجماعات الهامشية” أو “النووية”، والتي بلغ عددها العشرات في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين في مصر، أو تجمع بين السر والعلن، مثلما كان قائمًا لدى “الجماعة الإسلامية”، و”جماعة الإخوان المسلمين”، أو تعمل في العلن كلية مثل “الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة” و”جماعة السنة المحمدية” و”الدعوة السلفية” المدرسية التي تأسست في الإسكندرية، و”جماعة التبليغ والدعوة” وغيرها.

في حال الجماعات السرية، يُتخذ القرار ضمن دائرة ضيقة، ويكون سريعًا، وقد تساهم في صناعته مجالس شورية، أو مجموعة قليلة العدد قريبة من رأس التنظيم الذي يلقب بـ”أمير الجماعة”، وهو قرار يتخذ إما على سبيل الفعل، لا سيما إن كان الأمر يتعلق بممارسة عنف، أو يكون رد فعل على قرارات وإجراءات وتدابير السلطة السياسية والأمنية العليا في البلاد.

وفي حال الجماعات العلنية، أو التي لها شق علني، يصعد القرار ضمن الهياكل الإدارية من أسفل إلى أعلى، عبر جمع معلومات من الفروع الصغيرة والقواعد المنسابة في أوصال المجتمع، وصولًا إلى مجلس الشورى، أو مكتب الإرشاد، كما هو في حال “الإخوان المسلمين”. وقد يصدر أول القرار من أعلى، عبر الأمير عند تنظيمي “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” والمرشد لدى “الإخوان” ليحظى بدراسة سريعة أو متأنية، حسب الموقف والحدث والغرض، قبل أن يتم اعتماده، وخروجه إلى دائرة التصرف أو الفعل.

في كل الأحوال، وأيًا كانت طبيعة القرار، فإن هناك عناصر تسهم في تشكيله، أقف عليها في هذا المقام من واقع خطاب هذه الجماعات وممارساتها، ويمكنني ذكرها على النحو التالي:

1 ـ الأيديولوجية، والتي تتشكل من مختلف التأويلات للنص الإسلامي (القرآن والسنة) والتجربة السياسية التاريخية الممتدة منذ صدر الإسلام إلى وقتنا الراهن، وتعاليم المؤسسين، أو النصوص الجديدة المؤسسة مثل “رسائل حسن البنا” و”مذكرات الدعوة والداعية” عند “الإخوان” أو كتاب “الفريضة الغائبة” لمحمد عبد السلام فرج في حال تنظيم “الجهاد” التقليدي أو “العمدة في إعداد العدة” و”الجامع في طلب العلم الشريف” لسيد إمام المعروف باسم الدكتور فضل و”تحت راية النبي” لأيمن الظواهري عند تنظيم الجهاد الجديد، أو “ميثاق العمل الإسلامي” لدى “الجماعة الإسلامية” الذي ألفه عدد من قادتها على رأسهم كرم زهدي وناجح إبراهيم، أو كتب شكري مصطفى مؤسس تنظيم “جماعة المسلمين” الذي أشتهر أمنيًا وإعلاميًا باسم “التكفير والهجرة”، وخصوصًا كتابي “الخلافة” و”التوسمات”.

ثم جاءت كتابات أخرى؛ لتسهم في صناعة هذه الأيديولوجية مثل كتابات سيد قطب، خاصة كتاب “معالم في الطريق” و”دولة الفكرة” لفتحي عثمان، و”في سبيل الجندية” لمصطفى مشهور و”جيل النصر المنشود” ليوسف القرضاوي، عند جماعات الإخوان، وكتيبات ستة حوت مراجعات الجماعة الإسلامية، وكتاب لسيد إمام الذي قدم فيها مراجعة لتنظيم الجهاد.

2 ـ الفتاوى الشرعية التي قام بها من وضعتهم الجماعات موضع مصدري الفتوى فيها، مثل محمد عبد الله الخطيب عند “الإخوان” وعمر عبد الرحمن، ثم عبد الآخر حماد عند الجماعة الإسلامية وسيد إمام عند تنظيم الجهاد. وجاءت هذا الفتاوى مستنبطة أو مستنبتة من كتب التشريع الإسلامي بوجه عام، ومختلف تفاسير القرآن الكريم، واعتمدت في الغالب الأعم على تأويلات خاصة لمنتج تشريعي أو شرعي، يعتمد على المصادر المعروفة في الفقه الإٍسلامي بعمومه وأولها القرآن، ثم الحديث النبوي، والإجماع، والاستصحاب، وأخيرًا الاجتهاد.

وقد لاحظت أن كثيرًا من هذا الفتاوى، التي ساهمت في صنع القرار داخل هذه الجماعات، قد قفزت إلى النتائج أولًا، ثم صنعت لها المقدمات لاحقًا، كي تبررها، أو تصوغها في شكل شرعي، يمكن تبريره ظاهريًا وتمريره. فالقائمون على الجماعة، إن كانوا بصدد موقف أو حدث أو تحقيق رغبة أو المضي إلى مقصد، حددوا ابتداء ما يريدون، وهو ما يجلب لهم منفعة يرومونها، ثم بحثوا في تأويل النصوص والفتاوى والأحكام الفقهية القديمة والوقائع التاريخية، عما يضفي عليها شكلًا شرعيًا مفتعلًا ومصطنعًا، تقبله قواعد الجماعات والتنظيمات أولًا، ثم ينطلي على كثير من عموم الناس فيما بعد، لتظهر هذه الجماعات في مظهر، من يطبق ما يطلقون عليه “شرع الله” أو “شريعة الإسلام”.

3 ـ بنية الهياكل التنظيمية السياسية والإدارية، فبعض هذه الجماعات لها هيكل معلن ضمن نظامها التأسيسي، نراه عند الإخوان متمثلًا في المرشد، ومكتب الإرشاد، ومجلس شورى الجماعة، ومناطق وشعب موزعة وفق التقسيم الإداري للدولة، من محافظات ومراكز وقرى، ونراه عند الجماعة الإسلامية متمثلًا في أميرها، ثم أجنحة ولجان تخصصية مختلفة، منها الديني والاجتماعي والإعلامي.. إلخ.

هذه البُنى المتدرجة تسهم في صناعة القرار، حتى يصل إلى المرشد أو الأمير فيتخذه، ويكون مُلزمًا لبقية الأعضاء، وفق مبدأ “السمع والطاعة”، ويتكفل هؤلاء بالدفاع عنه وتبريره أمام جموع الناس، ممن تسعى هذا الجماعات إلى استمالتهم أو تحييدهم في صراعها ضد السلطة السياسية.

4 ـ القواعد العامة للدولة، وهي مسألة تظهر حال تحول هذه الجماعات إلى جمعيات أهلية، يحكمها قانون الجمعيات، أو أحزاب سياسية عليها مراعاة الدستور أو قانون مباشرة الحقوق السياسية. ورغم أن هذه الجماعات تسعى في حقيقة الأمر إلى الانقلاب على التشريعات والقوانين العامة، باعتبارها لدى كثير منها “قوانين وضعية”، فإنها تبدو مضطرة إلى مجاراتها، وإظهار الامتثال لها، ولو إلى حين.

ولهذا يستعين من يعملون في المجال العام، وبشكل علني، ضمن هذه الجماعات والتنظيمات برجال قانون ينتمون إليها، سواء كانوا قضاة يخفون انتماءهم عن السلطة السياسية وتصنفهم جماعات الإخوان مثلًا ضمن ما تسميه “الربط العام”، أو كانوا محامين أو باحثين في مجال التشريعات والقوانين، عليهم أن يدلوا بدلوهم في مدى ملاءمة القرار للدستور والقانون.

5 ـ حال الجماعة بين الاستضعاف والتمكين، فالقرار في وقت الضعف والمسكنة، يأخذ في الحسبان ما عليه المنافسين أو المصارعين أو المختلفين من قوة، فيأتي في كثير من الأحيان متحايلًا التفافيًا هادئ الصياغة. أما في وقت الشعور بالتمكن، فيكون واضحًا سافرًا محدد الأهداف دون مواربة.

وإذا كان هذا الأمر ينطبق أكثر على “جماعة الإخوان المسلمين”، فليس ملزمًا بالضرورة لغيرها من الجماعات التي يتصرف قادتها طوال الوقت، على أنهم هم الأعلون، وأن النصر حليفهم لا محالة، ووفق تأويلات لنصوص من قبيل” “المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف” و”كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”، و”لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون” أو تصورات من نوع “استعلاء الإيمان”، حسب تعبير سيد قطب.

6 ـ السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المحلية والدولية، فقادة هذه الجماعات والتنظيمات يدركون حين يجلسون إلى صناعة قرار واتخاذه، أن تصرفهم هذا لا يمكنه إغفال العناصر التي تؤثر فيه سواء أنتجتها البيئة الداخلية أو الخارجية، وسواء صدرت عن النظام السياسي المحلي أو النظام الدولي في عمومه.

 فهذه الجماعات تأخذ هذه المؤثرات في حسبانها، وهي ترمي بقراراتها إلى تغيير المجتمع وفق أيديولوجياتها، أو التفاعل بمقتضاه مع جماعات نظيرة خارج الحدود، أو في ظل تصوراتها ذات الطابع الأممي سواء عبرت عنها بـ “إقامة الخلافة” أو “أستاذية العالم”، كما يقول الإخوان، أو نزولًا على ما يطلق عليه البعض “عولمة الحركة الإسلامية”.

(نكمل الأسبوع المقبل)