مع إخضاع الهواتف المحمولة للمصريين المغتربين للرسوم الجمركية، تجددت الانتقادات لوزارة المالية بالتركيز على زيادة الحصيلة الضريبية بصرف النظر عن التداعيات، فخلال 4 أيام فقط من تطبيق القرار، واجه السائحون صعوبات في المنافذ الجمركية، بينما عبرت روابط المصريين بالخارج عن إحباطهم لتزامنه مع ارتفاع تحويلاتهم لمستوى قياسي.

الوزارة طبقت في يناير 2025، منظومة حوكمة الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، تتضمن إعفاء استثنائيًا من الجمارك للمسافر المصري الذي يدخل بهاتف واحد بشرط تصريحه وتسجيله لدى الجمارك عبر المنظومة المخصّصة، ومع انتهاء العام وبداية التطبيق، ظهرت تداعيات القرار.

قصًرت وزارة المالية الإعفاءات الجمركية على الهواتف، إذ تستمر لمدة 90 يومًا لبعض الحالات فقط، منها المصريون المقيمون في الخارج الذين يدخلون إلى مصر، والسائحون الأجانب خلال فترة إقامتهم.

النائب عبد المنعم إمام، وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، قال إن تجمعات المصريين في الخارج واجهت القرار بردود فعل غاضبة، عكست استياءً واسعًا من القرار، لمساسه بشريحة كبيرة من المصريين، نحن في أمسّ الحاجة لدعمهم، خاصة أن رئيس الوزراء ذاته أشاد بدورهم الوطني.

يضيف إمام في استجواب للحكومة، أنه بدلاً من مكافأة المصريين بالخارج بمزيد من الحوافز والتسهيلات– كالإسراع في مشروعات الإسكان الخاصة بهم، وتقديم مزايا لمن يواظب على التحويلات– جاء إنهاء الإعفاء الاستثنائي كرسالة سلبية، تمس الثقة المتبادلة، فالقرار ساوى بين المغترب الذي يتحمل مشقة الغربة، وبين السائح العابر، دون مراعاة للفروق الاجتماعية والاقتصادية.

المالية تقول في المقابل، إن قراراها يأتي بعد نجاح تطوير صناعة الهواتف المحمولة المحلية، والذي حقق دخول نحو 15 شركة تصنيع عالمية إلى السوق المصري للإنتاج المحلي، وإنتاج ما يقرب من 20 مليون جهاز سنويًا– أكثر من احتياجات السوق الداخلي، وتوفر هواتف بجودة عالمية وأسعار تنافسية مماثلة للهواتف المستوردة، وخلق آلاف فرص العمل المحلية في الصناعة والتصنيع، وبناءً على ذلك، لم يعد هناك حاجة للإعفاء الاستثنائي، وأصبح الاعتماد على الإنتاج المحلي أولًا هو الهدف الرئيسي من السياسات الجمركية الجديدة.

المصريون في الخارج مستاؤون من القرار

بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد المصريين بالخارج 11.8 مليونا عام 2022، بينما قدرتهم وزارة الهجرة بنحو 14 مليونًا، يتركز أكثر من 60% منهم في دول الخليج، وتحتل مصر المرتبة السادسة عالميًا في تلقي التحويلات وفق البنك الدولي.

وتساءل إمام: هل توطين صناعة المحمول سيتحقق بمنع المغترب من إدخال هاتفين أو ثلاثة لأسرته؟ وهل هذا هو رد الجميل المستحق لهم؟ وهل أُجريت دراسات وافية حول آثار القرار على الاقتصاد والمصريين بالخارج؟ وما حقيقة عدم التنسيق مع وزارة الخارجية وعدم الأخذ بتوصياتها؟ وكم عدد الشركات الجديدة التي دخلت السوق؟ وما حجم استثماراتها والعائد منها على خزانة الدولة؟ وما دور وزارة الاتصالات في إعداد هذا القرار؟ وما مدى تأثيره على سوق الاتصالات وتوطين صناعة المحمول بمصر؟”.

حققت الحكومة المصرية حصيلة بلغت نحو 10 مليارات جنيه (210.35 ملايين دولار) منذ بداية 2025 من تطبيق منظومة حوكمة الهواتف المحمولة، ويصل حجم الضرائب والرسوم الجمركية على الهواتف إلى نحو 38% من إجمالي قيمة الجهاز؛ بهدف رفع ثمنه وتشجيع المصريين على شراء الهواتف المحلية.

عبد النبي عبد المطلب، المسئول بوزارة الصناعة سابقا، قال إن القائمين على منظومة الرسوم الجمركية والضرائب يجب أن يعلموا أن تدفقات الاستثمار للدولة تتناسب عكسيا مع كمية الرسوم والاتاوات التي تفرضها هذه الدولة.

أضاف أن فرض رسوم جمركية على بعض السلع الضرورية يهدد جاذبية مناخ الاستثمار، ويزيد مخاطر عدم اليقين عند الشركات العالمية بشأن الاستقرار المالي والاقتصادي، وتابع: منطق فرض رسوم جمركية على الهواتف المستوردة، لا يختلف عن منطق تخفيف أحمال الكهرباء؛ لتوفير الغاز للتصدير، او منع استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج للحفاظ على احتياطي نقدي كبير.

تأثير على السياحة

يحمل القرار مشكلات في التطبيق على السياحة المصرية فالنائب عبد المنعم إمام تلقى رسالة من مواطن سعودي، دخل مصر كسائح ووضع شريحة مصرية بجواله لعشرة أيام ثم عادت لبلده، وبعد شهرين عادت لمصر كسائح لعشرة أيام، وفشل في استخدام الشريحة السعودية، فأصبح المحمول بلا أي جدوى، لا يعمل لا بشريحة مصرية ولا بشريحة سعودية، وحينما سأل عن السبب، طولب بدفع ٤٨ ألف جنيه ضريبة أو إدخال جهاز جديد.

صفحة الجالية المصرية في الإمارات، حذرت من أن القرار سيؤدي لعزوف عدد من المصريين بالخارج عن نيتهم قضاء إجازاتهم في وطنهم، وهو ما ينعكس سلبًا على الروابط الإنسانية والاقتصادية التي تحرص الدولة دائمًا على تعزيزها.

ودعت الجالية إلى إعادة النظر في هذا القرار أو إلغائه، والسماح للمصريين بالخارج باستخدام هواتفهم الشخصية داخل الوطن دون عوائق، وفتح قنوات تواصل مؤسسية مع ممثلي الجاليات المصرية قبل إصدار قرارات تمسهم بشكل مباشر.

المالية تؤكد: المنتج المحلي كافٍ

في المقابل، يقول شريف الكيلاني، نائب وزير المالية، إن القرار ليس مفاجئا، وجاء بعد وصول الوزارة لمرحلة طمأنة، بأن المنتج المحلي قادر على تلبية الاستهلاك، فكل البراندات العالمية باستثئناء براند واحد (يقصد أيفون) متواجد بالسوق المحلية، وهذا البراند لا يمثل 0.5% من الاستهلاك المحلي.

أضاف أن مصر تملك حاليًا 15 شركة عالمية، تصنع في مصر وتبيع بأسعار مناسبة جدًا، وتباع بالجنيه المصري بدون جمارك، وأسعارها مناسبة، وبالتالي، لا يوجد مبرر لاستيراد هواتف مصنوعة في الخارج، في ظل وجود نفس الهواتف مصنعة محليًا.

تتحدث بعض المصادر الحكومية عن تهريب نحو 16 مليون هاتف محمول خلال الفترة من 1 ديسمبر 2021 حتى 1 نوفمبر 2024، بقيمة تُقدَّر بنحو 16 مليار جنيه، واستوردت مصر خلال عام 2025 نحو 2 مليون هاتف محمول، مقابل مليون جهاز في عام 2024.

شريف الكيلاني أكد، أن 95% من واردات الهواتف كانت تدخل مصر بشكل غير قانوني، بينما تُباع إجمالي واردات الهواتف المهربة لمصر، بما يتجاوز 60 مليار جنيه سنوياً، وهو ما يعد تحدياً خطيراً للاقتصاد الوطني والخزانة العامة.

تشير البيانات الحكومية إلى ارتفاع الإنتاج الملحي ليقدر بنحو 10 ملايين جهاز مقابل 3.3 مليون جهاز عام 2024، مع ارتفاع نسبة المكون المحلي إذ تجاوزت نسبة القيمة المضافة في الأجهزة المصنعة محلياً حاجز الـ40%.

تؤكد مصلحة الجمارك، أن الهدف هو تشجيع تعميق الصناعة المحلية من خلال الرسوم الجمركية، والتي تساهم في زيادة إنتاج المصانع وتوفير فرص عمل، موضحًا أن المصانع المنتجة للهواتف توظف نحو 10 آلاف عامل مباشرة، بخلاف العمالة غير المباشرة، ما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني.

نائب وزير المالية السابق: الضرائب ليس أداة مالية

في المقابل قال د. عمرو المنير، نائب وزير المالية السابق إن الضرائب بما فيها الضريبة الجمركية ليست مجرد أداة مالية، بل إنها تمثل نقطة تفاعل مباشرة بين الدولة والمواطن هي خيار سياسي واجتماعي، بقدر ما هي خيار اقتصادي، وقد تكون سببًا في القبول والرضا أو في الاستياء والرفض، بحسب حجم وتأثير عبئها على حياة المواطن.

السياسة المعلنة للدولة المصرية تستهدف بوضوح دعم الاقتصاد الرقمي، وتوسيع الشمول المالي، والتحول إلى الاقتصاد غير النقدي، إلى جانب دمج الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل نسبة معتبرة من النشاط الاقتصادي وسوق العمل، ما يجعل الهاتف المحمول كأحد أكثر الأدوات فاعلية؛ لتحقيق هذه الأهداف، خاصة في الدول النامية والناشئة، بحسب المنير.

أضاف أن الهاتف المحمول يتميز بانتشاره الواسع وسهولة استخدامه، بل إنه- عمليًا- يتفوق في أهميته على أجهزة مثل التابلت والكمبيوتر واللاب توب، وهي جميعها أجهزة معفاة من الجمارك، ومن وجهة نظره، فإن الهاتف المحمول يجب أن يحصل على نفس المعاملة.

وشدد على أن الإشكالية الحقيقية بالقرار تكمن في تعارضه مع السياسة العامة للدولة، ومع الأدوار المتكاملة التي تقوم بها مؤسساتها المختلفة: من تنظيم خدمات الدفع والشمول المالي، إلى تطوير نظم التحصيل غير النقدي، إلى دعم البنية التحتية الرقمية، ويظل الهاتف المحمول هو نقطة الالتقاء العملية بين كل هذه السياسات.

أكد أن فرض جمارك- سواء على أجهزة لا تُصنّع محليًا، ولا بديلا لها، أو التي لها بديل مجمع محليًا، ولكنه أغلى سعرا أو أقل جودة- يعكس نظرة قاصرة للهاتف المحمول كوسيلة ترفيه ودردشة، لا كأداة تنموية محورية. ومن ثم، فإن هذا القرار يحتاج إلى إعادة نظر جادة، تضع في الاعتبار أن الهاتف المحمول لم يعد رفاهية، بل أصبح أحد مفاتيح المستقبل الاقتصادي والاجتماعي.