السلوك السياسي غير المألوف، والتصريحات الشاذة لرئيس دولة عظمى في حجم الولايات المتحدة من آن لآخر، تثير الدهشة. لكنها في حقيقة الأمر، تعبر عن أزمة عميقة، تمر بها الدولة القطب الأوحد في النظام العالمي، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991. فللولايات المتحدة الأمريكية اقتصادان؛ اقتصادها الأمريكي التقليدي، واقتصادها العولمي، وهو بمثابة اقتصاد ثاني لها. حيث نشأت رأسمالية عالمية عابر للقوميات. وفي ظل تلك الرأسمالية، صعدت الرأسمالية المالية الدولية، حيث تعددت المصالح وتعارضت أدواتها وآليات حركاتها.
هل يوجد صراع داخل أمريكا وماذا تمثل ظاهرة ترامب؟
نعم، وبشكل بنيوي وعميق، فالولايات المتحدة ليست كتلة واحدة، بل: تحالفات اقتصادية- مصالح طبقية- أقاليم مختلفة- رؤى متناقضة لدور أمريكا في العالم، وهذا الصراع قديـم، لكنه انفجر علنًا بعد 2008. فالصراع داخل أمريكا حقيقي، وترامب عبّر عن جناح قومي حِمائي، لكن هذا الصراع لا يُحسم داخل أمريكا وحدها، لأنه انعكاس لأزمة أعمق في النظام العالمي ذاته.
بداية.. ما المقصود باقتصاد “العولمة”؟
هو تحالف يضم الشركات متعددة الجنسيات- وول ستريت- وادي السيليكون- والإعلام الليبرالي..
هي شبكات إنتاجية عابرة للحدود، تتوزع مراحل تصنيع المنتجات والخدمات عبر دول متعددة، تتمثل في ما يُشار إليه غالبًا بـ“سلاسل القيمة العالمية GVCsGlobal Value Chains في سياق العولمة، تشمل هذه السلاسل تفكيك عملية الإنتاج إلى أجزاء متخصصة، حيث تتولى كل دولة جزءًا، بناءً على ميزاتها التنافسية مثل التكاليف المنخفضة أو التكنولوجيا المتقدمة، ثم يُجمع المنتج النهائي عالميًا.
مع نقل الشركات متعددة الجنسيات أجزاء من إنتاجها إلى الدول النامية لأجورها المنخفضة، مدعومة بتحرير التجارة، والتقدم في الاتصالات والنقل، والتكتلات الإقليمية، ساهمت العولمة في توسيعها عبر إزالة الحواجز الجمركية، مما حوّل الاقتصاد من الاعتماد على الموارد المحلية، إلى اقتصاد المعرفة والقيمة المضافة العالية في التصميم والتسويق.
وسلاسل القيمة العالمية تختلف عن سلاسل الإمداد التقليدية في النطاق والتركيز، حيث تركز الأولى على إضافة قيمة عبر مراحل الإنتاج المتكاملة عالميًا، بينما تقتصر الثانية على تدفق المواد والمنتجات محليًا أو إقليميًا. النطاق الجغرافي تمتد سلاسل القيمة العالمية عبر دول متعددة، مع تفكيك الإنتاج إلى أجزاء متخصصة (مثل التصميم في دول متقدمة والتجميع في نامية)، هذا التيار يرى أن قيادة أمريكا للعالم تمر عبر العولمة لا الانعزال.
والآن.. ما المقصود بالاقتصاد “التقليدي” أو القومي؟
الاقتصاد «التقليدي» في الولايات المتحدة له أربعة مكوِّنات: الصناعات الثقيلة Heavy Industry، وهي القطاعات الكلاسيكية التي قامت عليها القوة الأمريكية: الصلب– السيارات- الفحم والطاقة التقليدية- الصناعات الميكانيكية- الصناعات العسكرية الأساسي، في ولايات الحزام الصناعي مثل بنسلفانيا– أوهايو– ميتشجان التي أصبح يشار إليها بحزام الصدأ Belt Rust، ويرمز بها إلى تدهور المصانع والمنشآت الصناعية التي تركت لتصدأ بعد إغلاقها، وهي الامتداد الجغرافي للمنطقة الصناعية سابقًا، التي أضرتها العولمة، بسبب نقل المصانع إلى آسيا والمكسيك، حيث أضرت اتفاقات التجارة الحرة بالعمال المحليين، كما قللت التكنولوجيا الحاجة إلى العمالة.
كذاك جزء من رأس المال الصناعي Industrial Capital، وهي شركات إنتاج محلية- مستثمرون في البنية التحتية- التصنيع المحلي، ويختلفون عن رأس المال المالي (وول ستريت) ورأس المال الرقمي (وادي السيليكون)، لأن الأرباح صارت تُجنى من المضاربات لا من الإنتاج، وبسبب المنافسة الأجنبية المدعومة حكوميًا (الصين)، وموقفهم السياسي دعم الحمائية- الرسوم الجمركية- إعادة التصنيع، وهؤلاء موّلوا ودعموا ترامب، لا حبًا فيه، بل دفاعًا عن مصالحهم.
أيضا ما يسمى بالقاعدة البيضاء المتوسطة White Middle Class، وهم عمّال مهرة- موظفو مصانع- شرائح من الطبقة الوسطى الدنيا، غالبًا ذوي تعليم متوسط- دخل ثابت، وقد خسرت هذه القاعدة الوظائف- الأمان الاجتماعي- المكانة الرمزية– مع شعورها العميق الإحساس بـالإقصاء، وفقدان الامتياز التاريخي وتراجع الحلم الولايات الصناعية.
وأخيرًا التيارات المحافظة والقومية، وتشمل المحافظة الاجتماعية (الدين– الأسرة- القيم التقليدية)، والقومية الاقتصادية (رفض الهجرة- رفض العولمة)، والتي تلاقت مع الاقتصاد التقليدي، لأن العولمة هددت الوظائف– الهوية- الثقافة، هذا التيار وفّر الإطار الأيديولوجي للتمرد على النظام القائم، وقد تجمعت هذه الأجزاء في ظاهرة ترامب.
كذلك عززت سياسات ترامب بشكل واضح مصالح المًجَمَّع العسكري الصناعي الأمريكي، من خلال عقد صفقات ضخمة مع دول الخليج، لبيع أسلحة بمئات المليارات، لتخلق فرص عمل في أمريكا، مع دعم رفع ميزانية الدفاع، والتراجع عن اتفاقيات الحد من الأسلحة، مما يشجع سباق التسلح وينشط صناعة الحرب.
ورغم خلافاته أحيانًا مع جنرالات المُجَمَّع، فقد كان أفضل من يمثِّل مصالح شركات السلاح، خصوصاً بتسويق منتجاتها داخل وخارج أمريكا، برغم أن سياسة ترامب الحمائية، رفعت التكاليف لبعض الصناعات العسكرية؛ بسبب الرسوم الجمركية، لكن المحصلة هي أن ترامب لعب دورًا مركزيًا في تقوية دور المجمع العسكري الصناعي اقتصادياً وسياسي، وساهم في زيادة فرص العمل في قطاع الصناعات العسكرية، بفضل الطلب الأمريكي والخارجي.
فترامب لم يخترع هذا التيار، بل عبّر عنه أعطاه لغة سياسية، ووحّده ضد خصم مشترك (العولمة– وول ستريت– النخب الليبرالية) وشعاره «Make America Great Again» يعني عمليًا (إعادة التصنيع- إعادة الوظائف- إعادة السيادة)– بالكرامة– بالحدود– بالسيادة، هذا بُعد اجتماعي– نفسي بقدر ما هو اقتصادي، فالصراع في أمريكا اليوم ليس فقط على السياسات، بل على تعريف معنى «أمريكا» نفسها، صراع اجتماعي– سياسي– هويّاتي، هذا التيار وفّر الإطار الأيديولوجي للتمرد على النظام القائم.
الصراع بين دونالد ترامب وخصومه، يعكس خلافًا جوهريًا في الرأسمالية الأمريكية، فترامب يدافع عن الرأسمالية التقليدية والقومية، التي تركز على حماية السوق الأمريكي، والرأسمالية المرتبطة بالصناعات والإنتاج المحلي، وفرص العمل في أمريكا، من خلال تقليل الاعتماد على الاستيراد. بينما خصومه يدعمون رافد الرأسمالية العولمية، التي تعتمد بشكل كبير على الإنتاج خارج أمريكا، في دول مثل الصين والهند، وتقوم بتصدير إنتاجها إلى داخل السوق الأمريكي، مع انفتاح أكبر على الأسواق العالمية.
ردود الفعل الداخلية والخارجية
تباينت ردود الأفعال في الداخل والخارج، على سياسات ترمب الحمائية لحماية الصناعة المحلية. فقد لاقى ترامب دعمًا من العمال، الذين فُقدوا وظائف بسبب العولمة، فسياساته شجعت على استعادة فرص العمل في الصناعة الأمريكية، فاستقبلت نقابات العمالية بالولايات المتحدة سياسات ترامب بحماس، لأنها تدعم فرص العمل الأمريكية واستعادة وظائف المصانع، كذلك دعمت النقابات السياسات، التي تقلل الهجرة غير الشرعية، لكي تحمي حقوق العمال الأمريكيين.
لكن الشكاوى جاءت من بعض قطاعات الأعمال والاقتصاد، الذين يعتمدون على العمالة الأجنبية والمواد الخام المستوردة، بسبب زيادات التكاليف، والقيود الجديدة، وأيضًا ارتفاع أسعار بعض السلع، بسبب رسوم الاستيراد، مما أثر على المستهلك الأمريكي.
كذلك الشركات الأمريكية التي تعمل في الخارج، وتصدر للسوق المحلي، واجهت تحديات مع سياسة ترامب الحمائية، خصوصًا بسبب زيادة الرسوم الجمركية والقيود على الواردات، بعضها عانت من ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب الرسوم، مما أثّر على أسعار منتجاتها داخل أمريكا، فحاول بعضها نقل الإنتاج أو بعض سلاسل التوريد Supply Chain (المواد أو المكونات- الشركات المصنعة– التوزيع)، للحد من التأثيرات السلبية لسياسة ترامب الحمائية، مما ساعدها تتجنب رسوم جمركية عالية، وتحافظ على أسعار منتجاتها، مناسبة للسوق الأمريكي، مثلما فعلت شركة “جوجل”، التي نقلت بعض خطوط إنتاجها، بعيد عن الصين إلى دول أخرى مثل فيتنام والهند، كما نقلت شركة آبل بعض أجزائها من الصين إلى الهند وفيتنام. وشركات مثل نايكي وأديداس وسعت مصانعها في فيتنام وإندونيسيا بدلًا من الصين. كما نقلت شركات السيارات أجزاء من إنتاجها من المكسيك لأمريكا أو لدول أخرى أقل رسومًا، هذه الشركات حاولت أن تقلل تكاليف الرسوم، وتضمن استقرار التوريد لمنتجاتها.
أما بالنسبة لصين فقد ردت على سياسات ترامب الحمائية، بخطوات قوية ومتعددة. منها أنها فرضت رسومًا انتقامية تتراوح بين 10-34% على منتجات أمريكية من قطاع الزراعة والطاقة والآلات، كما وضعت حواجز غير جمركية، عرقلت استيراد بضائع أمريكية، أو فرضت قيودًا على تصدير معادن نادرة حيوية للصناعات التقنية والدفاعية، كما أدرجت شركات أمريكية في قائمة الكيانات غير الموثوق بها، وفتحت تحقيقات مكافحة احتكار ضد شركات مثل جوجل. رفعت دعاوى ضد الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية.
كما وسَّعت الصين علاقاتها التجارية خارج أمريكا، لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكي، وأصبحت مستعدة لمواجهة الحرب التجارية بثبات، وتجهيز استراتيجيات طويلة الأمد، أما الاتحاد الأوروبي فقد تحمل في البداية، وراهن على عدم التصعيد، لكن لما زادت التهديدات بالرسوم، قرر أن يرد بالرسوم الانتقامية على صناعات أمريكية مهمة، وفي نفس الوقت حافظ على استراتيجيات تفاوضية ذكية مع واشنطن، كما عرض اتفاقات لتخفيف الرسوم وتعزيز التعاون في الطاقة والتقنية، بينما عقدت اليابان صفقة تجارية مع أمريكا خفضت فيها الرسوم الجمركية على منتجاتها، مقابل فتح أسواقها أمام بعض السلع الأمريكية مثل الشاحنات والأرز، كما التزمت بالاستثمار في الاقتصاد الأمريكي.
بينما كان رد فعل المكسيك وكندا متوازنًا مع اتفاق USMCA، ورفعتا مستوى التعاون مع أمريكا لتعديل شروط التجارة بما يناسب الجميع، لكنهما كانتا حذرتين من سياسات ترامب الحمائية. فالمكسيك حسّنت شروط الأجور وسلاسل الإنتاج في اتفاقية USMCA؛ للحفاظ على تنافسيتها. وركزت كندا على حماية صناعاتها الرئيسية، ورفضت فرض رسوم انتقامية كبيرة، لكنها استجابت بالتفاوض والتعاون الاقتصادي.
ربما كانت أخطر نتائج هذا الصراع، أنها تحولات كبرى لها ما بعدها، في الفكر الاقتصادي الدولي وفي السياسات الاقتصادية، وفي النظام العالمي، بعد ما أدت إليه رأسمالية الدولة الصينية من تطور منذ عام 1978، وتراجع النيوليبرالية الأمريكية أمامها، التي دعا إليها إجماع واشنطن عام 1989.. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، وما انتهت إليه منظمة التجارة العالمية عام 1994.






