تعتمد الصحافة الاستقصائية على بناء الأدلة والإثباتات المسنودة إلى مصادر جيدة وموثوق بها، يتم التعامل معها بدرجة عالية من الاحتراف والمهنية، عبر فحصها ودرسها وتقصي حقيقتها، وإثارة التساؤلات حولها للوقوف على مصداقية المصادر، وعدم البوح بها، وتوسيعها وتجديدها، والاطمئنان إلى دقة الوثائق، بل يتبنى الصحفي هنا دور المحقق، كي يفرز المعلومات، التي قد تكون غزيرة، فالصحفي الذي يحقق في موضوع مهم مثل الجرائم الخطيرة أو الفساد السياسي أو تجاوز رجال أعمال أو شركات، قد يقضي شهورا أو سنوات ساعيا وراء المعلومات، من ثم يعد هذا النوع من الصحافة مصدرا رئيسيا للمعلومات.

والصحفي الاستقصائي يجب أن يمتلك قدرة على الحفر عميقا عبر السعي الدائب والصبور والدقيق خلف قضايا مهمة، ومعرفة واسعة بالقوانين، وإلمام بأساسيات العمل الصحفي وألوانه، والتحلي بالتفكير العلمي، والتمسك بالحياد والنزاهة، وفهم طبيعة التحديات التي تواجهه ومنها الرقابة السياسية والتمويل.

من أجل ذلك، تبدو هذه المهمة خطرة في أماكن الصراعات والحروب، أهلية أو نظامية، حيث تحتاج إلى دأب شديد، ونفس طويل، ابتداء من وضع السؤال الأساسي أو فرضية التحقيق، ثم انتهاج طرق متقدمة للبحث، وبناء القصة أو أسلوب السرد، والحصول على المصادر وتدقيق الوثائق، وانتهاء بالخلاصات أو النتائج.

فهل كان من يغطون الحرب الأفغانية، من الصحفيين المنتمين للجماعات الدينية السياسية، يلتزمون بهذه الشروط كلها أو بعضها؟ أم أن ما كان يعنيهم هو نصرة قضيتهم على حساب الحقيقة؟ وهل أخذت هذا النصرة صيغة التعبئة أو التحشيد، أم لا؟

ويجب أن نأخذ هنا في الاعتبار، أننا نحلل مادة صحفية، تم نشرها وبثها وإطلاقها عموما في زمن ما قبل ثورة الاتصالات الرهيبة، التي بدأت بالفضائيات العابرة للقارات، بعد إذاعات لعبت هذه الدور لعقود سابقة مثل “بي. بي. سي” و”مونت كارلو” و”صوت أمريكا”، ووصلت مع الإنترنت، وخصوصا مواقع التواصل الاجتماعي، إلى عصر “المواطن الصحفي”، لتصبح المشكلة الآن لا تتمثل في نقص المعلومات، وكيفية الحصول عليها، إنما كيف يمكن لصحفي أو باحث أن ينتقي المهم من بين سيل الأخبار والمعلومات التي تتدفق عليه؟ وكيف عليه أن يبذل جهدا مضنيا في سبيل التحري والتقصي والتمحيص؟

من قبل كانت المعلومات شحيحة، وكان يتعذر على من يوجدون في بلدان خارج أفغانستان، أن يقفوا على الحقيقة، ولم يكن لهم من طريق لمعرفة ما يجري في ساحة المعركة سوى ما تبثه وسائل الإعلام التي تتحكم فيها سلطات متحيزة ضد الاتحاد السوفيتي، في إطار الدوران في الفلك الأمريكي، أو الآلة الإعلامية الأمريكية ولأوروبا الغربية الجبارة في ذلك الوقت، وكذلك المنابر والمنافذ التي تمتلكها الجماعات الدينية السياسية.

هذه الوسائل التي كان المواطنون في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، والعربي خصوصا، أكثر تعرضا لها، كانت حريصة على صناعة “تحقيقات صحفية” من الميدان، كانت في شكلها تبدو وكأنها تتبع الشروط المهنية للاستقصاء، لكنها، عند الصحفيين المؤدلجين عموما، وأفكار الإسلام السياسي التي نحن بصددها هنا، لم تتجاوز خطوط الدعاية الذكية، التي تمرر ما يريدون إيصاله إلى المتلقي في ثوب المهنية المزعومة. وكانوا يعتمدون أيضا في مزيد من ترويج هذه المادة على ما يسمون هنا بـ “حراس البوابات”، وهم أتباعهم ممن ينتمون إلى مختلف الجماعات الإسلامية السياسية، التي كانت منتشرة في كل البلدان تقريبا، وهي إن تخالفت وتشاققت على قضايا محلية في أي بلدة، فإنها كانت مجمعة على نصرة ما سمي بـ “الجهاد الأفغاني”.

فمن المؤكد أن تغطية الحرب الأفغانية قد توزع بالأساس بين اتجاهين متناقضين، يعكسان الاستقطاب الحاد الذي كان سائدا أيام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي المنهار والولايات المتحدة الأمريكية، انحشرت وحوصرت بينهما أصوات خافتة، تمثل وجهة نظر مستقلة.

وعنوان هذه المقالة البحثية، يقول بوضوح إننا لسنا بصدد فحص هذه الاتجاهات جميعا، بل إننا أمام فرع من إحداها، يتمثل في صحفيين منتمين إلى الجماعات الدينية السياسية، انضووا تحت الاتجاه الذي تزعمته الولايات المتحدة، لكنهم لم يكونوا بالقطع على المستوى نفسه من المهنية التي كانت تغطي بها الصحف والتلفزة والإذاعات الأمريكية نفسها أنباء الحرب. فقد تركت أمريكا، وهي المهيمنة على الإعلام في هذا الوقت ولا تزال، إعلام الجماعات الإسلامية المتحالفة معها يمارس كل أنواع الدعاية الفجة الظاهرة، التي بلغت حدا واسعا من الطغيان، لدرجة أنها جرفت أمامها كل صوت للحقيقة.

وإن كنا في هذا المقام أمام حالة دراسية محددة لممثلين لذلك النوع من الإعلام، فقد يكون مفيدا أن يدلي كاتب هذه السطور بشهادة قصيرة قبل المضي في تحليل النموذجين، فبينما كانت الحرب الأفغانية على أشدها التحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة عام 1985، وبحكم دخولي قسم العلوم السياسية، فقد تابعت مجريات هذه الحرب، سواء في وسائل الإعلام أو من خلال التواصل المباشر مع طلاب كانوا ينتمون لتيار “الإسلام السياسي” راحوا يطاردوننا بالمطبوعات والصحف التي تمجد “مجاهدي” الحرب الأفغانية، وتزعم أن لهم أفعالا خارقة للنواميس. ومن ضمن الأشياء التي تحضرني هنا، ما كانوا يزعمونه دوما، ويلاقي رواجا في الأوساط الطلابية، أن المجاهد كان يقبض على حفنة من رمل ويلقيها على الدبابة الروسية فتحترق، وتناسلت مثل هذه الأساطير، وانداحت في المجال الاجتماعي كله، وكانت ترمي بالأساس إلى جذب الشباب للتجنيد في ” موجة الجهاد”، وإضفاء طابع خارق على “الحركة الإسلامية” برمتها، للبرهنة على أنها “توجه رباني”. وأتذكر أنني تحدثت ذات يوم أمام عدد من المنتمين للجماعة الإسلامية عن دور تجارة المخدرات في تمويل “صندوق الجهاد الأفغاني” فاستشاطوا غضبا، وقام أحدهم بتكفيري.

وسط هذا الزخم الشديد من الاختلاقات والأقاويل الغارقة في نهر المبالغة، لمعت بعض أسماء الصحفيين المنتمين لـ “الإسلام السياسي”، سواء أثناء الحرب أو حتى بعدها بسنين طويلة من خلال تقصي ما جرى فيها، أو السعي خلف شخصيات عربية لعبت أدوارا مهمة ميدانية أو في حشد شباب العرب والمسلمين للقتال عبر التجنيد المباشر، أو عن طريق الدعاية الممهدة.

وفي هذا المقام سأتخذ اثنين من هؤلاء الصحفيين، كدراسة حالة، كما سبقت الإشارة، وهما:

1 ـ أحمد منصور، وهو صحفي ومذيع ومنتج تلفزيوني مصري، يحمل الجنسية البريطانية أيضا، ولد في يوليو 1962، وحصل على ليسانس الآداب من جامعة المنصورة المصرية، اشتهر بعد تقديمه برنامجي “بلا حدود” و”شاهد على العصر” بقناة “الجزيرة” القطرية، وذلك بعد عمله مدير تحرير لمجلة المجتمع الكويتية، ومدير إدارة المطبوعات والنشر في دار الوفاء بمصر، وهي دار تابعة لجماعة الإخوان، ومراسلا صحفيا في أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى لحساب العديد من الصحف والمجلات العربية، في الفترة من 1987ـ 1990، ثم غطى الحرب في البوسنة والهرسك 1994ـ 1995، ومعركة الفلوجة في العراق عام 2004. ويحمل منصور عضوية نقابة الصحفيين المصرية، وجمعية الصحفيين البريطانية، وصحفيون بلا حدود الفرنسية، وجمعية الصحفيين الدولية، وله العديد من المؤلفات منها: “تحت وابل النيران في أفغانستان” و”معركة الفلوجة.. هزيمة أمريكا في العراق” و”قصة سقوط بغداد”.

2 ـ ياسر أبو هلالة، صحفي أردني من مواليد 1969، حاصل على ليسانس الآداب من جامعة اليرموك قسم اللغة العربية، عمل في صحف أردنية عدة مثل “الرباط” و”السبيل” و”الرأي” و”الغد” و”الحياة” التي كانت تصدر في لندن باللغة العربية، قبل انتقاله مراسلا لقناة “الجزيرة” فمديرا لمكتبها في الأردن، وأخيرا مديرا للقناة في يوليو 2014 حتى 2016. وأثناء وجوده بالجزيرة عمل مراسلا ميدانيا لها في عدة دول، وشارك في تغطية أحداث مهمة. وقد أنتج أبو هلالة أفلاما وثائقية، منها ما تتبع فيه مثل “عبد الله عزام أول الأفغان العرب”، و”الطريق إلى بغداد”. وهو من المؤمنين بأهمية الاستقصاء والاستطلاع في تقديم عمل إعلامي فعال.

وهاتان الشخصيتان تعدان ممثلتين لتغطية إعلام “التيار الديني” للحرب الأفغانية، فالأول ينتمي إلى “جماعة الإخوان” والثاني مثله أو على الأقل يُصنف متعاطفًا معها، وكلاهما خاض العديد من التجارب الإعلامية المتنوعة بين الإعلام المقروء والمرئي، كما أن كثيرا مما أنتجاه لم يكن منزها عن غرض ما، إما لتحيزات الشخص وإما لاتجاهات ومصالح الجهة التي يعمل لحسابها، أو للأمرين معا.

من أجل ذلك، فإن هذين الاختيارين بوسعهما أن يعطيا أمثولة أو أطروحة أو نموذجا دالا على كيفية توظيف الصحافة الاستقصائية في التعبئة أثناء الحرب الأفغانية، وعلينا هنا أن ندرك عدة أشياء، كي نبرهن على علمية ما نذهب إليه:

1 ـ لا يعتني شخص بتعبئة أو حشد، إلا إن كان منتميا، وبذا فمن المبرر في مقامنا هذا أن نتخير، أو ننتخب من بين هؤلاء المنتمين؛ كي نقف على حضور التحشيد في خطابهم، حتى وإن لبس لبوسا واقعيا أو زعم أصحابه، أنه صورة من التغطية الصحفية المهنية.

2 ـ إن الصحافة الاستقصائية قد تتطلب في أغلب الأحيان قرب من يقوم بالتغطية أو المتابعة من الظاهرة وصانعيها, فمثل هذا بوسعه أن يصل إلى أعماق قد تتعذر على البعيدين منها. والشخصان اللذان اختارناهما هنا، هما قريبان من الظاهرة، ولذا بوسعهما أن يجمعا عنها معلومات مباشرة عبر علاقات لصيقة مع مصادرها.

3ـ إن الشخصين اللذين نحن بصددهما يعبران عن جانبين مهمين من دراسة الظاهرة أو الحالة، فأحدهما انغمس فيها، وعاش تفاصيلها، والآخر لحق بها، باحثا عما خفي فيها، أو راغبا في تفجير المسكوت عنه منها، أو لديه هدف محدد، هو إنعاش الذاكرة بها، بغية خدمة جماعات وتنظيمات دينية سياسية غيرها، لا تزال، في حقيقة الأمر، تعتقد أن التجربة الأفغانية فيها من العبرات والعظات، ما يستحق التمثل والاتعاظ، بل الطاعة.

4 ـ إنه لا يمكن من الناحية العملية أو الواقعية تتبع سيل ما تدفق من دعايات ومعلومات إبان الحرب الأفغانية، فقد كان غزيرا ومتسعا، تتضارب فيه الأكاذيب لتزيح الحقائق الصغيرة، وفق قاعدة الدعاية النازية التي تقول: “اكذب.. اكذب.. فقد يصدقك الناس”، ولذا فإن اتخاذ حالة أو اثنتين يمكن أن يكون أكثر إفادة من الغرق في كم المعلومات والسرديات والتهاويم والأوهام والادعاءات والأكاذيب وبعض الحقائق التي رشحت عن حرب ضروس، دارت رحاها في أرض وعرة، وخلال أيام لم يكن كل شيء ملقى على قارعة الطريق، مثلما هو في أيامنا، حيث تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصدر معلومات، وصرنا في زمن “المواطن الصحفي” الذي بوسعه أن يسمع ويرى ويسجل ويصور ما يراه، ويلقيه في بحر الشبكة العنكبوتية الرهيب.

5 ـ إننا أمام شخصين، لم ينقطع عطاؤهما في خدمة الأيديولوجية التي يعتنقانها أو يتعاطفان معها، حتى وقت إعداد هذه الدراسة، ولذا فإن الحديث عنهما، ليس كلاما في التاريخ، إنما هو في ظاهرة ممتدة، لا يزال تأثيرها قائما، بل ملهما بالنسبة للتنظيمات والجماعات التي تتخذ من الإسلام أيديولوجية، تسهم في وصولها إلى السلطة السياسية.

اقرأ أيضا : الإعلام التعبوي لدى التيار السياسي الإسلامي.. قديم متجدد (1 ـ 4)