تحولات في النظام العالمي:

النظام العالمي في العصر الحديث هو أوروبي النشأة، حيث تكوُّنت دول أوروبا الحديثة نتيجة مسار تاريخي طويل، امتد منذ انهيار الإمبراطوريات القديمة، ومرّ بصراعات دينية وسياسية وعسكرية واقتصادية، حيث كانت نهاية الإمبراطوريات الجامعة، حرب الثلاثين عامًا 1618- 1648 أخطر صراع أوروبي قبل القرن العشرين، بدأ دينيًا (كاثوليك- بروتستانت)، ثم تحول إلى صراع سياسي، وانتهى بصلح وستفاليا عام 1648.

وأهمية صلح وستفاليا، هو الاعتراف بسيادة الدولة على إقليمها، وعدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية لغيرها، ويُعد الميلاد الحقيقي للنظام الدولي الحديث، كما نعرفه اليوم، فصلح وستفاليا لم يكن مجرد نهاية حرب، بل إعادة تعريف للعلاقات الدولية، وفق المبادئ التي تقوم أسسها على السيادة الإقليمية لكل دولة سلطة مطلقة داخل حدودها، والمساواة القانونية بين الدول الأمير الصغير والإمبراطور قانونيًا، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وفي ظل هذا النظام، كانت مواجهة هيمنة فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكبح نابليون (مؤتمر فيينا 1815)، إدارة الصراع دون تدمير النظام ككل، هذا هو أصل مفهوم “الأمن الجماعي” لاحقًا، وقد تم تعميم النموذج الأوروبي عالميًا، عبر الاستعمار نقل الدولة القومية بالقوة إلى إفريقيا وآسيا والأمريكيتين والشرق الأوسط، حيث جرى رسم حدود مصطنعة لا تعكس الهويات.

ومن ثم، كانت الأمم المتحدة هي محاولة تعميم القواعد الأوروبية عالميًا، فالدول الجديدة دخلت نظامًا، لم تشارك في صناعته، لكنه فرض عليها وفق قواعد قانون دولي، وضعتها القوى الكبرى عقب الحرب العالمية الثانية، فقد انهار النظام القائم على توافق مؤتمر فيينا 1815، خلال الحربين العالميتين 1914– 1945، وقد ظهرت أشكال جديدة من الإمبريالية غير المباشرة (نفوذ اقتصادي- قواعد عسكرية- تحالفات أمنية)، بدأت بنظام القطبين (أمريكا- الاتحاد السوفيتي) والحرب الباردة بينهما، وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 تحول إلى أحادية قطبية أمريكية على مراحل.

كانت المرحلة تأسست الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة، تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية، بل قبل تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، قامت بالدعوة لنظام اقتصادي عالمي جديد عام 1944 في مؤتمر بريتون وودز، حيث أسست صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لدعم حلفائها وتلافي أسباب الصراع بينهم، فقام صندوق النقد الدولي على أساس تثبيت سعر الصرف، لتجنب الحروب التجارية بواسطة التخفيضات المتبادلة بينهم، وقام البنك الدولي بتقديم القروض لإعادة تعمير البنية الأساسية، ومنذ عام 1947 عبر خطة مارشال لإعادة الإعمار الاقتصادي، من جهة أخرى، بلغ التنظيم العسكري الرسمي ذروته بتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إبريل 1949 كتحالف دفاعي بين 12 دولة أساسية بقيادة الولايات المتحدة، ردًا على التهديد السوفييتي، السياق التاريخي بدأت الكتلة الغربية كاستجابة لخطة ترومان عام 1947، التي هدفت إلى منع انتشار الشيوعية، استمرت كـ “عالم حر” مقابل الكتلة الشرقية خلال الحرب الباردة، حتى تفكُك الأخيرة في التسعينيات.

خلال الستينيات تعافت دول أوروبا واليابان من آثار الحرب العالمية الثانية، وأصبحت تتمتع بفوائض مالية، وأصبحت أمريكا ذاتها دولة عجز مالي، بسبب حرب فيتنام تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها وتضخم وبطالة. فقامت بإثارة ثلاث أزمات عالمية، الأولى أزمة نقدية عام 1971 بإيقاف تحويل الدولار إلى ذهب، والثانية أزمة غذاء عالمي عام 1972، بعقد صفقة ضخمة للقمح مع الاتحاد السوفيتي؛ أدت لارتفاع أسعاره، والثالثة أزمة طاقة عام 1973 برفع أسعار البترول، متسترًا بحرب أكتوبر لتبرير ذلك وإرساء نظام اقتصادي عالمي جديد.

إمبراطورية الدولار: قام هذا النظام الجديد على عمليتين: الأولى قصر بيع البترول على الدولار، ومن ثم نشأ نظام البترو دولار، الذي مكن أمريكا من طبع بنكنوت دون ارتباط بالناتج المحلي الإجمالي، فأصبح حوالي 70% من البنكنوت الأمريكي متداول في السوق العالمي، مما يمكنها من إنفاق عسكري ضخم.

والثانية هي تدوير المال النفطي recycling، وهو يقوم على تحويل الفوائض التي تكونت لأوروبا واليابان إلى الدول المنتجة للنفط، التي ستودع ما يفيض عن حاجتها في البنوك الأمريكية العابرة للجنسية، والتي بدورها ستتوسع في إقراض دول العالم الثالث، فتقع في فخ الدين، حيث ينتظرها صندوق النقد الدولي بسياسة نقدية جديدة، تختلف عن السياسة التي كانت موجهة للحلفاء، والتي أصبحت تقوم على بندين رئيسيين؛ خفض سعر الصرف وإزالة الدعم.

على الجانب الآخر بعد الحرب العالمية الثانية بعد 1945، تشكلت الكتلة الشرقية تدريجياً، مع سيطرة الاتحاد السوفيتي على دول أوروبا الشرقية، كما تأسس حلف وارسو، رسمياً في 14 مايو 1955 كمعاهدة دفاع مشتركة بين الاتحاد السوفيتي وسبع دول شرقية أخرى، ردًا على انضمام ألمانيا الغربية إلى الناتو، وكانت تعتمد أيضاً على مجلس التعاون الاقتصادي المشترك COMECON، المُنشأ عام 1949 للتنسيق الاقتصادي، شكلت هذه الدول تحالفاً عسكرياً واقتصادياً موازياً لحلف الناتو خلال الحرب الباردة، واستمر حتى حله رسمياً في يوليو 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحول النظام العالمي إلى نظام أحادي القطب، وتدخلات باسم حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، مما يؤدي إلى تآكل مبدأ السيادة دون بديل واضح.

بداية تآكل نظام القطب الواحد

بدأ تآكل الهيمنة الأمريكية وبروز ملامح نظام عالمي جديد، مع الأزمة المالية التي حدثت في أمريكا، وامتدت للعالم عام 2008، وكانت أسباب الأزمة ما يلي:
1- فقاعة العقارات في الولايات المتحدة؛ بسبب توسّع هائل في منح قروض عقارية عالية المخاطر، لأفراد غير قادرين على السداد، وارتفاع أسعار العقارات بشكل مصطنع، اعتمادًا على المضاربة لا على الطلب الحقيقي.

2- التوسع في التوريق المالي: البنوك لم تحتفظ بالقروض، بل حوّلتها إلى أدوات مالية معقدة أوراق مالية مدعومة بديون عقارية MBS Mortgage Backed Security، وتم بيع هذه الأدوات في الأسواق العالمية، على أنها استثمارات آمنة.

3- ضعف الرقابة المالية: سياسات التحرير المالي منذ الثمانينيات، خصوصًا إلغاء قانون Glass-Steagall عام 1999، وهو قانون صدر عام 1933 بعد سنوات الكساد العالمي، يحظر على البنوك التجارية التي تقبل ودائع، بيع أو شراء الأوراق المالية أو المضاربة، فيها لتجنب تعريض أموال العملاء للمخاطر، وغياب رقابة فعالة على البنوك الاستثمارية وصناديق التحوط.

4- دور وكالات التصنيف الائتماني في منح أدوات عالية المخاطر تصنيفات ائتمانية مرتفعة (AAA) تضارب المصالح بين الوكالات والمؤسسات المالية.

5- الإفراط في الاقتراض بحيث البنوك عملت بمستويات ديون مرتفعة جدًا مقارنة برأس المال وأي هزة صغيرة أدت لانهيار متسلسل.

6- السياسة النقدية قبل الأزمة قدمت أسعار فائدة منخفضة لفترة طويلة بعد 2001، وشجعت على الاقتراض والمضاربة بدل الاستثمار الحقيقي.

وتمثلت لحظة الانفجار في تراجع أسعار العقارات وعجز المقترضين عن السداد، وانهيار مؤسسات كبرى مثل ليمان بزر Lehman Brothers سبتمبر 2008، وهو بنك استثماري ضخم ورابع بنك أمريكي، وكان انهياره من أهم أسباب الأزمة العالمية، وشركة التأمين العالمية AIG- تجمّد الائتمان وانعدام الثقة بين البنوك، وكانت نتائج الأزمة في الولايات المتحدة:

1- اقتصاديًا: انكماش اقتصادي حاد Great Recession- ارتفاع البطالة إلى نحو 10%- إفلاس أو إنقاذ عشرات البنوك.

2- ماليًا: تدخلت الدولة ببرنامج مالي لإنقاذ الأصول المتعثرة Troubled Asset Relief Program نحو 700 مليار دولار، وذلك بشراء الأصول المتعثرة أو أسهم البنوك أو بيعها لاحقا، وهو توسع غير مسبوق في دور الاحتياطي الفيدرالي (التيسير الكمي).

3- تراجع الإيمان المطلق بالسوق الحرة سياسيًا وفكريًا ، وعودة الدولة كلاعب رئيسي في الاقتصاد ، وصعود تيارات الشعبوية والاحتجاج الاجتماعي لاحقًا.

وفي أوروبا، كان انتقال الأزمة بسبب ترابط الأسواق المالية، وتباطؤ الاقتصاد العالمي: انخفاض التجارة الدولية- تراجع الاستثمارات الأجنبية- تغيّرت موازين القوة الدولية، حيث تضرر الغرب بشدة، مقدمة لسلسلة أزمات الديون الأوروبية (أزمة ديون اليونان، إسبانيا)- الشعبوية السياسية- الحروب التجارية، وتآكل الثقة في النخب الليبرالية على ضفتي الأطلسي.

اختراق الهيمنة المالية الأمريكية

تفرض أمريكا سيطرنها المالية، بسيطرتها على النظام المصرفي في العالم، عبر نظام سويفت SWIFT أي جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك
SWIFT = Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunication.

وهو نظام رسائل إلكترونية آمنة، يربط أكثر من 11,000 بنك في أكثر من 200 دولة، يُستخدم لإرسال أوامر التحويل المالي بين البنوك (ليس بنكًا، بل شبكة اتصال)، وطرد دولة من سويفت SWIFT، معناه أن بنوكها لا تستطيع إرسال أو استقبال الأموال دوليًا بسهولة، وينتج صعوبة تحويل الأموال، ويجعل تحويل الأموال بطيئًا، يدويًا، وباهظ التكلفة، أو يعتمد على قنوات غير رسمية (مثل التهريب المالي أو الأطراف الوسيطة)، وصعوبة استيراد أو تصدير السلع التي تحتاج إلى مدفوعات دولية، وانخفاض العملة المحلية؛ بسبب صعوبة الوصول للعملات الصعبة، وزيادة التهريب والاقتصاد الموازي.

سويفت SWIFT مقره في بلجيكا، ويخضع للقوانين الأوروبية والأمريكية، الدول الغربية تسيطر على النظام المالي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأغلب البنوك المركزية تحتفظ بأموالها بالدولار أو اليورو، أي داخل بنوك غربية.

وتأثير ذلك على الدول المتضررة (مثل روسيا وإيران)، هو أن تُمنع دولة من الحصول على أموالها في بنوك أجنبية، فعندما تودع دولة أموالًا (احتياطيات، صادرات، ودائع…) في بنوك خارجية (مثلاً في أوروبا أو أمريكا أو اليابان)، فإن هذه الأموال تخضع للقوانين المحلية لتلك الدول. فإذا قررت الحكومة المضيفة فرض عقوبات مالية، فإنها تُجمِّد الحسابات المرتبطة بالبنك المركزي أو شركات أو أفراد من تلك الدولة، فتمنع السحب أو التحويل أو التصرف في الأموال، فمثلًا روسيا كانت تحتفظ بحوالي 300 مليار دولار من احتياطياتها في بنوك أمريكية وأوروبية، جُمِّدت هذه الأموال بعد غزو أوكرانيا، بقرار سياسي، ولم تعد روسيا تستطيع استخدامها، من وجهة نظر الدول التي فرضت العقوبات أن لديها قوانين تسمح بالعقوبات في حالات “التهديد للأمن العالمي”.

الصين تضع قواعد جديد لكسر الهيمنة الأمريكية

والنتيجة هي اللجوء إلى بدائل مثل شبكات مالية موازية (مثلاً بين روسيا والصين) أو استخدام الذهب أو العملات المشفرة أو المقايضة.

تبنت الصين استراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة الهيمنة المالية الأمريكية، تركز بشكل أساسي على تقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز اليوان دوليًا، وتعتمد هذه الخطة على مبادرات اقتصادية وسياسية طويلة الأمد. حيث تعمل الصين على توسيع استخدام اليوان في التجارة الدولية، من خلال اتفاقيات تبادل العملات مع دول متعددة، وتسعير السلع الأساسية مثل النفط باليوان.

تطوير بدائل لسويفت: تطور الصين منصات مالية بديلة لنظام “سويفت” الأمريكي، إلى جانب بناء تحالفات في مجموعة بريكس؛ لتعزيز نظام مالي متعدد الأقطاب، فقد طورت نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود “CIPS” Border Interbank Payment Cross كبديل رئيسي لنظام “سويفت”، مع خطوات محددة لتوسيعه وتعزيز اليوان- إطلاق النظام أُطلق CIPS في عام 2015 تحت إشراف بنك الشعب الصيني؛ لتسهيل المدفوعات الدولية باليوان، خاصة مع شركاء مبادرة “الحزام والطريق”- وتوسيع الشبكة لضم بنوك دولية كبرى مثل HSBC في هونج كونج كمشارك مباشر، مما يسرّع المدفوعات ويقلل التكاليف، ويصل النظام إلى 135 دولة- تكامل مع اليوان الرقمي أُطلق اليوان الرقمي (e -CNY) للمدفوعات عبر الحدود في 2025، كخيار مستقل عن سويفت، مع تعاون روسي عبر System for Transfer of Financial Massages SPFS لتجاوز العقوبات- التحالفات الدولية يتعاون CIPS مع أنظمة بريكس مثل SPFS الروسي، لخلق شبكة متعددة الأقطاب تقلل الاعتماد على الدولار والنظام الغربي.

بينما الصين لم تتأثر بالأزمة مثل الغرب، وأطلقت توسعًا اقتصاديًا عالميًا سياسة “الحزام والطريق”، وأصبحت منافسًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مباشرًا لأمريكا لأول مرة منذ 1991، تظهر قوة قادرة على تحدي أمريكا اقتصاديًا.

طريق الحزام الاقتصادي أو طريق الحرير الجديد، هي مشروع صيني ضخم لتطوير البنية التحتية؛ يهدف إلى ربط آسيا بأوروبا وإفريقيا وما وراء ذلك، تاريخ البداية أُطلقت المبادرة رسميًا في عام 2013، المدى الحالي تمتد المبادرة حاليًا إلى أكثر من 150 دولة، تشمل آسيا الوسطى، جنوب شرق آسيا، الشرق الأوسط، إفريقيا، وأوروبا ، مع استثمارات في مواني، سكك حديدية، وطرق برية وبحرية تصل إلى مواني مثل حيفا في إسرائيل وترييستي في إيطاليا عبر قناة السويس، وحتى 2026 أنفقت الصين تريليونات الدولارات على مشاريع مثل ميناء جيبوتي وخطوط السكك الحديدية في باكستان، وهدف نهائي يصل إلى 2049.

كما تسعى لتطبيق مبادرة “الحزام والطريق” باليوان للحد من سيطرة النظام المالي الغربي، استخدام المعادن النادرة تسيطر الصين على نسبة كبيرة من إنتاج المعادن النادرة، وتستخدمها كأداة ضغط جيو- اقتصادي ضد الولايات المتحدة، خاصة في سلاسل التوريد التقنية، وقروض مقابل الموارد، حيث تقدم بكين قروضًا ضخمة للدول النامية مقابل الموارد الطبيعية، مثل النفط في فنزويلا، مما يوسع نفوذها، ويملأ الفراغ الأمريكي في دول الجنوب.

اقرأ أيضا : لماذا دونالد ترامب؟ من الانقسام الداخلي إلى تآكل نظام القطب الواحد (1 – 2)