مع استمرار الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لأكثر من أربعة وثلاثين شهراً، دون أفق واضح لإنهائها، وعلى الرغم من تعدد المساعي المحلية والإقليمية والدولية الرامية إلى وقف تدحرج البلاد نحو الانهيار الكامل، يظل الواقع الإنساني اليومي للمواطنين السودانيين، لا سيما في المناطق النائية والخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مهمشاً إلى حد بعيد في الخطابين الإعلامي والسياسي. إذ ينصب التركيز غالباً على مسار العمليات العسكرية أو على الانتهاكات المصاحبة للهجمات الكبرى، بينما تُغفل المعاناة المركبة التي يعيشها المدنيون في تلك المناطق، والذين يجدون أنفسهم معزولين عن العالم الخارجي، في بيئة صممت عمداً؛ لتكون طاردة للحياة وغير قابلة للاستمرار.

في هذه المناطق لا يمكن فهم سلوك قوات الدعم السريع، باعتباره مجرد ممارسات عسكرية منفلتة، بل كجزء من استراتيجية متكاملة لإدارة السيطرة عبر الفوضى، حيث انتقلت الميليشيا من العنف الانتقائي الذي طبع بدايات الحرب في مدن الجنينة عام 2023 والفاشر لاحقاً، إلى عنف شامل لا يستثني قبيلة أو فئة أو موقعاً جغرافياً. هذا التحول يعكس تغيراً في طبيعة الصراع نفسه، إذ لم يعد الهدف إخضاع خصم محدد، بل تفكيك المجتمع المحلي ومنع تشكّل أي قدرة جماعية على التنظيم أو المقاومة.

وتتجسد هذه الاستراتيجية بوضوح في التدمير المنهجي لبنية الاتصالات، وضرب ما يمكن وصفه بالمناطق الرخوة خارج الحاميات العسكرية الكبرى، بما يسمح بفرض عزلة شبه كاملة على السكان والتحكم في تدفق المعلومات، وتُعد سيطرة الدعم السريع على وسائل الاتصال عبر الأقمار الصناعية ستارلينك مثالاً على توظيف التكنولوجيا كأداة قمع، إذ لا يقتصر الأمر على تعطيل التواصل، بل يمتد إلى المراقبة والتحكم ورفع كلفة الاتصال إلى مستويات، لا يستطيع تحملها سكان، أُنهكت مواردهم بفعل النهب المنظم وتدمير سبل العيش التقليدية، خصوصاً الزراعة التي جرى القضاء عليها عمداً دون أي رغبة حقيقية في إعادة بنائها، رغم إعلان الميليشيا تشكيل حكومة موازية وإدارات محلية، تزعم تولي هذه الشؤون، بينما تباشر هذه الحكومة الموازية عملياً نشاطها السياسي والإعلامي من خارج البلاد، وتحديداً من نيروبي، في مفارقة تكشف الطابع الدعائي لهذا الإعلان وتناقضه الصارخ مع واقع الانهيار المعيشي والإداري داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وعلى الرغم من إعلان بعض وكالات الإغاثة الأممية وصولها إلى أجزاء محدودة من هذه المناطق، مستفيدة من موافقة الحكومة السودانية على تمديد فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد، فإن هذا الوصول يظل هشاً ومحدود الأثر، ويواجه تحديات جوهرية في مقدمتها تحكم قوات الدعم السريع في توجيه المساعدات واستغلالها كأداة للسيطرة الاجتماعية، فضلاً عن الانهيار الحاد في تمويل العمل الإنساني. فقد أعلنت الأمم المتحدة اضطرارها إلى خفض نداء الاستجابة لعام 2026 إلى نحو 23 مليار دولار؛ نتيجة فتور التزام المانحين، وهو ما دفع برنامج الأغذية العالمي للتحذير من خفض الحصص الغذائية بنسبة تصل إلى 70%، الأمر الذي يضاعف مخاطر المجاعة في مجتمعات، تعيش أصلاً على حافة الانهيار.

وفي موازاة ذلك، أحكمت الميليشيا سيطرتها على النشاط التجاري عبر اقتصاد التهريب، ومع تصاعد الضغوط العسكرية عليها منذ عام 2024، اتجهت إلى تعميق حربها ضد المواطن نفسه، فلم تكتفِ بالقصف والقتل والنهب والاعتقال، بل مضت إلى استخدام التجويع كسلاح مباشر، عبر قرارات تمنع عبور السلع الغذائية والماشية والمعادن، وقد أدت هذه السياسات إلى إفقار شامل للسكان في مناطق سيطرتها وفرض خيارات قسرية للبقاء، تتراوح بين التجنيد الإجباري للقتال في صفوفها، أو دفع الأسر لتقديم أبنائها للحرب مقابل أجر زهيد، أو الهروب نحو دول الجوار مثل تشاد وإفريقيا الوسطى، وهي دول تعاني بدورها من هشاشة وأزمات متداخلة. أما خيار الفرار عبر ليبيا فقد أُغلق فعلياً بعد سيطرة الدعم السريع على المثلث الحدودي، في حين يظل التوجه نحو مناطق سيطرة الجيش محفوفاً بمخاطر جسيمة؛ بسبب التشديدات الأمنية والتصنيفات القبلية التي قد تفضي إلى إجراءات قاسية بحق مدنيين، لا ذنب لهم سوى انتمائهم الجغرافي أو الاجتماعي.

وتكشف أحداث غرب كردفان، ولا سيما ما شهدته مدينة أبو زبد في ديسمبر 2025، عن الوجه الأكثر وحشية لهذه الاستراتيجية، حيث تحولت عمليات الاختطاف إلى نشاط منظم شمل المقيمين والمسافرين على حد سواء، في سياق يؤكد أن العنف لم يعد وسيلة عسكرية فحسب، بل أصبح اقتصاداً قائماً بذاته. وتشير مصادر متعددة، إلى أن شبكات الخطف في مناطق غبيش ومحيط أم بادر بكردفان، أدت إلى احتجاز آلاف الشباب القادمين من دارفور وغرب كردفان أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق أكثر أمناً، أو إلى مناطق التعدين الأهلي؛ بحثاً عن لقمة العيش، ما يعكس تحوّل النزاع إلى منظومة معقدة من الاختطاف والابتزاز والتجنيد القسري والتهجير.

ويتقاطع هذا العنف مع نمط مقلق من العنف الجنسي الممنهج، حيث وثّقت تقارير صادرة عن منظمات إقليمية، بينها المبادرة الاستراتيجية للمرأة في القرن الإفريقي، مئات الحالات التي نُسبت الغالبية العظمى منها إلى قوات الدعم السريع، في استخدام واضح للاغتصاب كسلاح حرب؛ يهدف إلى إذلال المجتمعات وتفكيك نسيجها الاجتماعي، لا سيما في المناطق غير العربية.

وتتزامن هذه التطورات مع تقدم الجيش السوداني في أجزاء من جنوب وشمال كردفان، ما يشير إلى تآكل تدريجي في سيطرة الميليشيا على الأرض، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن مرحلة أكثر خطورة، تلجأ فيها إلى اقتصاد العنف المتنقل لتعويض خسائرها، كما أن مباشرة الحكومة الموازية المعلنة نشاطها من نيروبي يعكس سعي الميليشيا إلى نقل معركتها إلى المجالين السياسي والدبلوماسي الخارجيين، في محاولة لاكتساب شرعية بديلة وتعويض فقدان السيطرة الداخلية، دون امتلاك مقومات الحكم الفعلي على الأرض.

 تضع هذه المعطيات الدولة السودانية أمام اختبار حاسم، فالحسم العسكري وحده لا يكفي لتفكيك منظومة الدعم السريع، ما لم يُقترن بسياسات مدنية وأمنية، تعالج البنية الاجتماعية والاقتصادية التي بنتها الميليشيا داخل المجتمعات المحلية، إن أي مقاربة تقوم على الاشتباه الجماعي أو التصنيفات القبلية ستعيد إنتاج أسباب الصراع، وتغذي دوائر العنف، بينما تفتح مقاربة قائمة على حماية المدنيين، وإعادة بناء سبل العيش، وضمان حرية الاتصال وتدفق المعلومات، وتطبيق العدالة على أساس فردي لا جماعي، نافذة حقيقية لاستقرار مستدام. فالمعركة في جوهرها ليست فقط على الأرض، بل على المجتمع نفسه، وإعادة تحويل هذه المجتمعات من أدوات للسيطرة إلى شركاء في السلام تمثل الشرط الأساسي لتقويض قدرة الميليشيات على إعادة إنتاج الفوضى، حتى بعد خسارتها للسلاح والمواقع.