عاش لويس الرابع عشر 77 عاماً، فقد ولد عام 1638، ومات عام 1715، وقد آلت إليه مقاليد الحكم في فرنسا، وهو في سن الخامسة تحت وصاية والدته عام 1643، واستمر متربعاً على العرش أطول فترة، يتربع فيها ملك أوروبي على عرش بلاده، فقد حكم فرنسا 72 عاماً، انتهت بوفاته عام 1715، لم ينفرد فقط عن باقي ملوك أوروبا بطول فترة حكمه، لكن انفرد بلقبه الأشهر “الملك الشمس”، ثم انفرد عن باقي ملوك التاريخ سواء في أوروبا أو غير أوروبا بعبارته الشهيرة التي يُضرَبُ بها الَمَثَلُ في شرح معنى الحكم الفردي المُطَلق، لويس الرابع عشر كان عبقرياً من عدة وجوه: فإليه ترجع الأسس الصلبة التي شُيَّدَت فوقها فرنسا الحديثة، كما إليه ترجع الجذور المبكرة التي أنبتت الثورة الفرنسية العظمى بعد ثلاثة أرباع قرن من وفاته، فقد وضع بذور التحديث التي منحت فرنسا في مائة عام طبقة وسطى متعلمة ناهضة صاعدة مثقفة متنورة، قادت الثورة وحطمت إلى الأبد بقايا العصور الوسطى، كما دشنت إلى الأبد انطلاقة فرنسا المعاصرة.

يُمكنُ فهم العبارة التي اشتهرت عن لويس الرابع عشر “أنا الدولة” أو “الدولة هي أنا” على طريقتين:

1 – الطريقة الأولى الشائعة، وهي توظيف العبارة في شرح معنى الحكم الفردي المطلق، وهي بالفعل دالة عليه، كما هي كافية في شرحه والإشارة إليه في إيجاز عبقري، فالحاكم الفرد المطلق هو من يختصر إرادة الدولة في إرادته، وهو من يتعمد تركيز كافة السلطات في قبضة يده، فهو من يشرع القوانين، وهو من ينفذ القوانين، وهو من يملي على القضاة، كيف يكون الحكم بالقوانين.

2 – الطريقة الثانية، هي وضع العبارة في سياقها التاريخي: لماذا ظهرت في ذاك الوقت من النصف الثاني من القرن السابع عشر، وفي فرنسا بالذات، ثم لماذا كان من قالها واشتهرت باسمه في التاريخ إلى الأبد، هو لويس الرابع عشر بالذات؟

الإجابة سهلة وصعبة: سهلة إذا تعاملنا معها من منطق أن الحاكم يختار أن يكون ديكتاتوراً، كما يختار أن يكون ديمقراطياً، بعبارة أخرى، تكون الإجابة سهلة، إذا نظرنا لمسألة الحكم الديكتاتوري أو الديمقراطي انطلاقاً من الافتراض النظري وغير الواقعي المؤسس على أن الديكتاتورية أو الديمقراطية تنشآن من تفضيلات واختيارات الحكام، فالحاكم الطالح يفضل الديكتاتورية التي تناسب عنفه أو ميوله الاستبدادية أو نوازعه الشريرة، بينما الحاكم الصالح طيب القلب حسن النية محب الخير يختار الديمقراطية وحكم القانون والعدل والمشورة، وما في معناه من وجوه السياسة الحميدة، الاختيار الفردي للديكتاتورية كان أم للديمقراطية هو افتراض نظري غير واقعي وغير تاريخي، لم يحدث في التاريخ ولن يحدث في التاريخ.

لهذا، فإن الإجابة على سؤال لماذا قيلت عبارة أنا الدولة في فرنسا، وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر، وعلى لسان لويس الرابع عشر بالذات، هي إجابة بكل المقاييس صعبة من عدة وجوه: صعبة لأنها ترى الكلمة، وقائلها في سياق التاريخ الفعلي على الأرض، التاريخ بما يعنيه من مدى ودرجة التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لحظة بذاتها في بلد بذاتها، فلا يستطيع حاكم يفهم معنى الحكم، أن يختار غير ما يمليه الواقع وتفرضه الضرورة، وتسمح به اللحظة التاريخية، ففي أي بلد أنجز أشواطاً ملموسة في التطور الديمقراطي، وراكم خبرات ديمقراطية وتقاليد في توازن السلطات، وعادات محل احترام في صيانة الحريات العامة والحقوق المدنية، يستحيل على الحاكم مهما كان جبروته أن يختار أن يكون حاكماً فرداً مُطلقاً، هذا من عاشر المستحيلات، فهو يملك أن يحاول أو يتمنى ذلك، أو يحلم به، لكنه لا يملك تحريك تاريخ شعب بكامله إلى الخلف عدة قرون، لا يمكنه بحال من الأحوال أن يدفع عجلة التطور إلى الخلف، التاريخ هو التاريخ فلا يمكن تحريكه إلى الخلف في تطور إلى الوراء أو في تقدم معاكس، كما لا يمكن القفز من فوقه واستحضار مراحله قبل أوانها أو قطف ثمراته قبل نضوجها، أو ما يسميه البعض بحرق مراحل التاريخ؛ بغية استعجاله قبل أوانه. فكما لا يملك حاكم في بلد ناضج ديمقراطياً أن يعود به إلى الخلف، فكذلك لا يستطيع حاكم في بلد تنعدم فيه الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية لنشأة، ثم تطور الديمقراطية أن يستبق خطى التاريخ ويصنع فيها ديمقراطية، دون أن تتوفر البيئة والتربة والمناخ الصالح والمناسب؛ لتنبت ثم تنمو ثم تزهر ثم تثمر الديمقراطية، البلاد التي ورثت عبر أحقاب طويلة من الزمن بنية تحتية ضخمة للطغيان، صعب أن تتخلص منها بمجرد أن يتوفر لها الحاكم الصالح، إنما يلزمها كفاح متواصل عبر القرون، حتى تتخلص من البنية التحتية للطغيان وتبني- بالتدريج- بنية تحتية بديلة، تيسر تحولاً ديمقراطياً طبيعياً، يترافق مع تطور تدريجي في مستويات العيش والتعليم والتثقيف والتصنيع وبناء المؤسسات وتعميق الحريات والحقوق المدنية.

نصل إلى السياق التاريخي لعبارة أنا الدولة، فقد قيلت في لحظة كانت وحدة فرنسا في مهب الريح، عاشت فرنسا قبلها مائة عام من الحروب الخارجية الفاشلة والحروب الأهلية ذات الطابع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم عاشت حروب النبلاء ضد الملكية، وكان الملك هو الطفل لويس الرابع عشر، وأمه الوصية على العرش، وقد رأى بعينيه إهانتها الشخصية من الغوغاء في ثورات باريس.

لتلخيص السياق التاريخي الواقعي الذي أنتج العبارة، وخلق نوازع الحكم الفردي المطلق كضرورة لا بد منها لمصلحة فرنسا القرن السابع عشر، اقتبس من المؤرخ البريطاني هربرت فيشر هاتين الفقرتين:

1 – الفقرة الأولى فيها يرسم أوضاع فرنسا عند النصف الثاني من القرن السادس عشر، حيث الحروب الدينية بين مواطنيها الكاثوليك ومواطنيها البروتستنانت، فيقول في ص 183 من الطبعة العربية من كتابه ” عصر النهضة والإصلاح الديني والاحتكام إلى العقل “الذي تمت ترجمته تحت عنوان” أصول التاريخ الأوروبي الحديث من النهضة الأوروبية إلى الثورة الفرنسية” يقول: “كانت الحروب الدينية في فرنسا، وهي الحروب التي شغلت النصف الأخير من القرن السادس عشر، أشد وأنكى على البلاد من الحروب التي سبقتها، فالحروب الدينية كادت تحطم الوحدة التي حققتها فرنسا بعد جهود طائلة، وأورثت فرنسا عللاً، لا يمكن قياسُها بخسائر المعارك وحدها، فقد قامت كل مدينة بالعدوان على المدينة الأخرى، وقامت كل قرية بالاعتداء على القرية المجاورة، وقامت كل أسرة بالعدوان على الأسرة التي تليها، وأصبحت المصادمات المسلحة والاغتيالات قصة كل يوم”.

2 – ثم عن الثورات التي هزت فرنسا ولويس الرابع عشر، هو الملك الطفل أو الملك الصبي، فعنها يقول هربرت فيشر في ص 265 من الكتاب المذكور أعلاه: “خلقت هذه الثورات درساً، انطبعت آثارُه العميقة في وعي الملك الصغير، فلم ينس لويس الرابع عشر، مطلقاً، الإهانات التي لحقت به صبياً، عندما طردت أمه الوصيةُ على العرش في شوارع باريس، وعندما أُطلِقَت النيران من الباستيل على الجيش الملكي، وكادت الملكية تنهار على أيادي النبلاء الثائرين، وقد تحالفوا مع دولة مُعادية، فخرج لويس الرابع عشر من هذه التجربة بحكمة مؤداها أن: فرنسا في حاجة إلى يد من قبضة حديدية، وإلى ملك مستبد لا يترك الأمور للوزراء، ينهضون بالأعمال نيابةً عنه، لكن يلزمه أن يتدبر كل أمر بنفسه، وأن يكبح جموح البلاد، وبذلك أدت ثورات النبلاء إلى الحكم الفردي للويس الرابع عشر”، انتهت الاقتباسات.

……………………..

لويس الرابع عشر عنده يلتقي جدلُ التاريخ:

فهو نموذج مثالي للحكم المطلق.

لكنه في الوقت ذاته نموذج مثالي للحكم المطلق الذي يصنع حداثة تقود على المدى البعيد إلى الثورة.

ثم الثورة تقود إلى التغيير، ثم التغيير ذاته، لا يُنجز بين يوم وليلة، إنما يتدرج على مراحل، ابتدأت من اندلاع الثورة 1789، وبلغت ذروة تطورها بعد أكثر من قرن ونصف قرن مع دستور الجمهورية الخامسة 1958.