ربما يكون هذا الشعار (هل حقا نصف ثورة يساوي هلاك أمة) أحد أسباب تعثر ثورة يناير وفشلها في تحقيق أهدافها؛ لأنه منذ اليوم الأول، اعتبر البعض، أن أهداف الثورات تتحقق بالفعاليات الثورية واحتجاجات الشارع والمحاكم الثورية والعزل السياسي وغيرها من المفردات التي راجت في مصر عقب يناير، وكانت أحد أسباب فشلها في تحقيق هدفها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
والحقيقة، أن النظر إلى الثورة باعتبار أن مهمتها الوحيدة أو الأساسية هي القضاء على رموز النظام القديم بالعزل أو السجن أو المشانق، حدث في تجارب الثورات التاريخية القديمة مثل الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية في روسيا والصين، ولكنه لم يحدث في كل تجارب التغيير الناجحة في العالم منذ نحو نصف قرن من أمريكا الجنوبية، مرورا بأوروبا الشرقية وانتهاء بالعديد من البلدان الإفريقية والأسيوية، والتي اعتمدت على ثورات أو بالأحرى انتفاضات شعبية، ضغطت على السلطة القائمة وأسقطت بعضها، وأصلحت بعضها الآخر، وامتلكت أيضا مؤسسات سياسية ونقابية فاوضتها ولها ظهير شعبي، أي أن صناعة البديل المؤسسي القادر على الحكم ولو بصعوبة كان شرط نجاح أي ثورة أو حراك شعبي، وليس فقط أو أساسا الصوت الاحتجاجي والثوري.
ورغم أن نصف الثورة في مصر ركز في عامه الأول عقب يناير على وضع “آلية إقصائية” في إدارة المرحلة الانتقالية، بدأت بالخصوم من أعضاء الحزب الوطني المنحل (الفلول) وانتهت بالحلفاء و”رفاق الميدان”، فقد أصبح هدف مواجهة عناصر النظام القديم أكثر أهمية وإلحاحا من بناء نظام جديد، صحيح، أن المحاسبة واجبة بحق كل من ارتكب جرائم دم، أما شبكات المصالح التي تشكلت من قيادات وسطى وصغرى، دخلت الحزب الوطني باعتباره تنظيم الدولة المتعارف عليه منذ الاتحاد الاشتراكي العربي، مرورا بحزب مصر وانتهاء بالحزب الوطني هو تنظيم يجلب المنافع، ويسهل الصعود الاجتماعي والسياسي وأحيانا الخدمات “لأهل الدايرة” الانتخابية والحبايب، فهؤلاء في كل تجارب التغيير الناجحة لم يتم إقصائهم من المجال العام او السياسي؛ لأن ذلك في حال حدوثه سيدفعهم ببساطه إلى التحالف مع أي قوى مضادة لأهداف الثورة؛ دفاعا عن مصالحهم ووجودهم، وهو ما جرى عمليا عقب وصول الإخوان للسلطة، وعجل بفيتو من قبل تيار النظام العام على مسار يناير برمته ولصالح تدخل الجيش في ٣ يوليو ٢٠١٣.
إن أخطر ما في “الآلية الإقصائية” أنها مثل كرة الثلج، تبدأ بمواجهة خصوم الثورة، وتنتهي بمواجهة رفاق الثورة، وإن وهم أن الثورة يجب أن “تكنس” عناصر النظام القديم بالفعاليات الثورية وبالثورة الكاملة، لن يبني مسار نجاح دون بناء مؤسسات بديلة للنظام القديم قادرة على الحكم وليس فقط أو أساسا الاحتجاج.
إن التحدي الذي واجه مصر عقب تنحي الرئيس حسني مبارك هو وضع البلاد على طريق بناء منظومة سياسية جديدة، ترى واقع المجتمع، وليس خيالات أيديولوجية أو سياسية، هذا الوقع يقول إن قوى الثورة دائما جزء من المجتمع وليست كل المجتمع، وأي تصور للبعض أن الواقع الثوري الاستثنائي هو واقع دائم ومستمر، نتائجه ستكون كارثية؛ لأنه من ناحية لا يوجد مجتمع في حالة “ثورة دائمة”، إنما هي فعل استثنائي غير مفضل، بعد أن تغلق أبواب الإصلاح، كما أنه من ناحية أخرى يعطي الثوار حصانة، خاصة على حساب باقي المجتمع، سرعان ما تنتهي بأن يلفظهم، أو ينجحون في فرض نظم استبدادية جديدة على الناس باسم الثورة.
والحقيقة، أن تجارب التغيير الناجحة تنطلق، من أن قوى الثورة أو القوى التي قادت الانتفاضات الشعبية، مرشحة أن تقود المجتمع نحو الأفضل بإجراءات إصلاحية جراحية، وليس بشعارات ثورية إقصائية، وبإصلاح مؤسسات الدولة لا استهدافها، وأن أي مجتمع في داخله قوي محافظة وأخرى ثورية، واتضح أن مصر عقب خفوت “نشوة يناير” أن أغلب مجتمعها تقليدي ومحافظ، بما يعني أن الآلية التي كان يجب اعتمادها منذ اليوم الأول “آلية إدماجيه” تحترم التنوع الموجود في البلاد.
لم يكن الحل في ثورة كاملة، بمعنى إقصاء كامل لكل عناصر النظام القديم ولا الترويج في كل لحظة لمقولة “امسك فلول” وترديد البعض حتى اللحظة، أن يناير (نصف الثورة) فشلت؛ لأنها تسامحت مع الفلول، ولم تعلق المشانق وتنشر المحاكمات الثورية، في حين أن التحدي الحقيقي لم يكن إقصاء الفلول، إنما إصلاح المنظومة السياسية التي انتجت “هؤلاء الفلول” والوصول لتفاهمات مع ملايين، ممن كانوا جزءا من النظام القديم، ولم يجرموا حتى لا يشكلوا عائق أمام بناء المنظومة الجديدة التي ستكون مهمتها، أن تخرج من الجميع أفضل ما فيهم من كفاءة واحترام قيمة العمل وللقانون.
تعثرت يناير؛ لأنها لم تكن إصلاحية، كما يجب وليس لأنها لم تكن ثورية كما يجب، وتعثرت لأنها لم تعرف أن حدودها وسقفها الطبيعي والصحي، وهو نصف ثورة أو بمعنى آخر هي انتفاضة شعبية ترغب في إنهاء مشروع التوريث، وإقالة مبارك بعد أن بقي ٣٠ عاما في السلطة، وتبدأ مسار إصلاح سياسي واقتصادي عبر التوافق على مرشح إصلاحي من داخل النظام في انتخابات ٢٠١٢، وأن الهدف هو إصلاح مؤسسات الدولة وبناء منظومة سياسية جديدة، تنتج نوعية جديدة من الكوادر في الحكم والإدارة، بدلا من الانتقام من رموز النظام القديم واستهداف مؤسسات الدولة.
لو كان يعلم من قادوا أو شاركوا في ثورة يناير، أن بنيتها كانت “نصف ثورة”، وهي ميزة كبرى، لو بني عليها مسار منسجم مع طبيعتها أي مسار إصلاحي، ولو حدث ذلك لكانت مصر بدأت منذ ١٥ عاما مسارا إصلاحيا تدريجيا، يوسع المجال العام والسياسي ويخطو بالبلاد خطوة نحو بناء الديمقراطية ودولة القانون.






