منذ عدة أيام تشتعل أزمة كبيرة بين القضاة والمؤسسة العسكرية. نادي القضاة يعتبر أن تلك الأزمة ماسة باستقلال القضاء. النادي هو مؤسسة أشبه بنقابة تخص القضاة، وهو ما يميزها عن نقابة المحامين التي تضم كل من هو خريج كليات الحقوق في الجامعات المصرية. ما من شك أن النادى أول إن لم يكن جُل مهامه هو الوقوف على كل ما يخص المهنة، من زاوية استقلال العاملين بها، وفق مبدأ فصل السلطات الذي كفله الدستور، أو من زاوية الخدمات التي تقدم كباقي الخدمات التي تقدمها النقابات لأعضائها كالعلاج والإسكان وغيرها من أمور.

تاريخ النيل من استقلال القضاء المصري

وكان نادي القضاة قد سبق حله عام 1969 إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر عشية ما عرف وقتئذ بمذبحة القضاء، التي صدرت على خلفية تسييس القضاة، من جانب السلطة بالرغبة في إشراكهم في الاتحاد الاشتراكي، أو من جانب القضاة أنفسهم باتهامهم بنقد سياسة الرئيس خاصة تلك المتعلقة بالتأميم وخلافه. وعندما جاء الرئيس السادات إلى الحكم وقام باسترضاء القضاة المعزولين، كان ذلك مجرد إجراء تلاه بعدة سنوات وتحديدا عام 1980 نزاع آخر مع القضاة بسبب قيام السادات بإنشاء قضاء مواز عبر محكمة القيم ومحكمة العيب. وكما يحدث في كل مرة جاء الرئيس حسني مبارك وألغي تلك المحاكم بعد أكثر من عقد من توليه السلطة، لكنه اشتبك مع القضاة عام 2006 عقب تحويل قاضيين إلى الصلاحية بسبب اتهامات وجهت منهما للقائمين على إدارة انتخابات مجلس الشعب 2005. وفي عام 2012 وعلى خلفية براءة المتهمين بموقعة الجمل ضغط الثوار والإسلاميون معا للرغبة في القصاص، فأقال الرئيس محمد مرسي النائب العام وحدثت المعركة الرابعة بين السلطتين التنفيذية والقضائية. اليوم يبدو أن هناك أزمة جديدة ظاهرها استقلال القضاء، لكن يبدو أن خلفها أمورا كثيرة تمس ثوب العدالة في مقتل.

التوريث في القضاء أبرز المآخذ على القضاة

أبرز تلك الأمور ما يعرف بالتوريث في سلك القضاء، هنا يلاحظ أنه منذ عدة عقود وبعض المواقع القضائية -بما فيها النيابة العامة- أصبحت تسير بمنطق التوريث، وهذا المنطق لا ينتمي البتة إلى كافة الدساتير المصرية التي مردت على التأكيد على تكافؤ الفرص والمساواة وعدم التمييز بين الناس بسبب الأصل أو المهنة أو العنصر، إضافة إلى النوع والعقيدة. هنا يُلاحظ بشكل لا لبس فيه أن الشكوى من احتكار سلك القضاء بات قاصرا -في بعض الأحيان- على أبناء أو أسر القضاة الحاليين. هذا الأمر أصبح لدى الكثيرين ظاهرة لا يمكن التغافل عنها، أو اعتبار من يتحدث عنها افترى على الناس أو على السلطات الأخرى كذبا. والناظر إلى مشاطرات الأحزان وقوائم النعي المنشورة في الصحف يكتفي من خلالها بملاحظة أن الأمر قد زاد عن الحد إلى الدرجة التي أصبح من المهم التدخل لحل تلك المسألة، لكن باسلوب عقلاني، كي يتحقق ميزان العدالة من قِبَل أبرز من مرد الناس على النظر إليهم باعتبارهم صنوا للنزاهة والشفافية، وهم كذلك يقينا، لكن إذ بنفر منهم يدحض ويستمرئ مسألة التمييز المبني على غير كفاءة أو خبرة رغم أنهم هم من أُوكل لهم تحقيق المساواة وتطبيق العدل.

ما من شك أن مسألة الواسطة والمحسوبية هي أمور تدخل ضمن إطار العلاقات العامة في البلدان النامية عامة، والعربية خاصة، ومصر على وجه أخص. ومن ثم فإن تغيير أمر اعتاده الناس منذ عقود في يوم وليلة يصبح من المستحيلات، هذا الأمر يتشارك فيه الطبيب، مع عضو البرلمان، مع الدبلوماسي، مع أستاذ الجامعة، مع الضابط، مع المحامي، مع القاضي، مع المهندس، مع الإمام.. إلخ حتى أن المرء يقول إنه لم يفلح في التوريث في مصر سوى شخص واحد هو حسني مبارك!! لكن ما يجعل قضيتنا اليوم لها زخم ولها رونق هو أن القائم بها هنا مُوكل له من باب أولى الابتعاد عنها، لكونها أمورا تمس العدالة وتقضي على فرص الآخرين في الالتحاق بتلك المهنة لمجرد أنهم ليسوا من أبناء القضاة، أو لكون الأغيار سيأخذون مكان ومكانة يتحتم أن تكون لابن قاض فقط!!.

صراخ نفعي مُطلى بصبغة استقلال القضاء وهامل لحقوق الإنسان

ما من شك أن ما يحدث اليوم هو -من قبل البعض وليس الكل- عبارة عن صراخ، لكن لكونه قد اصطبغ بصبغة استقلال القضاء، فإنه أصبح كالنفير المتقد والمستعر، والذي من خلاله يتم الحشد والتعبئة. بعبارة أخرى، فإن القضية التي تناقش اليوم هي قضية بسيطة للغاية وهي منع من يريد منع الواسطة والمحسوبية، لكن البعض علقها على شماعة استقلال القضاء حتى يتجمع حول هذا الشعار الآلاف من القضاة، ويُصبح الموضوع أمام أعين الناس أن هناك من يتربص باستقلال القضاء، في حين أن الأمر في حقيقته لا يعدو أن يكون تربُصا بمواجهة من يُحارب الواسطة والمحسوبية. لقد كان الأدعى للقضاة حتى نصدق حركتهم أن يذودوا عن حرية الرأي والتعبير وعن إلغاء الحبس الاحتياطي الذي تفرضه النيابة لسنوات طويلة على قادة الفكر والقلم، في مخالفة واضحة للدستور والقانون. لقد كان أدعى بهم أن ينفذوا الدستور بمنع ندب القضاة لجهات غير قضائية، لما في ذلك من شبه فساد للقضاة، بعد إغداق السلطة التنفيذية لهم بعديد المنافع.

ما العمل؟

لكن مقابل كل ذلك ليس من المقبول كما شرحنا في مقالنا المنشور هنا الأسبوع الماضي تحت نفس العنوان، أن يكون البديل هو التدخل السافر الذي تم بطريقة اعتبار الأكاديمية العسكرية هي المسئولة عن تعيينات النيابة. هذه الرغبة رصدت المواقع الإلكترونية أنها نُقلت من مدير مكتب رئيس الجمهورية -الذي هو الآخر قاضي وله ابنان يعملان بالنيابة- لكبار القضاة الرغبة في جعل الأكاديمية العسكرية رقما محوريا في تعيينات النيابة.

على وجه الخصوص، فإن المساس بالسلطة القضائية من قبل أي جهه يقضى على استقلالية تلك السلطة المهم جدا أن تكون مستقلة، لكونها الفيصل بين الناس وبعضهم من ناحية وبين المجتمع والدولة من ناحية أخرى، وعلى وجه العموم، فإن المساس من قبل المؤسسة العسكرية بواحدة أو أكثر من المؤسسات المدنية، يمس مدنية الدولة مساسا مباشرا، تماما كما كان المرء يرى أن تديين السياسة من قبل الإخوان خطر كبير. جيش البلاد موكل له كما ذكرنا آنفا حماية الثغور، وهو هنا الدرع الواقي والأمين لحماية الأمن القومي من انتهاك أي عدو خارجي، وهو بلا شك صاحب وضع خاص في مصر مقارنة بغيرها من الدول، لكونه في مصر جيش الشعب ومن الشعب وللشعب.

ما من شك أن موضوع التوريث في سلك القضاة على وجه الخصوص يحتاج إلى حل، ولربما يكون من الأفضل أن تكون هناك لجنة من ذات أصحاب مهنة القضاء للإشراف الكامل على التعيينات، وتلك اللجنة من المهم أن ينضم إلي عضويتها أساتذة الجامعات من الحقوقيين، وتضع شروطا علمية في المتقدم لا تقبل الاستثناء، وبالطبع لا يكون ضمن تلك الشروط وزن الجسم أو ممارسة الرياضة وغيرها من الأمور الغريبة التي لا علاقة لها بالمهنة. وفي كل موعد اختبار يتحتم إقرار المحكمين بعدم وجود صلة قرابة من أية درجة أو صلة مصاهرة أو أي انتماء أو ارتباط جهوي مشترك مع المتسابقين، ويكون هناك نظام لعقوبات صارمة إذا ما تبين أن تلك الإجراءات قد تم الخلل بها، بما فيها إلحاق المحكم المغتصب لهذا الحق للصلاحية.

هذا الأمر السابق رغم أنه مجرد اقتراح، إلا أنه من المهم أن يُنظر إليه أو لغيره من الاقتراحات التي تتفق على مبدأ استقلال القضاء. من هنا فإن القضاة -ولجميعهم التقدير والاحترام- مطالبون بإيجاد حل واقعي ومدروس، وليس فقط رفض المطروح الخاص بالأكاديمية العسكرية. بعبارة أخرى، المطلوب عدم المطالبة بإبقاء الأوضاع على حالها، لأن هذا الأمر لن يكون مقبولا من الكافة.