لم يزل المجتمع المصري يئن من تبعات عدم المساواة بين المواطنين في تقلد المناصب العامة، فلم ننسَ ما حدث مع الراحل/ عبد الحميد شتا، وهو أحد خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتفوق، والحاصل على العديد من الدورات المتخصصة، والذي كان حلمه أن يصل إلى السلك الدبلوماسي؛ نتيجة لتفوقه وتميزه، إلا أنه بعد أن اجتاز الاختبارات، كانت طامته الكبرى أنه غير لائق اجتماعيا، وهو ما دفعه إلى القفز في النيل منتحراً اعتراضا على قرار عدم قبوله، لكونه ينتمي لأسرة من الأسر الفقيرة، وبالرغم من مرور سنوات على حادثة وفاته، إلا أن قصته أثارت الرأي العام في مصر، وتم تداولها بكثرة على مر السنوات، حتى أصبحت رمزا للطبقية الاجتماعية في مصر وحرمان الأكفاء من الوظائف المرموقة؛ بسبب خلفيتهم الاجتماعية.

ويصل بنا قطار التمييز بين الطبقات الاجتماعية إلى المحطة الأحدث، وهي محطة الطالبة/ سها أحمد إبراهيم، والتي تخرجت بترتيب الأولى على قسم اللغة الفارسية بكلية الألسن– جامعة سوهاج في الدفعة الأخيرة 2024/ 2025، والتي انتشرت قصتها على العديد من المواقع، وبحسب روايتها، أنها تقابلت مع عميد الكلية، والذي سألها عن وظيفة والدها، فأخبرته بأنه يعمل مؤذن، إلا أن رده كان “ابنة المؤذن لا تصلح لتكون معيدة” على الرغم من تخرجها بتقدير ممتاز بنسبة تجاوزت 95 %، وبعد أن تداولت المواقع الإلكترونية قصتها، وتداولت الآراء والردود بينها وبين إدارة الجامعة، ما بين معلل ومبين ومعارض، وبعد أن أبدى العديد من المحامين تطوعهم لتبني قضيتها، وهناك العديد من البيانات التي وصلت إلى حد ما نشر مؤخراً عن استقالة عميد الكلية، وما بين ما نسب إلى رئيس الجامعة، بأن هناك خطة خمسية للتعيين، لا يمكن الحيد عنها، إلا أن كل ذلك يقف عند حد تشبع المجتمع بالتمييز الطبقي، وبشكل خاص في الوظائف ذات البعد الأهم، والمقربة للسلطة.

وإذ يعتبر تقلد الوظائف العمومية من مجموعة الحقوق العامة التي يجب أن يتمتع بها المواطنون على قدم من المساواة، حسبما تتضمنه الاشتراطات القانونية لتولي الوظيفة، لا تمييز بينهم ولا ترتيب سوى للكفاءة المتطلبة لتولي الوظيفة المعلن عنها، وذلك بحسب كون الوظيفة العامة هي سبيل لتنفيذ سياسات الدولة في إطار قانوني، وهو الأمر الذي أكده الدستور المصري بجعله الوظيفة العامة حقاً لكل المصريين، حسبما تتطلبه تلك الوظيفة من اشتراطات، وهذا الأمر يعد تأكيداً، لما أرسته اتفاقيات حقوق الإنسان من أسس حقوقية، لِما يجب أن يكون عليه حال الوظائف العامة، وعلى الرأس من تلك الاتفاقيات، يأتي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن أرسى المبدأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هذا بخلاف العديد من الاتفاقيات والمواثيق الإقليمية، أو تلك المرتبطة بالحق في العمل، والمثمر من كل هذه الاتفاقيات، أن ذلك الحق يقوم على أساس مجموعة من المبادئ أو القيم التي تؤسس لضمان حسن الاختيار، والتي لا تخرج عن نطاق المساواة وعدم التمييز أو المحاباة، وأن يكون ذلك الاختيار على أساس مبدأ الجدارة ، وهو ما يعني اختيار الأكفاء لتولي الوظائف.

وإذ أن المجتمعات الراغبة في التقدم والنمو، لا يمكن لها ذلك حال إقرارها، ولو من خلف ستار لما يشكل تمييزاً بين المواطنين في تقلد الوظائف العامة، وبشكل أخص في حالة حرمان المتفوقين علمياً من حقوقهم في تقلد تلك الوظائف، تحت مسميات مختلفة أو تحت دواعي لا يمكن بحال من الأحوال أن ترقى بالمجتمع إلى درج من درجات التنمية، وترتكز التنمية المستدامة للدول على مراعاة مبدأي الكرامة والمساواة بين الأشخاص، وتمثل مكافحة أوجه التمييز بين المواطنيين، والحرص على تحقيق المساواة بين الجنسين، شروطًا أساسية لمجتمع مستدام تسود فيه المساواة. وفي هذا الإطار نجد الدساتير كافة فيما يخص التعيين في الوظائف العامة لئن كفلت للوطني الأصيل حق تقلد مختلف هذه الوظائف، متى استوفى شروط التوظف المتطلبة، إلا إذا كانت هناك شروط خاصة بالوظيفة متعلقة بالانتماء إلى الوطن، أو ما يسمى بجنسية الموطن، أو ما إلى ذلك من شروط لا تخالف نصوص الدستور، ولا تحيد عن المبادئ الحقوقية في هذا الشأن.

وقد بينت المحكمة الدستورية العليا في الحكم رقم 175 لسنة 16 قضائية دستورية ذلك المبدأ، فقالت إنه وحيث إن الدستور أولى مبدأ المساواة أهمية كبرى، إذ نصت المادة (40) منه، على أن “المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك؛ بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة”، ويعتبر هذا المبدأ ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسا للعدل والسلام الاجتماعي، وأن غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية المتكافئة بين المراكز القانونية المتماثلة. فإذا ما قام التماثل في المراكز القانونية التي تنظم بعض فئات المواطنين وتساويهم بالتالي في العناصر التي تكونها، استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حقهم، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية.

فلست أدري إلى أي مدى سيبقى المجتمع المصري، يعاني من تلك الآفات الاجتماعية، والتي تعوق المتفوقين، وتمنعهم حقوقهم الوظيفية، وما هي الأسباب التي تدفع بنا إلى مثل هذه الترهلات الفكرية، والتي من المفترض أن يكون المجتمع قد استقر على ما هو مغاير عنها، وهو ما يعود على الشخص بالنفع كحق له، ويعود كذلك على المجتمع بالنفع والتقدم، إذ أن هؤلاء المتفوقين علمياً سوف يكون لهم دورا بارزا ودافعا في تقدم الأمة، ورفعة شأنها، هذا بخلاف أنه يعود على الوظيفة ذاتها بالنفع لكون من تولاها هو أحق بها، وأنه لديه مقوماتها وأساسياتها العلمية اللازمة.

لكنا ما زلنا نعاني من ذلك التمييز الطبقي المقيت في أروقة متعددة ووظائف مختلفة، ولكن الفارق هو ما يتم تسليط الضوء عليه إعلاميا، فلا يمكننا أن نركن أحكام محاكم القضاء الإداري أو المحكمة الإدارية العليا في هذا الشأن، وبشكل أخص في الطعون على عدم القبول في الوظائف القضائية، أو الكليات العسكرية، وغير ذلك من الوظائف، وهذا أمر لا بد من أن يكون من الملفات التي يجب وضعها تحت مجهر الاهتمام من كافة الأجهزة المعنية، إذا كانت السلطة ترغب فعليا في التقدم والتنمية، فلا بد من حمية مكتسبات المتفوقين علميا.