جرت خلال اليومين الماضيين مياه كثيرة تحت الجسور في العلاقات الشعبية المصرية السودانية؛ نتيجة إجراءات تتم على الأرض من جانب وزارة الداخلية المصرية إزاء اللاجئين السودانيين في مصر، وهي إجراءات ارتبطت بتصريحات كبار القادة السودانيين السياسيين والعسكريين بشأن عودة اللاجئين من مصر إلى السودان، كانت سابقة ولاحقة لما أفصحت عنه بشأن تقدير تحليلي من جانبي، بأن هناك اتجاها لدى الحكومة السودانية بالدفع نحو عودة اللاجئين إلى بلدهم لضرورات نتفهمها، وهي خطورة الفراغ الديموجرافي أي السكاني في السودان والحاجة إلى إعادة الأعمار عبر القوى البشرية.
وبطبيعة الاستقطاب السياسي الحاد الموجود حاليا في السودان، فقد استقبلت الشفرة السودانية، ما ذهبت إليه طبقا لهذا الاستقطاب، فقد تم نفيه من جانب معالي السفير عماد العدوي، وتماهى معه الفريق الصحفي السوداني الموالي، بينما دلل على صحته الفريق المعارض السوداني، مستندا إلى ما استندت إليه من تصريحات رسمية سودانية.
في السياق ذاته، تلقيت اتصالا من قيادة عليا في وزارة الداخلية المصرية في وقت مبكر من صباح اليوم، عطفا على مناشدة من جانبي لوزير الداخلية اللواء محمود توفيق بمتابعة طبيعة عمل أقسام الشرطة التي تحت ولايتها كثافة سودانية كبيرة، والتي ربما تزيد عن ٢ مليون سوداني في مناطق فيصل وحدائق الأهرام ودهشور.
وقد أكدت لي وزارة الداخلية المصرية، أن التسجيل في مفوضية اللاجئين يتم الاعتداد به من الوزارة، حتى ولو ورقة موعد فقط، وأن المرحلين هم ليسوا فقط بلا أية هوية، وهو أمر غير مقبول إطلاقا على الصعيد الأمني المصري، في ضوء وجود عناصر تابعة لميليشيا الدعم السريع في مصر، بل أن منهم من هم مدانون بأعمال إجرامية.
وطبقا لهذه التفاعلات، يمكن أن نقترح عددا من السياسيات المطلوبة من الجانبيين السوداني والمصري، حتى تتم عملية تهدئة مطلوبة في الأوساط الشعبوية المصرية والسودانية معا على وسائل التواصل الاجتماعي.
على الصعيد السوداني، مطلوب من معالي السفير عماد العدوي بعض السياسيات والإجراءات التي أراها مطلوبة إزاء مصر حكومة وشعبا وألخصها في الآتي:-
أن يكون حادبا على صورة مصر الموضوعية التي تفتح أبوابها للسودانيين، وتساند الجيش السوداني بلا حسابات، وتعتبر أن الأمنيين القومي المصري والسوداني واحدا، وذلك في التوسع في إصدار الأوراق الثبتوية والقانونية لأي إنسان سوداني، يلجأ إليها بلا تصنيف سياسي، وأظن أن هذا تكليف من جانب الفريق عبد الفتاح البرهان سبق وأن صرح به وأعلن التزام الحكومة السودانية به إزاء السودانيين على أراضي كل الوطن السوداني.
توضيح الحقائق المتعلقة باحتياجات حكومته في هذه المرحلة، بشفافية وأن يكون على مسافة واحدة من الطيف السوداني الواسع في القاهرة، وذلك بضرورة التخلي عن أسلوب الحشد الإعلامي مع الموالين لاتجاهات الحكومة السودانية فقط، والتحشيد ضد الشخصيات المصرية التي تقف على مسافة واحدة من أطراف المعادلة السودانية التي تمارس دوما استقطابا ضد بعضها البعض على حساب الوطن السوداني في سابقة نراها نادرة.
إتاحة مشاركة الصحفيين المصريين في المؤتمرات الصحفية للسفارة السودانية بالقاهرة وجميع أنشطتها؛ لأن هناك واجبات على الإعلام المصري تجاه شارعه وجمهوره، لا تتعلق فقط بالجانب المعلوماتي بشأن أزمة اللاجئين السودانيين، ولكن في جانب رفع مستوى الإدراكات المصرية العامة، بطبيعة وأبعاد أزمة الأمن الإنساني التي يعيشها السودانيون، والتي هي على مستوى أعمق وأكثر إيلاما من أية أزمة حرب في منطقتنا؛ لأنه يصاحب هذه الحرب انتهاكات ضد الإنسانية ليس أقلها الاغتصابات والتوحش اللا إنساني الذي مارسته ولا تزال ميليشيا الدعم السريع في مناطق سيطرتها، والتي باتت بيوتا للأشباح، كما قالت منظمة أطباء بلا حدود عن مدينة الفاشر.
التواصل مع القائمين على مدارس وجمعيات سودانية، قد تكونت في مناطق فيصل والهرم فعليا، ولديها أوضاعا قانونية في مصر ونتواصل معهم بشأن دعم السودانيين الذين هم من الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا وهشاشة اقتصاديا واجتماعيا، وأن يكون هؤلاء نقطة التواصل مع الجمهور الأوسع السوداني في مصر، بهدف رفع الإدارك السوداني بشأن حقوق البلد المضيف للاجئيين المنصوص عليها في اتفاقية ١٩٥١، وهي أمور ألح عليها في ضوء الضغوط التي تتعرض لها مصر حكومة وشعبا من الخطاب الشعبوي السوداني ضد مصر من خارج وداخل مصر استجابة لأجندات تسعى لمصالح إقليمية في الصراع السياسي السوداني، أو تسعي لتريند ممن كنت أحسبهم في صفوف المحترمين والموضوعيين.
دعم قدرات السفارة السودانية في ضوء الضغوط التي تتعرض لها بكادر بشري من الموظفين السودانيين الذين يعيشون في مصر، للمساعدة في مهام متعددة مطلوبة من السفارة السودانية في هذه المرحلة الحساسة، وهي غير قادرة على القيام بها، نظرا لاحتياجها الحاد لكادر.
أما في السياق المصري، فإنه مع التأكيد من جانب وزارة الداخلية المصرية، أن الإجراءات هي في إطار الحفاظ على الأمن العام المصري، وأن مناطق الرعاية الشرطية للاجئين السودانيين تحوز على اهتمام رئيسي من جانب اللواء محمود توفيق وزير الداخلية المصري، فإني أشير أن بعض الإجراءات الأمنية المصرية بطريقة تنفيذها الحالية لها أثر غير مطلوب على الجهود السياسية المصرية الداعمة للسودان وأمنه القومي ووحدة أراضيه، وعلى ذلك أقترح الآتي:-
أن يتم الإعلان عن الحوادث الإجرامية والمهددة للأمن العام من جانب السودانيين على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، كما يحدث حاليا بالنسبة للجرائم المرتكبة من المصريين، وذلك بهدف تطويق الأثر السلبي لوسائل ومنصات التواصل الاجتماعي، ورفع الوعي السوداني، خصوصا في صفوف الشباب والمراهقين بطبيعة الجرائم المؤثمة قانونيا في مصر.
أن يكون هناك إفصاح بشأن حقيقة، ما يزعمه بعض السودانيين من تحصيل مبالغ مالية، يتم تحصيلها في حالة القبض على اللاجئين السودانيين حتى من أصحاب المحلات، فمثلا هل هي بسبب مخالفة عدم وجود ترخيص للمحلات، هل هي بسبب مخالفة عدم وجود أوراق هوية، وأخيرا في حالة وجودها، هل هي موثقة بإيصالات رسمية؟
إن التوسع في التضييق على المناسبات الثقافية السودانية- إن وجد- طبقا للمزاعم السودانية سوف يسفر عن آثار سلبية في زيادة الاحتقان بين اللاجئين، وليس العكس، فالبشر يحتاجون إلى التنفس.
وأخيرا، وفي السياق السياسي، وكما قلت سابقا العودة السودانية الطوعية، تتطلب توفير شروط الأمن الإنساني في السودان من صحة وتعليم ولوجستيات، وهو أمر من المطلوب، أن تضعه الإدارة المصرية على قمة أولوياتها في هذه المرحلة إزاء السودان، وفق جدول زمني وبفاعلية نشطة، تبدأ في التخطيط للحصول على مصادر تمويل غير تقليدية لهذا الدور الملح، والتي يمكن أن تتعاون فيها الجهات السودانية، وذلك دون انتظار لتحرك المجتمع الدولي سواء داخل اللجنة الرباعية أو بغيرها، ذلك أن هذا التحرك يحمي رأس المال الرمزي لمصر في السودان، ويفتح الطريق لها في حصص إعادة الإعمار، ويحافظ على الأمنيين القومي المصري والسوداني وفق معطيات واقعية على الأرض وفي الميدان.
وعلى صعيد مواز، من المهم أن نشجع الحوارات السياسية السودانية السودانية الموجودة في القاهرة، لأني أظن أنها تمتلك بوصلة صحيحة للحل السياسي في السودان، باعتبارها ملتحمة بالجمهور السوداني الأكبر النازح من السودان والموجود بالقاهرة، كما تمتلك التمثيل السياسي المطلوب في هذه المرحلة لكافة شرائح المكون المدني السوداني في الداخل والخارج.
أما على الصعيد الإنساني، فربما يكون من أكثر ما آلمني في هذه الأزمة، وأنا على فراش مرض الانزلاق الغضروفي، هو ما ذهبت إليه الكاتبة القديرة فاطمة المعدول الحاصلة على جائزة الدولة التقديرية، أنها مصدومة مما يقوله بعض الشباب السوداني عن مصر، وأنها لم تكن تعلم حجم الكراهية الموغرة في بعض الصدور، وأيضا ما قاله لي ضابط شرطة سوداني، يقود أحد الجمعيات السودانية في منطقة فيصل، نريد أن تحبنا مصر، أقول للاثنين معا، إنه في عروقنا نيلا يجري، يزيل ما يتراكم بين فينة وأخرى، فالأصل أننا أبناء وادي النيل من الإسكندرية إلى جوبا، ومن الغردقة إلى الجنينة في أقصى غرب السودان، وربما في يوم ما يدرك هذه الحقائق المتقاتلون في بلادهم.






