يكشف مؤشر الرأي العام العربي 2025 عن تغيرات في وعي الشارع العربي، أعادت فيه الحرب على غزة والقضية الفلسطينية تشكيل مفاهيم الهوية والشرعية، وأعادت ترتيب المواقف من القوى الدولية والإقليمية.
ويقدم تقرير عام 2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أداة لفهم توجهات الرأي نحو التحولات الكبرى في المنطقة العربية، بعد تداعيات الحرب على غزة، والعدوان الإسرائيلي على سوريا ولبنان.
ويوضح بالمؤشرات، كيف عادت القضية الفلسطينية لتشغل موقعا مركزيا، ليس فقط كملف خارجي، بل كعنصر محرك للشرعية السياسية والهوية القومية.
ويتضح ذلك في ازدياد الاتجاه الرافض للاعتراف بإسرائيل، بما فيها بلدان التطبيع، وتغير في النظرة إلى القوى الدولية والإقليمية، خاصة الموقف من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، وتأييد واضح لجنوب إفريقيا، ويظل هناك تذبذب في الموقف من تركيا وإيران.
ويؤشر الاستطلاع على رسائل واضحة، منها تراجع الثقة بالنظام الدولي، تصاعد الوعي القومي، إعادة مركزية فلسطين، واتساع ممارسة السياسة عبر الفضاء الرقمي، وتراجع الفاعلية السياسية بالمقابل في ظل القيود وحالة البنى المؤسسية.

المنهجية
جرى التحضير للمؤشر لمدة عام، ونُفذ ميدانيًا في الفترة من نوفمبر 2024 حتى أغسطس 2025، في 15 بلدًا عربيًا، وأُخذ في الحسبان مستويات التوزيع، بين الحضر والريف، والتقسيمات الإدارية.
ونُفذ عبر مقابلات مباشرة مع عينة قوامها 40130 ألفا، ما يجعل منه أضخم مشروعٍ مسحيّ، يجري تنفيذه في المنطقة العربية، بمشاركة 1000 من الباحثين، نصفهم من النساء، استغرقوا ما يزيد عن 400 ألف ساعة عمل.
وتمثّل نتائج اتجاهات الرأي العامّ للبلدان الخمسة عشر المشمولة بالاستطلاع معدلًّا عامًّا لمجموع بلدان المنطقة العربية، تُعرض نتائج المؤشر بحسب البلدان وأقاليم الوطن العربي، المشرق والمغرب العربي، ووادي النيل، والخليج.
القضية الفلسطينية

حسب المؤشر، تمثل القضية الفلسطينية “البوصلة” السياسية للرأي العام بعد عامي 2023- 2024، حيث أعادت صياغة الأولويات الشعبية، ووضعت السياسات الرسمية للنظم، أمام اختبار وتقييم حقيقي.
ويظهر المؤشر مفهوم السيادة، ويوضح ميلا للبعد القومي، ليس نزوعا عاطفياً، بل موقفا سياسيا غالبا، إذ ترى الغالبية من المستجيبين والبالغ عددهم 40 ألفا، أن المنطقة العربية أمة واحدة، تفصل بينها حدود.
كيف أثرت الحرب على اتجاهات الرأي؟
تري الأغلبية، أن القضية الفلسطينية هي “قضية العرب جميعاً”، وهو ما يعكس فشل استراتيجيات “تفكيك القضايا” التي حاولت حصر الصراع في إطاره الجغرافي، وبشكل خاص دول الطوق.
وعند تحليل الدوافع وراء عملية 7 أكتوبر 2023، يبرز وعي جمعي، يربط الفعل المقاوم بجذور الأزمة: “استمرار الاحتلال”، “الدفاع عن المسجد الأقصى“، و”الحصار الخانق”، هذا الإدراك يوضح أن الجمهور العربي يقرأ الأحداث في سياقها الاستعماري التاريخي.
وتكشف الاستجابات عن ظهور بعد ديني لفهم الصراع، وهذا وإن كان يزداد عربيا، فإنه حاضر، في الانحياز لإسرائيل على أرضية، أنها الدولة اليهودية الوحيدة، كما يروج نتنياهو كمسوغ للدفاع والدعم، غير تعبيرات اليمين المسيحي وتياراتها الأقرب إلى الصهيونية، والتي تظهر في رموز وتصريحات سياسية لقادة غربيين.
إدراك المخاطر والتهديدات الخارجية

يتداخل مفهوم التهديد بين المستجيبين للاستطلاع، بين التهديد الخارجي والهواجس الأمنية العابرة للحدود، مما يخلق خريطة مخاطر، تتضح موزعة على قوى دولية وإقليمية والتنظيمات الإرهابية.
يري المواطنون العرب، القوى الأكثر تهديداً لأمن الوطن العربي، في إسرائيل والولايات المتحدة، وتأتي إيران كمهدد للاستقرار أيضا، لكن بدرجة أقل .
في المستوى الأول وكتهديد مرتفع، تأتي إسرائيل، وأسباب ذلك الاتجاه، تتوضح في كونها حسب آراء المستجيبين، كيان استيطاني استعماري، يهدد أمن المنطقة، ويمارس العنصرية والكراهية.
بينما الولايات المتحدة، فإنها تمثل تهديدا مرتفعا، لأنها تمارس سياسات منحازة، مع محاولة فرض أجندات خارجية، ودعم النظم غير الديمقراطية.
وتجيئ إيران في مستوي تهديد متوسط، بسبب التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول والسياسات الإقليمية التوسعية، ويتضح هنا تأثير آراء دول منطقة الخليج خصوصا، والتي تعرضت بعض بلدنها لتهديدات من طهران في الفترة من 2017 الى 2025.
وأظهر المستجيبون، أن تنظيم داعش مهدد أمني للاستقرار، وخطر إرهابي عابر للحدود، يهدد الدول والشعوب العربية.
التطبيع والاعتراف بإسرائيل يتراجع شعبيا
وانخفضت نسب المؤيدين للاعتراف بإسرائيل، في السودان إلى 7%، بعد أن كانت منذ 2013 تتراوح بين 13% و23%، وكذلك انخفضت في المغرب من 20% في عام 2022 بعد توقيع اتفاق السلام إلى 6% في استطلاع عام 2025.
في حين ارتفعت نسبة الذين يرفضون الاعتراف بإسرائيل في الكويت إلى 94%، بعدما كانت 85% في عام 2022.

القوى الدولية والإقليمية في الميزان الشعبي
يكشف المؤشر عن تحولات حادة في “أنماط القبول والرفض” للقوى الفاعلة، مرتبطة بمدى اتساق سياساتها مع قيم العدالة الدولية والملف الفلسطيني وموقع القوى من القضايا العربية.

تراجع الولايات المتحدة وصعود جنوب إفريقيا
أظهر سؤال تقييم السياسات الخارجية للقوى الدولية، عن تدهور في صورة الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا.
واللافت هنا، هو وعي للجمهور، حيث يفرق العرب بدقة بين رفض “السياسة الخارجية الأمريكية” المنحازة وبين “القيم الثقافية”، مما يعني أن العداء سياسي بامتياز، وليس صداماً ثقافياً، ويتضح ذلك بين تباين الإجابات حول تقييم موقف الولايات المتحدة، والموقف من الشعب الأمريكي.
برزت جنوب إفريقيا كقوة ذات تقدير شعبي هائل بعد رفعها قضية الإبادة الجماعية، مما خلق حالة من الارتياح والقبول لها، مع سد فجوة العدالة التي خلفها موقف دول غربية.
فيما يخص القوى الإقليمية، وبينها تركيا وإيران، تظل صورتهما محكومة بالتذبذب بين الإعجاب بمواقف سياسية معينة وبين التوجس من النفوذ.
الرأي العام والمنصات الرقمية

يشهد العالم العربي تحولاً في موقع وسلطة مصادر الإعلام، يُظهر المسح، أن القنوات الرسمية والتلفزيونية رغم حضورها كمصدر للمعرفة والمتابعة، تتراجع أمام صعود الفضاء الرقمي بشكل متزايد من 11 بالمائة عام 2015 إلى 38 بالمائة في عام 2025.
وتظهر وسائل الاتصال بكونها مصدرا للأخبار، بجانب أنها ساحة تعبير ومتنفس سياسي، ضمن اعتماد متزايد على المعرفة السياسة من خلال الإنترنت.
كما يُظهر المؤشر، إدراك الجمهور لفكرة الرقابة الخوارزمية والمراقبة الذاتية، حيث يكشف المؤشر عن إدراك الجمهور لمفهوم الجيوش الإلكترونية” والرقابة الممنهجة التي تمارسها الشركات؛ لحجب المحتوى الفلسطيني، ما عمق مفهوم المراقبة الذاتية، حيث يضطر المستخدمون لفلترة آرائهم؛ خوفاً من العواقب الأمنية أو الموانع والقيود الرقمية.
ويثبت المؤشر، أن الفضاء الرقمي نجح في تحويل “المؤثرين” إلى أدوات حشد فعالة، لا سيما في حملات المقاطعة التي أصبحت الأداة الشعبية الأكثر تأثيراً في الضغط الدولي، سواء فيما يخص المنتجات، أو الدعوة لمقاطعة إسرائيل على مستوى دولي.
وعي سياسي متصاعد في بيئة إقليمية مضطربة
يلخص المؤشر العربي 2024– 2025 حالة من اليقظة السياسية التي تعيد تعريف مفاهيم الشرعية والهوية، بعد أن شكلت الحرب العدوانية على غزة صدمة كاشفة.
ويتعامل مواطنو المنطقة العربية مع الحرب على غزة ولبنان، على أنها أمر يمسهم بشكل مباشر، وأفاد 87 بالمائة، أنهم يشعرون بضغط نفسي؛ بسبب الحرب والتي يتابعها نحو 70 بالمائة من المستجيبين.

وساهمت الحرب في إعادة تعريف الهوية، حيث يظهر “الصراع مع الاحتلال” كعنصر جوهري في تكوين الهوية عربيا، متجاوزاً إلى حد بعيد النزعات القطرية والانعزالية وتراجع القبول بإسرائيل والتطبيع والتعاون معها.
وفى سياق متصل، تراجعت نسبة الكتل التي كانت تثق في القوى الغربية، وترى في مواقفها جوانب إيجابية، مع تصاعد الرفض لها، والذي لم يكن موقفا عابرا، لكنه مدعوم بمؤشرات وأسباب واضحة، إضافة الى قناعة بنيوية، بأن المنظومة الدولية تكيل بمكيالين، ورفض تجاه النظام الدولي الحالي، وعدم فاعليته.
الملمح الثالث، تكريس أهمية الفضاء الافتراضي، باعتباره ساحة للوعي السياسي، هذا لأنه حيز متاح، وفى ظل تراجع المؤسسات الفاعلة سياسيا والقيود المفروضة عليها، وتراجع حالة النشاط في الفضاء العام الفعلي لصالح التمثيل الافتراضي والعمل الفردي.
وهو ما يظهر بوضوح في مؤشر الانتماء الى منظمات ونقابات وجمعيات أهلية، في مقابل محدودية الانتماء وانخفاض فاعلية المنتمين، وهم نسبة ضئيلة، كما يُظهر المؤشر، حيث أفاد 6 بالمائة فقط بانتمائهم لأحزاب أو نقابات وجمعيات أهلية.

غير أن 60 بالمائة لا يثقون بالأحزاب، ونسبة 23 بالمائة فقط لديها ثقة، ما يعني صورة من الاغتراب السياسي تتزايد في ظل السلطوية، وتنعكس أيضا في نسبة الراغبين في المشاركة في الانتخابات، حيث تشهد انخفاضا مستمرا.






