في أواخر يناير، راجت في وسائل التواصل الاجتماعي في الأوساط السودانية أخبار وبيانات، تفيد بأن هناك حملات أمنية تستهدف الوجود السوداني في مصر، وقد لاقت هذه الأخبار، تعاطي أكبر من الإعلام السوداني المحلي والتجمعات السياسية السودانية والمنظمات الحقوقية، هذا التعاطي المضخم، بحسب الإفادات التي أجرتها “مصر360″، كان لها عميق الأثر على الوجود السوداني داخل أراضي مصر، ومن المهم النظر إلى السياق السوداني والتعقيدات داخل السودان سياسية واجتماعية ونفسية الناجمة عن الحرب السودانية.
يسعى هذا التقرير إلى قراءة، كيف بدأت الأحداث؟ ومن المستهدف؟ والدواعي، وتأثيرها على العلاقات المصرية السودانية على المستوى الشعبي وتعقيدات الداخل السوداني وقضية الوجود السوداني داخل مصر.
في البداية، لا بد من إلقاء نظرة على الوجود السوداني داخل مصر قبل الحرب الأخيرة، إذ كان يقدر بـ5 ملايين سوداني؛ لأغراض العمل والدراسة والعلاج، وسجلت المفوضية لشؤون اللاجئين 207 آلاف. بعد اندلاع الحرب في 2023، لجأ قرابة 4 ملايين آخرين، سجلت منهم الأمم المتحدة أكثر من 1.2 مليون شخص، دخلوا مصر منذ بداية النزاع، في أواخر 2024 وحتى نهاية مارس 2025 وفد أكثر من 672,000 سوداني، مسجلين كلاجئين أو طالبي لجوء لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمصر، ما يعني عمليا أن التقديرات تذهب إلى 9 ملايين سوداني، كتقدير متوسط، بما يشمل الوافدين النظاميين واللاجئين، دونما إحصاء للقادمين عبر للهجرة غير النظامية على الحدود البرية بين البلدين.
وبحسب الإفادات التي أجرتها “مصر 360” مع سودانيين من فئات مختلفة، فإن أسباب اللجوء قبل الحرب الأخيرة كانت بسبب حروب أخرى سابقة، أهمها حرب دارفور في 2003 مرورا بالتقلبات السياسية وبالانقلابات العسكرية والثورات، هذا اللجوء ليس لأن مصر هي الأقرب جغرافيا فقط، وإنما للقدرات والإمكانيات التي توفرها الدولة المصرية، مقارنة بالدول المجاورة للسودان من حيث الأمان والمعيشة والتقارب الثقافي، وبالمقارنة بالإجراءات الصارمة والقاسية في بقية جوار السوداني الخليجي، وغلاء المعيشة، إذ تحتاج الأسرة بالحد الأدنى 1200 دولار شهريا؛ لتغطية نفقات المعيشة البسيطة، مقارنة بمصر التي تحتاج لنصف هذا الإنفاق أو أقل، ما يجعلها الوجهة الأنسب لظروف السودانيين.
بعد اندلاع الحرب تغيرت إجراءات الدخول بالنسبة للسودانيين إلى مصر، في السابق كانت مصر تمنح دخول بدون تأشيرة للنساء والأطفال والرجال فوق سن الخمسين عاما، ومع بداية اندلاع الحرب، قدمت مصر استثناءات واسعة، حيث سمحت لغير ممتلكي الجوازات من السودانيين دخول مصر عبر وثيقة سفر مؤقتة، وبجوازات منتهية الصلاحية استمرت حتى يونيو 2023، بعدها عادت للشروط الرسمية السابقة، ومكنت الملايين من النجاة بطريقة إنسانية من الحرب. مع ضخامة الدخول السوداني، عدلت مصر مرة أخرى عملية الدخول، إذ أصبحت بناء على تأشيرة مجانية مسبقة لجميع الفئات، ما أدى لتكدس أكبر في سفارة وقنصلية مصر بالسودان ببورتسودان، بعد انتقالها عقب الحرب من الخرطوم وقنصلية مصر بوادي حلفا، إضافة للتكدس الأول والقديم أمام بوابات القنصليات المصرية مع استثناءات للمرضى، والحالات الطارئة، كما مُنحت موافقات أمنية سريعة، وهي بمثابة تأشيرة دخول، بدأت بمبلغ 150 دولارا في يوليو 2023 وارتفعت لتصل لمبلغ 2000 دولار في 2024، مع هذه الإجراءات توسعت أبواب الهجرة غير الشرعية عبر البر التي كانت تستغرق 5 و4 أيام عالية الخطورة في البداية، إلى أن أصبحت أقل في 2024؛ لتستغرق يومين أو يوم ونصف بعد إنشاء محطات تموين واستراحات على طرق التهريب بتكلفة 80 إلى 100 دولار للرحلة.
تأتي بعدها مرحلة زيارة مقر المفوضية السامية للاجىئين لاستخراج بطاقة “كارت” طالبي اللجوء (الكارت الاصفر) واستخراج إقامة لاجئ من وزارة الداخلية المصرية، حيث تكدست مباني المفوضية في مدينة 6 أكتوبر بالسودانيين مع صعوبات في تحديد مواعيد الدخول، وتأخره وبالرغم من وجود أعداد ضخمة خارج الدوائر الرسمية، وبالكاد توفر مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات دعما لعدد محدود من اللاجئين، وتقديريا 1500 جنيه مصري شهريا للفرد لتتقلص في 2025 لـ500 جنيه مصري للفرد، عبر برنامج الغذاء العالمي (WFP)، وتوقف الدعم السابق تماما مع استمرار مؤسسات مصرية في تقديم خدمات صحية للاجئين، ضمن عملها الداخلي.
بعد إعادة الدولة السودانية تأمين ولايات الخرطوم والجزيرة، تمكن عدد قليل من العودة منذ منتصف 2024، ورصدت منظمة الهجرة الدولية حوالي 114,457 سودانيًا، عادوا من مصر إلى السودان. هذا الرقم هو مجموع ما تم تسجيله حتى الربع الأول من عام 2025، ويشمل تسجيلات العودة عبر معابر أشكيت وأرقين، ولعبت مصر دورًا مهمًا في تسهيل العودة الطوعية للسودانيين إلى السودان بعد اندلاع الحرب وتحسن الوضع الأمني في الخرطوم، الإسهام جاء في عدة مستويات، إذ عملت مصر مع منظمة الهجرة الدولية (IOM) ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) لتنسيق العودة الطوعية المجانية، بما يشمل جدولة الرحلات الجماعية؛ لتجنب الفوضى عند الحدود وتوعية العائدين بحقوقهم والإجراءات المطلوبة؛ للوصول إلى مناطقهم بأمان وتقديم بيانات دقيقة عن عدد العائدين؛ لتسهيل التخطيط الإنساني في السودان، كما عملت الحكومة المصرية ومؤسساتها الإنسانية على حماية الأطفال والنساء وكبار السن خلال عبور الحدود بتخصيص مراكز مؤقتة على الحدود لاستقبال العائدين، وتقديم فحوص طبية أساسية قبل الوصول لمناطقهم، كما دعمت فكرة العودة الطوعية والآمنة، بدل العودة القسرية، بالتعاون مع الجهات الإنسانية. وحتى نهاية ديسمبر 2025، قدّمت مصر 44 رحلة قطار خاصة لنقل الأشقاء السودانيين من القاهرة إلى محطة السد العالي في أسوان؛ تمهيدًا لعبورهم إلى السودان ضمن برنامج العودة الطوعية، ورغم ذلك، يشتكي السودانيون من صعوبات في حجز رحلات العودة الطوعية عبر مكاتب حجز الرحلات المنتشرة، ما يشير إلى أزمة مختلقة من أصحاب المكاتب، باعتبارهم وكالات سفر وشحن تجاريين، ما يتطلب من الجهات الرسمية في البلدين فتح نوافذ رسمية وشفافة ومعلومة لتمكين الفئات الأضعف من العودة.
وبالرغم من جهود السلطات السودانية في تهيئة الأوضاع الإنسانية والأمنية، لا يزال يشعر السودانيون في مصر، بحسب الإفادات من عدم أمان العودة إلى ديارهم، وأرجعت الإفادات ذلك إلى عدة عوامل، أولها الإنساني كعدم استقرار خدمات المياه والكهرباء بالعاصمة، وعدم توفر الغذاء، مع غلائه وضعف الخدمات الصحية وانعدامها في بعض المناطق، وزارة الصحة السودانية أعلنت عن عودة 88 مستشفى، و244 مركزا صحيا في الخرطوم والجزيرة، وتشير إفادات الوافدين إلى مقارنات مع الوضع في مصر، يضاف إليها الأزمة الاقتصادية من تضخم هائل؛ نتيجة الحرب، إذ كان يعادل الدولار الواحد 100 جنيه سوداني قبل الحرب، وصل الى 3500 جنيه سوداني للدولار الواحد، مما أضعف بشكل كبير أجور الموظفين والعمال، الأمر الذي جعل عددا مقدرا من الموظفين والعمال في القطاع الحكومي؛ لترك العمل والتقدم بإجازة غير مدفوعة بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السودانية، ويضاف إليها خروج قطاع مقدر من رجال الأعمال من السودان، ونقل أعمالهم إلى مصر ودول أخرى، نظرا للدمار الذي سببته الحرب، والقرارات الحكومية غير التشجيعية لهذا القطاع الخاص، وهذا توصيف مبسط طبقا للإفادات.
الحملات الأمنية بين الحقيقة والشائعة وتأثيرها على الوجود السوداني في مصر
وبالعودة الى الهدف الرئيسي لهذا التقرير، فقد تداولت حسابات ناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات ومقاطع فيديو، تشير إلى وجود حملات أمنية، تستهدف تجمعات السودانيين في مناطق مختلفة من مصر. هذه المواد تركت أثرًا نفسيًا واضحًا، إذ أشار العديد من السودانيين إلى شعور بالخوف والرعب منعهم من النزول من شققهم؛ متأثرين بما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي ومقالات الإعلام والبيانات الحقوقية.
بالتحقق مما نشر، نجد أن أول مقطع فيديو لقي رواجا، كان لشخص ادعى أنه مسئول بالسفارة السودانية، وهو أمر نفته السفارة لاحقا، ما أثار موجة من الغضب والذعر، غذ ذكر هذا الشخص أن السلطات المصرية لا تستثني من يحملون إقامات اللجوء، وتتابعت ردات الفعل تباعا، وتضخمت بشكل كبير، دعمتها خوارزميات السوشيال ميديا، ما يكشف التضخيم تداول لقطات فيديو لعمليات ضبط بواسطة السلطات المصرية لسودانيين، تعود لفترات سابقة، كما أفادت المصادر، أن عمليات الاعتقال لم تكن موجهة خصيصًا للسودانيين، بل كانت جزءًا من إجراءات أمنية عادية، تنفذ بناءً على حالات اشتباه محددة، ومع ذلك، أصبح تأثير الشائعات أكبر من الواقع، إذ تم تفسير كل مشهد أمني يضم السودانيين، على أنه استهداف مباشر للوجود السوداني، مما عزز شعور عدم الأمان والخوف النفسي، وأدى إلى صدى واسع لهذه الشائعات.
في الوقت نفسه، لم تنفِ الإفادات وجود إجراءات قانونية، تتعلق بالوجود السوداني غير الرسمي، وهي ليست المرة الأولى التي تُطبق فيها مثل هذه الإجراءات، غالبًا ما تنتهي هذه الإجراءات بـترحيل السودانيين إلى بلادهم. وفقًا للإجراءات الرسمية بين مصر والسودان، ووفقا لما أفاد به سفير السودان بمصر، فإن المرحلين في شهر يناير 2026 بلغ (128) شخصا و (2,470) شخصا خلال العام الماضي، لا يملكون وثائق، وتقوم السفارة باستخراج وثيقة سفر لترحيلهم، كما ذكر أن المبعدين وهي عقوبة جنائية بلغوا (111) شخصا في ديسمبر، (1,765) خلال العام الماضي، ما يعزز من أن ما تم تداوله عبر وسائل التواصل، لم يكن موثقًا بشكل كامل، بل تُرك للتضخيم، في حين أن الواقع تم توثيقه جزئيًا بين إبريل وسبتمبر 2023، عندما سجلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكثر من 5,000 حالة ترحيل لسودانيين من مصر؛ بسبب انتهاء الوثائق أو عدم وجود إقامة قانونية، وفي نوفمبر 2023 أُبلغ عن حوالي 1,600 شخص تم ترحيلهم، بينهم مسجلون كلاجئين، دون توضيح أسباب الترحيل أو طبيعة التوقيف، ما أتاح مساحة لتفسير هذه الإجراءات، على أنها تعسفية أو كيدية.
في الوقت ذاته، استغلت جهات محسوبة على دولة معادية لمصر هذا الوضع لإنتاج محتوى رقمي مستهدف، بهدف إحداث قطيعة بين الشعبين وتقليل الدور المصري التاريخي في السودان، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، للإضرار بالعلاقات الثنائية، وللتقليل من الدور الذي لعبته مصر في الحرب السودانية الأخيرة، كما لم تتطرق الشائعات أو الإعلام إلى مصير الوجود السوداني، وما يعانيه في حال استمرار بقائهم في مصر، وأفادت بعض شهادات المرحلين السابقين، أنهم تمكنوا من العودة مرة أخرى إلى مصر؛ نتيجة الظروف الصعبة في السودان، مما يوضح أن الخيار الأمثل هو دعم استقرار السودان، وإنعاش الاقتصاد، وتحسين المعيشة بالحد الأدنى، ووقف الحرب، لا سيما مع التهديدات الداخلية المحتملة من عودة الدعم السريع للهجوم على المناطق التي أعاد الجيش السيطرة عليها.






