بمضي السنين، (84) سنة كاملة، بهتت أو كادت وقائع وتداعيات حادث (4) فبراير (1942) في الذاكرة العامة، حتى أصبح ممكنا الادعاء بأن مصر قبل (23) يوليو (1952)، كانت مستقلة وتملك قرارها.

في ذلك اليوم، وجه السفير البريطاني السير “مايلز لامبسون” إنذارا إلى الملك الشاب “فاروق”، الذي دأب على وصفه بـ”الولد”، وكان الوصف شائعا على لسانه، وسجله تكرارا في مذكراته.

كان “فاروق” وقتها في الثانية والعشرين من عمره.

يقول نص الإنذار: “إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة من مساء اليوم، أن مصطفى النحاس دعي إلى تأليف الوزارة، فإن الملك فاروق يتحمل تبعات ما يحدث”.

كان النص، الذي أملاه السفير البريطاني على رئيس الديوان الملكي “أحمد حسنين”، مهينا بأي معنى سياسي وكاشفا لوهم “الاستقلال الصوري”، الذي حصلت عليه مصر بموجب تصريح (٢٨) فبراير (١٩٢٢) في أجواء ما بعد ثورة (١٩١٩).

بحقائق القوة المجردة، لم يكن هناك محل لادعاء استقلال، أو سيادة، أو احترام لـ”مليك البلاد”.

كان ذلك داعيا لغضب واسع داخل مؤسسة الجيش وشعور بالإهانة البالغة.

سجل اللواء “محمد نجيب” تلك المشاعر في خطاب استقالة، أرسله إلى الملك: “حيث إنني لم أستطع، أن أحمي مليكي وقت الخطر، فإنني لأخجل من ارتداء بذلتي العسكرية والسير بها بين المواطنين”، غير أن الملك رفض استقالته وأعادها إليه.

من مفارقات التاريخ الكبرى، أن “الضباط الأحرار“، الذين تملكتهم مشاعر الإهانة في ذلك اليوم، هم من أطاحوه من فوق عرشه، وأن اللواء “نجيب” هو من تصدر مشهد طرده من مصر.

كانت عشر سنوات كافية لإهدار أي عطف على الملك “فاروق”.

رغم صلافة السير “مايلز لامبسون”، كانت أسبابه واضحة في طلب إسناد رئاسة الوزارة إلى زعيم حزب “الوفد” صاحب الأغلبية الشعبية.

كان الجيش الألماني بقيادة “أروين روميل” يقترب من الإسكندرية ومصير الإمبراطورية البريطانية على محك مواجهة عسكرية حاسمة في الحرب العالمية الثانية.

كان تقدير “لامبسون” في لحظة معبأة بالمخاطر على الإمبراطورية، أن الإسناد الاستراتيجي للقوات البريطانية المحاربة في صحراء العلمين بقيادة الفيلد مارشال “برنارد مونتجمري”، يتطلب حكومة قوية في القاهرة لها دعم شعبي وقادرة على التحكم في الموقف الصعب، وما دام الملك يُعادي الوفد، ويرفض توليه الحكومة، فإنه لا سبيل غير إنذاره قبل عزله، مستندا على تفويض مفتوح من رئيس الحكومة البريطانية “ونستون تشرشل” بحرية التصرف، وفق ما يراه متسقا مع المصالح البريطانية.

ثم إنه كانت لدى السفير البريطاني شكوك عميقة، في أن للملك تعاطفا مع القوات النازية وهتاف “تقدم يا روميل” يدوي في تجمعات موالية له.

وكان “مصطفى النحاس” ضحية للتناقض بين ما رآه حقا أصيلا للوفد، باعتباره حزب الأغلبية الشعبية، أيا كانت الملابسات والظروف، وبين ما اعتقد فيه طيف واسع من المصريين، من أنه تقبلها على “أسنة الحراب البريطانية”.

الحادث بدلالاته وردات فعله، سحب من “الحق” شرعيته السياسية والأخلاقية على نحو أثر بقسوة على سمعة حزب الأغلبية الشعبية.

كان مشهدا مأساويا، بالنسبة لحزب عريق قاد ثورة شعبية، طلبا لجلاء قوات الاحتلال البريطاني، أن يستقبل أنصاره السفير البريطاني في مقر الحكومة بعد إسناد رئاستها إلى زعيم الوفد بالهتاف محمولا على الأكتاف.

بنظر المؤرخ الكبير الراحل الدكتور “يونان لبيب رزق”، فإن “الوفد أخذ في التحول بعد خروج أحمد ماهر والنقراشي أواخر عام ١٩٣٧، ثم مكرم عبيد بعد ست سنوات، وما تبع ذلك من صعود فؤاد سراج الدين وفئات قوية من الارستقراطية الزراعية، الذين قادوا الحزب الكبير بمكانة العمد لا منطق المجاهدين”.

كان خروج “مكرم عبيد”- بالذات- بالطريقة التي جرت والنتائج التي ترتبت زلزالا حقيقيا في قلب الحزب الكبير، فهو توأم “النحاس” وسكرتير عام حزب “الوفد” وقوته التنظيمية وخطيبه المبرز.

في الصدام بين الرجلين أفلتت كل الاعتبارات، واستبيحت كل المحرمات.

دخل القصر على خط الصدام، وزاده اشتعالا طلبا للانتقام من “النحاس”.

طبع ووزع في السر “الكتاب الأسود”، الذي تضمن اتهامات، تدين “النحاس” وحرمه “زينب الوكيل”.

كان صاعقا أن الرجل الذي أملى وقائع الإدانة توأمه القديم.

شملت الاتهامات استغلال أملاك الدولة والتستر على الفساد، وتفشي الوساطة والرشوة والتلاعب في شؤون الوظائف، فضلا عن أمور أخرى تمس النزاهة الشخصية.

نالت المواجهة، التي زكاها القصر، ونشرت فضائحها صحيفة “أخبار اليوم”، من هيبة زعيم “الوفد”، وفصل الرجل الثاني من عضوية مجلس النواب.

بأثر الذعر الذي أصاب الملك يوم (٤) فبراير، سادت كل تصرفاته رغبات الانتقام، التي أفلتت عن كل عقل أو حساب.

باسم حماية الملك وعقاب معارضيه أُنشئ “الحرس الحديدي”.

كان ذلك تطورا خطيرا في إدارة الشأن العام يليق بالعصابات المسلحة، لا بالملكيات الدستورية.

اغتال “الحرس الحديدي” الوزير الوفدي “أمين عثمان” مطلع يناير (١٩٤٦)؛ خشية أية أدوار قد يلعبها بعلاقاته الوثيقة مع السفارة البريطانية على مستقبل الملك.

وكان اغتياله ـ بأمر ملكي ـ انتقاما متأخرا عدة سنوات على الدور الذي لعبه في حادث (٤) فبراير، حيث كان حلقة الوصل في التفاهمات المسبقة بين “مايلز لامبسون” و”مصطفى النحاس”، قبل أن تتحرك الدبابات لتفرض كلمتها على الملك.

اُتهم “أنور السادات” بالضلوع بدور أساسي في ذلك الاغتيال.

كما حاول “الحرس الحديدي” اغتيال “النحاس” مرتين، فشلتا في النيل من حياته ـ بإطلاق رصاص على سيارته أثناء مرورها بشارع “قصر العيني”.. وتفجير سيارة مفخخة تحت غرفة نومه.

تردد اسم “السادات” من جديد في محاولتي الاغتيال.

عندما ينقلب أي حكم على قواعد الدولة والقانون، ويسود اليأس العام، فإن حركة الرصاص لا يحتكرها وحده.

وقد أشارت برقيات بريطانية لهذا التطور الخطير في النظام الملكي.

لحظة الحدث الكبير في (23) “يوليو” أسندت برقيات أخرى القيادة الحقيقية من خلف اللواء “نجيب” إلى “مصطفى كمال صدقي” و”أنور السادات”، اللذين تزاملا في الحرس الحديدي، الذي كانت مهمته فداء الملك واغتيال خصومه.

عشية (٢٣) يوليو، أخذ كل منهما مسارا مختلفا عن الآخر.

بدأ الرصاص يدوي في شوارع القاهرة من جهات مختلفة، تتصور جميعا، أنه يسوي حسابات ويحسم صراعا، لكنها صبت في طاحونة واحدة، أخذت تدهس أية فرصة لبقاء النظام كله.

بعد اغتيال “أمين عثمان” جرى في العام التالي (١٩٤٧) اغتيال آخر بقنبلة يدوية، ظل صاحبها مجهولا، ذهب ضحيته “سليم زكي” حكمدار القاهرة.

ثم دخل الإخوان على خط الاغتيالات في مارس (١٩٤٨) بالنيل من القاضي “أحمد الخازندار”، رئيس محكمة الاستئناف، على خلفية حكم قضائي، أصدره بحق متهمين، ينتسبون إلى الجماعة.

عندما حل رئيس الحكومة “محمود فهمي النقراشي” الجماعة، على خلفية حوادث تفجير لبعض المؤسسات اليهودية أثناء حرب فلسطين، قامت باغتياله في ديسمبر (١٩٤٨)، وكانت الحرب تقترب من نهاياتها.

بعد شهرين في فبراير (١٩٤٩) اغتيل “حسن البنا” مؤسسها ومرشدها العام بمعرفة الحكم وتخطيطه.

في تلك الأجواء العنيفة أقدم “جمال عبد الناصر” بنفسه على محاولة اغتيال “حسين سري عامر”، بعد حل مجلس إدارة نادي الضباط بقرار ملكي، وقد كان يقف على الجانب الآخر من “الضباط الأحرار” ومرشحهم لرئاسة نادي الضباط اللواء “محمد نجيب”.

شاركه تلك المحاولة “حسن إبراهيم” و”كمال رفعت” و”حسن التهامي”، والأخير شخصية مثيرة بتقلباتها وتهيؤاتها.

لم يستطع “عبد الناصر” النوم ليلتها، وصوت صراخ ملتاع أثناء إطلاق الرصاص لا يغادره.

في اليوم التالي تنفس الصعداء، عندما عرف أن عدوه لم يمت.

زملاؤه في مجلس القيادة عاتبوه على تلك الخطوة، التي انفرد بها، وهو نفسه توصل إلى قناعة نهائية، أن الاغتيالات ليست حلا، وبدأ يستعد بصورة أكثر جدية في دراسة احتمالات التحرك العسكري لتصحيح الأوضاع المختلة.

هكذا كان حادث (4) فبراير انقلابا عسكريا متكامل الأركان كرس سطوة الاحتلال ونفوذه في أدق شؤون الحياة المصرية.

بصياغة أخرى، إنه الانقلاب الأول في الحياة السياسية المصرية بالعصر الحديث.

بقوة رد الفعل التاريخي حدث انقلاب ثاني بعد عشر سنوات في (23) يوليو، سرعان ما تحول إلى ثورة حقيقية، أحدثت تحولات جذرية في البنية الطبقية للمجتمع وطبيعة التوجهات الاستراتيجية.

لا تولد ثورة من فراغ تاريخ.

هذا ما لا يجب أن ينساه أحد.