يقدم استطلاع “البارومتر العربي التاسع“، الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PCPSR) صورة لتوجهات المجتمع الفلسطيني بعد صدمة الحرب على غزة والهجمات العسكرية في الضفة.
وتكمن أهمية الاستطلاع في كونه مسحا، يقيس التحولات بعد العدوان على غزة، ويضعها في مقارنة مع بيانات البارومتر الثامن 2023، والذي أجري قبل عملية السابع من أكتوبر.
ويقدم التقرير الذي يعد من أهم أدوات قياس الرأي العام فلسطينا صورة لمجتمع، يعاني من صدمة، ويُظهر انهيار العقد الاجتماعي بين المواطن ومؤسسات السلطة الفلسطينية.

وضمن محاور خمسة، تكشف الاستجابات، تغير الأولويات من النمو الاقتصادي إلى ضرورات البقاء، بجانب تآكل الثقة بالمؤسسات القائمة، السلطة والأمن والقضاء والأحزاب السياسية.
المنهجية وطرق القياس

أُجري الاستطلاع في ظروف ميدانية معقدة في الفترة ما بين 8 إلى 26 أكتوبر 2025، وبلغ عدد المشاركين في العينة 1655 شخصاً، توزعوا ما بين الضفة الغربية (800 مستجيب)، وقطاع غزة (855 مستجيباً) واعتمدت على مقابلات وجهاً لوجه.
في القطاع، واجه العمل الميداني تحديات وشروط التمثيل، وجرت المقابلات في 33 منطقة سكنية رسمية، والبقية طُبقت في عينة مختارة من الملاجئ ومراكز الإيواء والخيام لتمثيل المناطق التي تضررت أو دمرت، وهو ما ينعكس بوضوح على آراء المستجيبين.
المؤشرات وملامح التحولات

إن مقارنة نتائج البارومتر التاسع (أكتوبر 2025) بالبارومتر الثامن (سبتمبر 2023) تكشف عن تغيرات في الرأي العام، والوعي الجمعي الفلسطيني، حول الأولويات، ومعنى البقاء وظروف العيش، والقيادة الرسمية، والأحزاب، والمستقبل السياسي.
ما بين ملامح ذلك اجتماعيا، التحول من التطلع للنمو إلى البقاء سواء في القطاع المنكوب أو الضفة، حيث غيرت الحرب أولويات الجمهور.
في الضفة، كانت التنمية الاقتصادية شاغلا مهيمنا قبل الحرب، تراجعت أولويتها من 25 إلى 23 بالمائة، في المقابل، قفزت الأولويات المتعلقة بالاحتياجات الأساسية، فارتفع الاهتمام بالتعليم من 25 إلى 30 بالمائة، وبالصحة من 13 إلى 15 بالمائة.
هذا التحول يمثل انعكاسا لمجتمع أصبحت مطالبه وجودية في ظل الحرب، وهناك شكاوى من تدني مستوى الخدمات، جانب منها ارتبط بالتمويل، وضغوط مورست على السلطة الفلسطينية، أدت إلى تقليص الدعم المالي لها، بجانب احتجاز إسرائيل للأموال المخصصة لها من الضرائب.
زاد ذلك من غضب سابق على الحرب، ينتقد أداء السلطة، ويظهر فيما يخص موقف الفلسطينيين من مؤسسات الحكم، ونظرتهم حول انتشار الفساد، والذي يعد مؤشرا مرتفعا، لكن ليس المجتمع الفلسطيني استثناء منه عن دول عربية، يشعر فيها المواطنون بتوطن الفساد في دولهم.
تأييد للديمقراطية والبحث عن زعيم قوي يحل المشكلات
يقع الجمهور الفلسطيني في مفارقة تجاه شكل الحكم، فمن ناحية يظل الدعم المبدئي للديمقراطية كنظام أفضل للحكم قوياً وثابتاً عند 60 بالمائة.
لكن من ناحية أخرى، كشفت الحرب عن “برجماتية مولودة من اليأس” كما يشير التقرير، ويدلل على ذلك: ارتفاع نسبة من يفضلون “زعيماً قوياً” يمكنه تحقيق الاستقرار وفرض النظام حتى لو كان ذلك على حساب الديمقراطية، وشهد هذا الاتجاه ارتفاعا من 41 إلى 51بالمائة. .
يتزامن هذا مع تآكل حاد في تصور الحريات المدنية، حيث انهارت نسبة الاعتقاد بوجود حرية التعبير من 27 إلى 16 بالمائة، والحق في التظاهر من 25 إلى 13 بالمائة.
لم يفقد الفلسطينيون رغبتهم في الحقوق الديمقراطية، لكنهم فقدوا الثقة في قدرة أي عملية سياسية على إنقاذهم من وضعهم المأزم.
يتقاطع المؤشر هنا مع وقائع فعلية؛ حالة القوى السياسية، ونهج سلطة رام الله التي منعت حتى أشكال التضامن مع غزة وواجهتها بالقمع، مبررة ذلك برفض خيار المقاومة المسلحة، والتركيز على المقاومة السلمية، لكنها في ذات الوقت، لم تسمح بها، ولم تعبئ طوال فترة الحرب، كوادر منظمة التحرير (وفتح) للقيام بنشاط في منطقة وجودها بالضفة رغم إمكانية ذلك، وما جرى من تحركات محدودة، كانت رمزية الطابع.
هذا المشهد ينقلنا الى نتائج المؤشر حول توجهات الفلسطينيين سياسيا، بما في ذلك موقفهم من السلطة والأحزاب، وحكومة فتح وحماس، والانتخابات.
الخريطة السياسية
انهيار شرعية فتح واتساع الاغتراب وارتفاع تأييد حماس في الضفة

غيرت الحرب نسبيا الخريطة السياسية الداخلية، لكن وللمفارقة، تراجعت شرعية حركة فتح في الضفة الغربية، كما تشير الأرقام، حيث انخفضت نسبة من يعتبرون فتح “الحزب الأقرب إليهم” من 23 بالمائة عام 2023 إلى 14 بالمائة فقط عام 2025 في الضفة الغربية.
في المقابل، حافظت حماس على قاعدتها الأساسية، مع توسع الاغتراب السياسي، حيث يرفض 51% من الجمهور ربط أنفسهم بأي فصيل سياسي قائم، مما يشير إلى أزمة ثقة عميقة بالطبقة السياسية.
تراجع اجتماعي وقيم أكثر تحفظاً
يبدو أن صدمة الحرب لم تقتصر على السياسة، بل أثارت تراجعاً اجتماعياً نحو معايير أكثر تحفظاً، خاصة فيما يتعلق بأدوار الجنسين، حيث تظهر البيانات زيادة في المواقف التقليدية.
بين المؤشرات، ارتفعت نسبة من يعتقدون أن “الرجال أفضل كقادة سياسيين” من 63 إلى 75 بالمائة، كما ارتفعت نسبة من يرون أن “للرجال الكلمة الأخيرة” في شؤون الأسرة من 44 إلى 57 بالمائة.
هذه النتائج تشير، إلى أن الأزمة العميقة قد تدفع المجتمع للعودة إلى الهياكل الأبوية التقليدية كمصدر متخيل للنظام والاستقرار، مما يهدد بتفكيك مسار التقدم الاجتماعي الذي تم إحرازه في السنوات السابقة، والذى كان مرتفعا فلسطينا مقارنة بدول عربية.
هذه التحولات تنعكس في مؤشرات الثقة والأداء الحكومي، والتي تكشف عن عمق الأزمة بين المواطنين ومؤسسات الحكم والسياسة.
أزمة علاقة بين المواطن والمؤسسة
تظهر أزمة الثقة التي يعاني منها الشارع الفلسطيني تجاه المؤسسات الرسمية، وحيث تراجع الرضا عن الخدمات العامة، مما يعكس الأبعاد العملية للمشهد السياسي المتغير الذي كشفته التحولات بعد العدوان على غزة، وظهور عجز السلطة الفلسطينية بدرجة أكبر.
مؤسسات الحكم

تكشف المقارنة بين عامي 2023 و2025 عن تباين في مستويات الثقة، ففي حين ارتفعت الثقة بشكل طفيف في بعض المؤسسات، في أوقات الأزمات الوطنية، فإنها تبقى ثقة هشة في أبنية السلطة.
يوضح المؤشر، أن الحكومة الفلسطينية (الضفة الغربية) شهدت ارتفاعاً في مؤشرات الثقةمن 17 إلى 25 بالمائة، لكن نسبة عدم الثقة ظلت مرتفعة بشكل كبير عند 71 بالمائة.
وتراجعت الثقة في رئيس السلطة الفلسطينية مما يعكس أزمة شرعية شخصية، ترتبط بمحمود عباس المستمر في منصبة منذ عقدين.
بينما ارتفعت الثقة في الشرطة الفلسطينية من 38 إلى 47 بالمائة، ربما كجزء من البحث عن الاستقرار، وفى المحاكم والجهاز القضائي من 27 إلى 34 بالمائة، لكن غالبية الجمهور 63 بالمائة لا تزال لا تثق.
وشهدت الثقة في حركة حماس (في الضفة الغربية) ارتفاعاً ملفتا، حيث قفزت من 18 إلى 46 بالمائة..
الرضا عن الأداء الحكومي والخدمات (الضفة الغربية)
على الرغم من الارتفاع الطفيف في “الثقة” بالحكومة، يُظهر مؤشر “الرضا” عن الأداء الفعلي صورة قاتمة، حيث تراجعت قدرة السلطة على تلبية الاحتياجات الأساسية في نظر الجمهور، مما يؤكد أن الثقة المسجلة منفصلة تماماً عن الأداء، وتُظهر أن السلطة تفشل في تلبية طلب الجمهور على الخدمات، ما يغذي حالة الإحباط وتآكل الشرعية.
تصورات الفساد
لم يتغير تصور الفساد بشكل جوهري، حيث لا تزال الغالبية العظمى 87 بالمائة في الضفة الغربية تعتقد بوجود فساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية، كما أن هناك تراجعا في نسبة الاعتقاد، بأن الحكومة تعمل بجدية على مكافحة هذا الفساد، مما يعمق أزمة الثقة.
توازنات القوى السياسية: البحث عن قيادة في زمن الاغتراب
أدى تآكل الثقة في المؤسسات التقليدية وحركة فتح إلى إعادة تشكيل توازنات القوى السياسية، وأبرز رغبة عميقة في قيادة بديلة، يمكنها تجاوز النماذج الفاشلة القائمة.
حول السؤال عن القيادة، وافتراض وجود انتخابات رئاسية، أفاد المستجيبون في قطاع غزة بشكل غالب، على بروز شعبية القيادي الأسير مروان البرغوثي كقوة عابرة للانقسامات الحزبية، بين فتح وحماس.
وصوت له حوالي 30 بالمائة، أما خالد مشعل 22 بالمائة، وحصل الرئيس محمود عباس على 13 بالمائة.
تؤكد الاستجابات على مكانة البرغوثي كرمز للمقاومة ورؤية للوحدة، لا تزال قوية، حيث يرى فيه الجمهور بديلاً محتملاً لقيادة كل من السلطة الفلسطينية وحماس.
التصويت والمشهد الحزبي
يكشف التوجه نحو الانتخابات البرلمانية عن فجوة كبيرة بين التأييد العام ونوايا التصويت الفعلية، ويؤكد ظاهرة الاغتراب السياسي.
بلغت نسبة تأييد فتح 16 بالمائة وحماس 19 بالمائة.
لكن الرقم الأكثر دلالة هو أن 41 بالمائة من الجمهور يرفضون المشاركة في الانتخابات من الأساس حال إجرائها.
إن ربط هذه البيانات معاً يرسم صورة واضحة، الغالبية ترفض الارتباط بأي فصيل، وترفض المشاركة والتصويت، ما يدل على رفض القوى السياسية القائمة، ويخلق فراغاً قيادياً في الساحة الفلسطينية، ويوضح أيضا بنية الانقسام في المجتمع.
قراءة نقدية: حدود الاستطلاع وأهميته
مع التأكيد على النزاهة العلمية للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وخبرات فريقه، على مدار عشرين عاما، من الضروري قراءة نتائج الاستطلاع ضمن سياقه الاستثنائي.
مع الأخذ في الاعتبار بعض الحدود المنهجية التي يفرضها الواقع، تأثير بيئة الحرب على إجراء مقابلات “وجهاً لوجه” في أوضاع مشحونة وصادمة، هذا بجانب تحديات التمثيل، خاصة في قطاع غزة.
كما أن تأثير الحرب على أراء المستجيبين، حول المسارات السياسية والاقتصادية، يجب أن يؤخذ في الاعتبار.
يبقي أن أهمية الاستطلاع، أنه يقدم صورة حية لمجتمع، يقف على مفترق طرق، ويخبرنا عن الشعور باغتراب عميق عن قيادته السياسية الحالية، ويرغب في الديمقراطية من حيث المبدأ، لكنه يتوق إلى الاستقرار والنظام كأولوية، مجتمع حولته الصدمة، فأعاد ترتيب أولوياته، وبات يبحث عن قيادة بديلة قادرة على تجاوز نماذج الماضي الفاشل، والواقع الصادم.






