“خطوة أساسية نحو تكريس ثقافة النزاهة الأكاديمية كأساس للتقدم العلمي الحقيقي”.. هكذا قدم الدكتور مصطفى رفعت الأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات لوثيقة وطنية للنزاهة الأكاديمية، كأول “إطار وطني شامل وموحد لقواعد النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي في مصر”.

الوثيقة الصادرة عن المجلس الأعلى للجامعات في الأسبوع الأخير من يناير، تضمنت ما هو ضروري لحماية البحث العلمي من الانتحال، وتزوير البيانات، وتضارب المصالح، ولفتح الطريق أمام توافق الجامعات المصرية مع المعايير الدولية.

وبالطبع لقيت الوثيقة ترحيبا بما تم بذله فيها من مجهود ” يرفع مستوى الجامعات وينبه أعضاء هيئة التدريس إلى قواعد لم يسبق أن درسوها”. بحسب دكتور محمد أبو الغار في مقال له عن الوثيقة في جريدة المصري اليوم.

أبو الغار وغيره من المهتمين بالشأن الاكاديمي توقفوا عند ما وصفوه بـ”الاضافات المقلقة”، والمقصود بها عدة ملاحظات على الوثيقة تتعلق بمحورين اساسيين الاول هو “الحرية الاكاديمية” التي لا تعرفها الوثيقة ولا تضع لها ضمانات صريحة، تضمن للباحث حرية التفكير، وحرية النقد، والاستقلال عن السلطة الإدارية.

أما المحور الثاني فهو المتعلق بـ”القواعد الأخلاقية لعضو هيئة التدريس والهيئات المعاونة”، والذي تناولته الوثيقة بعبارات فضفاضة قابلة للتأويل مثل ” ما يسيء لسمعة الجامعة، ما يتعارض مع القيم، ما يخل بالصورة المؤسسية”.

لن نتوقف هنا عند الجوانب الايجابية في الوثيقة، ولن ننكر وجودها خاصة معالجتها لقضايا شديدة الأهمية أكاديميا مثل تعريف الانتحال العلمي وأشكاله، وتزوير أو تلفيق البيانات، وأخلاقيات النشر العلمي، ومسئوليات المؤلفين وترتيب الأسماء ، وأخلاقيات التحكيم العلمي وتضارب المصالح.

وكذا تطرقها لقضايا حديثة مثل، استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث، وإدارة البيانات البحثية، وأخلاقيات النشر في العصر الرقمي.

وقد جاءت هذه المعالجة متفقة بنسبة كبية مع المعايير الدولية.

نتوقف عند الملاحظات المقلقة في الوثيقة والتي قد تستدعي تعديلا، وإعادة نظر، لتتناغم والمعايير الدولية في هذا المجال.

فقد توسعت الوثيقة في ضبط اخلاقيات البحث العلمي، فخلطت بينها وبين الانضباط الوظيفي، وحرية التعبير لتتحول من دليل اخلاقي الي اداة ضبط سلوكي.

حيث تنص الوثيقة في فصلها الخامس ” اخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي“، المادة 29″ يُحظر على عضو هيئة التدريس والهيئة المعاونة إنشاء أو إدارة حساب عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُقدم من خلاله محتوى مرئيًا أو مكتوبًا يتعلق بأي من المقررات الدراسية التي تُدرَّس بالجامعة، سواء كان المحتوى مجانيًا أو مدفوعًا، إلا بعد الحصول على موافقة معتمدة من الجامعة”.

والفقرة التالية اكثر وضوحا في التقييد حيث تنص على “كما يُحظر عليه نشر أو بث أي محتوى يتعارض مع سياسات الجامعة، وقواعدها، وآدابها، وأخلاقياتها”.دون توضيح لمعايير تلك الآداب والاخلاقيات ومن يضعها ومن يحكم على الباحث بانتهاكها.

الأمر لا يقتصر علي وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل يمتد لوسائل الإعلام حيث تفرض الوثيقة “الحفاظ على صورة الجامعة وسمعتها، وتجنب نشر أي محتوى نصي أو مرئي أو صوتي يسبب الإساءة لها”.

كما تنص على  ضرورة “الحصول على موافقة مسبقة من الجامعة قبل إجراء بروتوكولات تعاون أو اتفاقيات أو تعاقدات مع وسائل الإعلام أو مؤسسات الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي”.

وحتي ما يتعلق بإنشاء صفحة أو “جروب” علي مواقع التواصل نصت  الوثيقة على  “عدم إنشاء صفحة أو حساب على مواقع التواصل الاجتماعي باسم الجامعة أو الكلية أو القسم إلا بعد موافقة من الجامعة”.

هذه القيود التي تتجاوز أخلاقيات البحث العلمي إلى تنظيم الوجود العام للأكاديمي، وتشترط الإذن المسبق في مجالات الإعلام و السوشيال ميديا لا تتفق والمعايير الدولية المعتمدة ومنها معيار اليونسكو لعام1979 الذي ينص على أن أعضاء هيئة التدريس يتمتعون بحقوق المواطنين ومنها حرية التعبير، وحقهم في التعبير بحرية عن رأيهم في سياسات الدولة والسياسات المؤثرة على التعليم العالي دون عقوبات بسبب ذلك.

كما ينص معيار اليونسكو على أن الحرية الأكاديمية تشمل صراحة حرية التعبير عن الرأي حول المؤسسة أو النظام الذي يعمل فيه عضو هيئة التدريس، مع تأكيد التحرر من الرقابة المؤسسية.

وبينما لا تقدم الوثيقة المصرية تعريفا واضحا للحرية الأكاديمية يعرفها اليونسكو بأنها ” تشمل التحرر من الرقابة المؤسسية، وحرية التعبير عن الرأي حول المؤسسة/النظام”.

وبالانتقال لنقطة اخرى “مهنية” نجد الوثيقة تنص على أنه لا يحق لأعضاء هيئة التدريس القيام بعمل من أعمال الخبرة أو إعطاء استشارة إلا بترخيص من رئيس الجامعة بعد إذن العميد، وهو تقييد غير مفهوم، كما أنه مرة اخرى يخالف المعايير الدولية وبالرجوع مجددا لمعيار اليونسكو سنجده ينص صراحة على حق أعضاء هيئة التدريس في ممارسة أنشطة مهنية خارج عملهم خصوصًا ما يعزز مهاراتهم أو يخدم المجتمع، بشرط ألا تتعارض مع الالتزامات الأساسية وبما يتفق مع اللوائح/القوانين.

ربما  تكون نزعة التقييد والضبط السلوكي هي السبب الرئيس وراء اضافة مواد وبنود تتعارض مع الحقوق الاساسية للباحثين والاكاديميين، الذين رحبوا بشكل مبدئي بوجود مثل هذه الوثيقة الإطار، مع ابداء تحفظات وتخوفات تبدو مشروعة جدا تجاه تلك النصوص التقييدية، والعبارات الفضفاضة، والتي يتعارض بعضها مع جوهر عملية البحث العلمي