خلال الأونة الأخيرة، ظهرت بوادر أزمة قضائية، بحسب ما نشر عنها، من خلال المنصات والمواقع الإعلامية، أن هناك محاولات حكومية لجعل أمر تعيين أعضاء النيابة العامة، الإدارية من خلال الأكاديمية الوطنية للتدريب، وهي جهة محسوبة على الجهاز العسكري في الدولة، وقد كان ذلك عقب تسريب نسخة من تعيينات أعضاء النيابة العامة، وهو الأمر الذي أعقبه أن دعت الهيئة القضائية لعقد جمعية عمومية طارئة؛ لبحث الأمر، وتحديد سبل لمواجهة الموضوع.

وبعيدا عن أي غرض أو هدف سياسي لتبعات هذا الأمر، إلا أننا سنحاول وضع مقاربة لتأثير ذلك على استقلال السلطة القضائية، بحسب كونها أحد السلطات الثلاث الحاكمة لشؤون الدولة المصرية، مع السلطة التشريعية، والسلطة القضائية.

وبحسب حساسية موقف السلطة القضائية، لكونها هي الحاكم الفاصل في حالات تغول السلطة التنفيذية على حقوق وحريات المواطنين، وكذلك من خلال بسط الرقابة الدستورية على مدى التزام السلطة التشريعية بنصوص الدستور ومبادئه، وإذا كان مبدأ استقلال السلطة القضائية في أصله يقضي بضرورة الفصل المطلق بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن مفهومه قد تطور مع الزمن نزولا عند حكم الضرورة حيناً ولاعتبارات عديدة أخرى حيناً آخر، حتى أصبح مضمونه في الزمن المعاصر يكاد يكون مختلفا عن ذاك الذي ظهر به لأول مرة، فقد صارت السلطة التنفيذية تقاسم السلطة التشريعية بعض اختصاصاتها، من خلال ما يُعرف اليوم بتشريعات الضرورة أو التفويض أو الطوارئ لأسباب معلومة، وصارت السلطة التشريعية تتدخل في أعمال السلطة القضائية، وصارت هذه الأخيرة تراقب أعمال السلطتين الأخريين، من خلال ما يعرف بالرقابة على دستورية القوانين، فيما يخص السلطة التشريعية، ورقابة القضاء على أعمال الإدارة فيما يخص السلطة التنفيذية، حتى ساد اليوم القول، بأن الفصل بين السلطات إنما هو مجرد نوع من توزيع الوظائف بين مؤسسات الدولة، يقوم على أساس التعاون بينها تحقيقا للمصلحة العامة، بل إن هناك من فقهاء القانون من لم يعد، يقر بوجود هذا المبدأ لزوال مبررات وجوده، وبيان ذلك، أن مبدأ الفصل بين السلطات، إنما ولِد في ظل أنظمة الحكم النيابية، حيث يسود- مفهوم سيادة الأمة- ليقتصر دور الشعب في ظله على اختيار من ينوب عنه في الحكم بطريق الانتخاب، في حين يتلاشى هذا المبدأ في ظل نظام سلطة الشعب الديمقراطية المباشرة.

 ويقصد باستقلال القضاء، عدم وجود أي تأثير أو تدخل مباشر أو غير مباشر بأي وسيلة في عمل السلطة القضائية، بالشكل الذي يمكن أن يؤثر في عملها المرتبط بتحقيق العدالة، كما يعني أيضا منح القضاء سلطة حقيقية، تسمح له بأن يحظى بنفس القوة المتاحة للسلطتين التشريعية والتنفيذية؛ وتجعله مختصا على مستوى طبيعة الهيئة القضائية والصلاحيات المخولة، مع توفير الشروط اللازمة لممارستها في جو من الحياد والمسئولية، بالإضافة إلى وجود ضمانات خاصة بحماية القضاة من أي تدخل، يمكن أن تباشره السلطتان التشريعية والتنفيذية في مواجهة أعمالهم أو تعيينهم أو ترقيتهم أو عزلهم.

وفي هذا السياق، فإن السلطة القضائية ممثلة في هيئات المحاكم والنيابات هي الحارس الأمين على القانون، منه تستمد شرعية وجودها وقوام ولايتها، وبه تهتدي في معرفة شرعية اختصاصاتها، ومقدار السلطة المقررة لها عند الفصل في المنازعات المطروحة عليها، وبعبارة أخرى أكثر إيجازاً، تخضع السلطة القضائية لمبدأ المشروعية في الوجود ولأحكام القانون في التطبيق، وهذا بالضرورة يقودنا إلى البحث في الركائز التي يقوم عليها بناء السلطة القضائية من ناحية ووجوب التزامها بالقانون نصا وروحا عند ممارستها للوظيفة القضائية، من ناحية أخرى. وهو الأمر الذي يقتضي في بيان معنى استقلالية السلطة القضائية كضمانة مقررة لها بموجب القوانين، تمنع عنها التدخل، وتضمن لها الحيدة والنزاهة في الأداء، وتغرس الثقة في نفس المواطن، بحسب أنها الجهة التي تحمي قوانين الدولة من أي انتهاك، وترعى حقوق المواطنين، ولذا أجمعت كافة القوانين الأساسية السائدة في عالم اليوم (مواثيق ودساتير وقوانين) على اعتبار السلطة القضائية (هيئات المحاكم والنيابات) هيئات قضائية لا تخضع في عملها سوى للقانون والضمير، وبالتالي، يحظر على كافة الجهات الأخرى التشريعية منها والتنفيذية التدخل في عملها ضماناً لمبدأ حياد القاضي الذي يجسد استقلال القضاء.

ولضمان الاستقلال التام للقضاء، وتحصينه في مواجهة الضغوط والمغريات، وضمان نزاهته وفعاليته، لا بد من توفير الشروط المادية والمعنوية الضرورية لحسن سير العمل القضائي، وتوفير الضمانات الكافية لتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية في مواجهة كل الجهات التي يُحكم ضدها على قدم المساواة، وإسناد كل ما يتعلق بتسيير الجهاز القضائي، إلى هيئة عليا، تتكون من القضاة أنفسهم، ولا تتدخل في شئونها أي سلطة أخرى، ولا أي جهة من خارج القضاء، وتتولى هذه الهيئة البت في الوضعيات الإدارية والمادية للقضاة بجميع مستوياتهم، واتخاذ القرارات المتعلقة بترقياتهم، أو بتغيير أماكن عملهم، أو بتأديبهم عندما يثبت لها ما يدعو إلى ذلك، دون أن يكون لأي سلطة أخرى حق التدخل أو التأثير أو التوجيه في تسيير الجهاز القضائي، ولا فيما يزاوله القضاة من عمل، وما يصدرونه من أحكام. ولضمان توفير الاستقلال للقضاة كأشخاص وعدم وضعهم تحت رهبة أي سلطة من السلطات الحاكمة، وأن يكون خضوعهم لسلطان القانون فقط، عبر إحاطة القضاة ببعض الضمانات التي من شأنها تحقيق ذلك الهدف، وتوفير قدر من الضمانات الوظيفية لهم بما يكفل استقلالهم وعلى وجه الخصوص تجاه السلطة التنفيذية، مثل أن يكون اختيار القضاة من قبل السلطة القضائية، وتوفير الحماية القضائية للقضاة، وعدم جواز عزلهم بقرار من السلطة التنفيذية.

وقد أقرت المدونات القانونية والدستورية، الحقوقية أيضًا، ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستوى الدولي، أنه يجب أن تُؤمن المؤسسات القضائية من أية تدخلات من سلطات مغايرة في كل مراحل تكوينها أو عملها، سوى ما يرتبط بتوفير الموارد المالية أو الإدارية، وأن ما عدا ذلك يشكل تدخلاً في عمل السلطة القضائية، لا يتفق مع أدنى المراتب الدستورية الضامنة للاستقلال القضائي كمبدأ عام حاكم لوجود السلطة القضائية كسلطة مستقلة، إذ أننا إذا تجاوزنا ذلك، وسمحنا بوجود، ولو نذر بسيط في من التدخل في أعمال السلطة القضائية، فكيف لنا أن نأمن لها، أن تُعمِل رقابتها القضائية على أعمال السلطة التنفيذية، أو نحقق لوجودها أثراً فاعلًا يضمن حيدتها، وبقائها كظهير مدافع عن حقوق المواطنين، حال تغول السلطة التنفيذية على أي من الحقوق أو الحريات، أو يجعل هناك ثقة ما بين المواطنين والهيئات القضائية، وهو الأمر الذي ندعو من خلاله، أن ترفع السلطة التنفيذية يدها عن السلطة القضائية، وأن تحتكم إلى نصوص الدستور على أقل التقديرات لضمان بقاء القضاء حر ومستقل.