مع اقتراب دخول الحرب في السودان عامها الثالث، تبرز مؤشرات متعددة، وفقاً لمرآة الفواعل المحلية السودانية وحسابات الفواعل الإقليمية والدولية، ومع ذلك، يبدو أن هذه المؤشرات تتقاطع عند نقطة واحدة: الحاجة الملحة إلى إنفاذ هدنة إنسانية مُنقِذة، بالنظر إلى الاستنزاف الكبير الذي يعانى منه الجميع.
تختلف الحسابات حول كيفية انتهاء الحرب وشكل التسوية المرجوة، في ظل معادلة صعبة وبطيئة، تتأثر بالتعقيدات السياسية التي يشهدها العالم اليوم، وبالخصوص في منطقة النزاع، فالمعادلة الراهنة تقوم على إخراج أطراف معينة والإبقاء على أخرى، دون وجود أفق واضح لتحقيق تسوية شاملة، تشمل جميع الفواعل. ويعزز هذا الواقع حالة الانقسام الداخلي والخارجي الواضح، وهو ما طالما عرقل كل المساعي لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار إلى السودان.
وبناءً على المعادلة الحالية، لن يمر مسار استقرار السودان دون اتفاق شامل بين جميع الفواعل المتداخلة، حول من يبقى ومن يُستبعد من المعادلة، وفق تنازلات محسوبة، تهدف إلى الوصول إلى دولة مستقرة داخلياً، ومقبولة في محيطها الدولي والإقليمي.
يسعى هذا التقرير إلى قراءة التطورات الأخيرة في الملف السوداني، استناداً إلى التصريحات والأحداث المرتبطة بالسودان خلال الشهر الماضي، لتقديم فهم متكامل للمسار الحالي واحتمالات المستقبل
التطورات الميدانية
خلال الفترة الماضية، حقق الجيش السوداني انتصارات هامة في جنوب كردفان، حيث استطاع فك الحصار عن مدينة الدلنج بعد حصار دام عامين ونصف، عقب إعادة سيطرته على مدينة هبيلا في 25 يناير، إذ دفع الجيش بمجموعتين، انطلقت الأولى من جنوب غرب الرهد والبان جديد، والثانية من كرتالا ودلامي، وعملتا على مدار أكثر من شهر، حتى التقتا في مدينة هبيلا، ما أدى إلى انهيار مسلحي المليشيات وفك حصار الدلنج.
وقد تجاوز الجيش الطريق التقليدي كازقيل– الدبيبات– الدلنج، ليصل عبر طريق وعر وغير متوقع، ما أدى إلى وصول كميات كبيرة من المساعدات الغذائية للمدينة، وفي 2 فبراير، تمكن الجيش السوداني من فك الحصار عن مدينة كادقلي بعد معارك مع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – جناح الحلو في منطقة كيقا والمناطق المحيطة بها، وسط ارتياح وفرح كبيرين من المواطنين، كما أظهرت الاحتفالات العفوية.
استطاع الجيش أيضًا إفشال مخطط الدعم السريع لتطويق مقراته في الدلنج وكادقلي، فيما لا تزال مدينة الأُبيض محاصرة جزئيًا. وقد أتاح هذا التقدم للجيش تأمين أجزاء واسعة من إقليم كردفان وتأمين مناطق النيل الأزرق، ما يؤكد استعادة الجيش زمام المبادرة، وفي نقاط أخرى حساسة خارج نقاط التماس، حافظت القوات المشتركة المساندة للجيش على وجودها في شمال دارفور، على طول الحدود السودانية-التشادية في مناطق الطينة وكرنوي، وهو ما أضاف نقطة ثقل داخل عمق سيطرة الدعم السريع بدارفور.
وفي المقابل، يبدو أن تحركات الدعم السريع وتحالفاته مع الحركة الشعبية الحلو محدودة، إذ انحصرت على الحدود مع دولة جنوب السودان في إقليم النيل الأزرق، بسيطرتها على بلدات حدودية في الجزء الجنوبي من خريطة السودان، وهي نقاط حدودية مشتركة أيضًا مع إثيوبيا.
وبحسب محللين، تعود هذه التطورات إلى تعاظم قدرة الجيش عبر التحالف الإقليمي بقيادة مصر والسعودية وتركيا، ما أدى إلى شل إمدادات الدعم السريع عبر نقاط الإمداد الرئيسية في بربرة وبوصاصو في الصومال، ومطار الكفرة في ليبيا وهي إمدادات قادمة من دولة الإمارات، وقد أثر شح الإمدادات بشكل كبير، إضافةً إلى مراقبة مطار نيالا في دارفور المخصص لاستقبال إمدادات الدعم السريع داخل السودان، والذي استُهدِفت الإمدادات فيه بشكل متكرر منذ نوفمبر 2025، ما رجح كفة الجيش بامتياز.
إلا أن هذه الحسابات ليست مضمونة بالكامل، إذ رُصدت عمليات توسعة في ميناء ومطار في أرض الصومال، وكذلك عمليات توسعة وإنشاءات في مطار الكفرة بليبيا ومدينة أسوسا في إثيوبيا، ما يعزز احتمالية عودة تحركات الدعم السريع على نطاق أوسع، مع إمكانية إنشاء نقطة إمداد جديدة في إفريقيا الوسطى وعلى الحدود مع دولة جنوب السودان، وفق مؤشرات قابلة للتحقق، ويستمر سباق التسلح والتوترات في منطقة الشرق الأوسط في تشكيل عامل مضاعف للتحديات المستقبلية على الأرض.
مسار المساعدات الإنسانية
يشهد مسار المساعدات الإنسانية في السودان تداخلاً معقداً بين الاعتبارات الإنسانية البحتة والحسابات السياسية الإقليمية والدولية، فقد جاء الإعلان عن تعهدات إنسانية من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والإمارات، مقترناً بحديث متزايد عن قرب التوصل إلى هدنة إنسانية، باعتباره حزمة حوافز، تهدف إلى دعم الاستقرار ومنع الانهيار الشامل. غير أن هذه التعهدات، ورغم أهميتها، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الذي يحيط بها، ولا عن واقع ميداني، ما زال هشّاً ومتقلباً.
فعلى سبيل المثال، جاء إعلان الولايات المتحدة عن تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار، متزامناً مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول قرب إنهاء “حرب أخرى” تحت إدارته، وهو خطاب سياسي، قد لا ينسجم بالضرورة مع تعقيدات المشهد السوداني على الأرض، في المقابل، ربطت المملكة المتحدة صراحةً أي دعم إنساني متقدم بضرورة إحراز تقدم في المشاورات السياسية التي تفضي إلى انتقال مدني للسلطة، بما يعكس توجهاً أوروبياً لدمج المسار الإنساني في إطار العملية السياسية، وهو نهج لا يبدو أن الولايات المتحدة تتبناه بالدرجة نفسها، إذ واصلت دعمها المباشر لبرنامج الأغذية العالمي وصندوق المساعدات الإنسانية دون اشتراطات سياسية علنية.
على المستوى التنفيذي، تمكّنت الحكومة السودانية، بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، من إيصال المساعدات إلى مدن كانت محاصرة لفترات طويلة، مثل الدلنج والأبيض، وهو تطور يصعب تجاهله في تقييم الأداء الإنساني للدولة، كما أسهمت استعادة السيطرة على وسط السودان منذ مارس 2024، بدعم إقليمي من المملكة العربية السعودية وقطر ومصر، في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، لا سيما في الخرطوم وولاية الجزيرة.
ويُعدّ من أبرز التطورات في هذا السياق عودة الحكومة السودانية بالكامل إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو ثلاث سنوات من نقل مقرها إلى بورتسودان بسبب الحرب، وهو تطور يحمل دلالة سياسية وإدارية مهمة، إذ يرمز إلى محاولة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها من مركزها الطبيعي، وتعزيز الاستقرار الإداري في القلب الوطني للسودان، وفي هذا الإطار، أعلن عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر عن جملة من الإجراءات العملية، شملت إزالة مخلفات الحرب عبر سلاح المهندسين، وإعادة تشغيل 12 محطة مياه من أصل 13 محطة دُمّرت خلال النزاع، إلى جانب تشغيل نحو 87% من المستشفيات الحكومية في الخرطوم، وإعادة فتح عدد من المدارس، ما يشير إلى تحسن نسبي في مؤشرات التعافي الخدمي داخل العاصمة.
وعلى صعيد إعادة الإعمار والدعم الإنمائي المرتبط بالمسار الإنساني، وقّع البنك الإفريقي للتنمية والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) اتفاقية بقيمة 62 مليون دولار؛ لإعادة بناء البنية التحتية الاجتماعية في السودان، تستهدف ترميم 20 منشأة صحية، و20 مؤسسة تدريبية ومهارية، و60 نظاماً للمياه والصرف الصحي في أربع ولايات متأثرة بالنزاع، إلى جانب تدريب آلاف الفنيين وأفراد المجتمعات المحلية لضمان استدامة الخدمات. كما يجري تنفيذ مشروع آخر بإشراف برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) ومركز الملك سلمان للإغاثة لإعادة تأهيل بنية مياه الشرب في ولاية الجزيرة، يشمل حفر 15 بئراً جديدة، تعمل بالطاقة الشمسية، وترميم 40 بئراً قائمة، وتركيب 30 نظام طاقة شمسية، وتدريب 40 فنياً محلياً، ليستفيد من المشروع أكثر من 200 ألف شخص من العائدين والسكان المحليين.
وفي موازاة ذلك، بدأت الحكومة السودانية مفاوضات ومشروعات مشتركة مع شركات روسية لتحديث محطات توليد الكهرباء، بما في ذلك المحطات الكهرومائية، ورفع القدرة الإنتاجية للطاقة عبر صيانة وتطوير البنية القائمة، في ظل دمار واسع، طال شبكات الكهرباء وسرقات النحاس وتخريب المحولات خلال الحرب، كما أعلنت شركات مصرية مشاركتها في مشاريع إصلاح الطرق والربط السككي وتجهيز البنية التحتية للمواني، وعلى رأسها ميناء بورتسودان، في إطار اتفاقية استراتيجية تمنح الشركات المصرية أولوية في تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، وتشمل صيانة الطرق الرئيسية، وتطوير شبكات الكهرباء والربط الإقليمي، وإصلاح المواني والبنية اللوجستية، بما يدعم حركة التجارة والصادرات.
وقد أسهم هذا التحسن النسبي في الخدمات والبنية التحتية، مقروناً بتدفق المساعدات الإنسانية والمشروعات التنموية، في عودة أعداد متزايدة من النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، رغم استمرار التحديات الأمنية والسياسية. ويعكس ذلك أن مسار المساعدات الإنسانية في السودان لم يعد محصوراً في الإغاثة الطارئة فحسب، بل بات مرتبطاً بشكل متزايد بإعادة بناء الدولة، وهو مسار يظل هشّاً وقابلاً للانتكاس، ما لم يُدعَم بتسوية سياسية مستقرة ومتوافق عليها
مسار التسوية السياسية
يمضي مسار التسوية السياسية في السودان بوتيرة بطيئة ومتعثرة، نتيجة التباينات الحادة بين الفواعل المحلية والإقليمية، وغياب حدٍّ أدنى من التوافق حول طبيعة الحل ومآلات المرحلة الانتقالية. فعلى المستوى الداخلي، لا يزال رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان يرفض أي صيغة لهدنة، تُبقي على وجود قوات الدعم السريع، كما يرفض الجلوس معها أو التفاوض المباشر، وفقاً لتصريحاته الأخيرة. ويقترن ذلك برفضه عودة المكوّن المدني الذي شاركه السلطة خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير، ما يعكس تمسّكاً عملياً بخيار الحسم العسكري كمسار أساسي لإدارة الصراع، وهو ما يزيد من تعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
في المقابل، يواجه التحالف الذي يقود حكومة الدكتور كامل إدريس تحديات داخلية متصاعدة، تمثلت في تسريبات إعلامية حول خلافات حادة بشأن تشكيل المجلس التشريعي، الأمر الذي قد يعجّل بإضعاف الحكومة أو تقويضها في مرحلة مبكرة، وتأتي هذه الخلافات في سياق ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، من شأنها أن تعرقل مسار الاستقرار السياسي والأمني على المدى المتوسط، لا سيما في ظل غياب سياسة انفتاح حقيقية على مختلف التيارات والقوى الفاعلة، وعدم القدرة على بلورة معادلة داخلية جامعة قادرة على احتواء الانقسامات المتراكمة.
وفي ظل هذا الانسداد، يتعمّق خطر الانقسام الإداري والسياسي، مع اتساع الفجوة بين المكوّنات المختلفة، بما يعزز مناخ استقطاب حاد، لا يظل محصوراً داخل الحدود السودانية، بل يتقاطع مباشرة مع استقطاب إقليمي ودولي أوسع، ففي هذا السياق، يُعاد تعريف الأزمة السودانية خارجياً لا بوصفها أزمة داخلية معقّدة، بل كساحة اصطفاف بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل الدولة: الأولى ترى أن بقاء المؤسسة الأمنية والعسكرية في صدارة الحكم، أو في مركز القرار السياسي، هو الخيار الأكثر واقعية لضمان الأمن والضبط السريع ومنع تفكك الدولة في بيئة إقليمية مضطربة؛ بينما تدفع الثانية، لا سيما في المعسكر الغربي، نحو تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية لصالح نظام مدني بمرجعية سياسية أقرب إلى نماذج التحول في شرق إفريقيا، باعتباره المسار الأضمن للاستقرار طويل المدى والاندماج في النظام الدولي.
هذا الاستقطاب لم يكتفِ بتعقيد المشهد السياسي، بل حوّل السودان إلى ساحة توازنات متصارعة، يُقاس فيها مسار التسوية بمدى اقترابه أو ابتعاده عن مصالح الخارج أكثر مما يُقاس بقدرته على معالجة جذور الأزمة داخلياً. ونتيجة لذلك، باتت أي محاولة للانتقال السياسي تُواجَه بريبة متبادلة: فالمسار المدني يُنظر إليه إقليمياً، باعتباره مدخلاً لإعادة تشكيل موازين النفوذ، في حين يُقرأ استمرار الدور السياسي للمؤسسة العسكرية دولياً بوصفه تكريساً لحكم سلطوي، يعيد إنتاج الأزمات ويقوّض فرص التحول الديمقراطي.
ضمن هذا السياق، لا يبدو أن المخرج يكمن في انتصار إحدى الرؤيتين على الأخرى، بل في إعادة تعريف موقع السودان خارج منطق الاصطفاف ذاته. فالحل الأكثر واقعية يتمثل في طرح مسار انتقالي “محايد سياسياً”، يقوم على أولوية الاستقرار وحماية المدنيين، مع إدارة مدنية بصلاحيات محدودة ومؤقتة، ومؤسسة عسكرية موحّدة تُحصر وظيفتها في المهام الأمنية دون تفويض سياسي مفتوح. ورغم الطابع الهجين لهذا النموذج، إلا أنه يقلل من حساسية الأطراف الإقليمية والدولية، تجاه ما تعتبره خسارة جيو سياسية، ويعيد توجيه الاهتمام نحو منع الانهيار، بدلاً من إعادة هندسة النظام السياسي بسرعة غير قابلة للاستدامة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مسار التسوية السياسية في السودان بات رهيناً، إلى حدٍّ كبير، بقدرة الفواعل الخارجية على بلورة رؤية موحّدة، تقوم على هذا الفهم، وتوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وحساسية الانخراط الخارجي دون انحياز حاد، فغياب هذا التوافق يهدد بإطالة أمد الصراع وتعميق الانقسام، في لحظة تشهد فيها المنظومة الدولية تحولات كبرى، تجعل من السودان إحدى ساحات اختبار توازنات ما بعد القطبية الأحادية، وتضع الحفاظ على وحدة الكيان السوداني في صدارة التحديات السياسية والاستراتيجية.






