يأتي الحراك التركي الحالي في الصومال متسقًا بشكل مثالي مع دبلوماسية تركيا الإفريقية؛ والتي قدم لها مؤخرًا “طلحة كوشه” Talha Kose (رئيس أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية) توصيفا دقيقا موجزا في مقال نشره مؤخرا (8 فبراير الجاري).

كوشه كتب، إن الشرط الأساسي لفهم إفريقيا يكمن في التخلي عن القراءات الاختزالية التي تحصر القارة في إطار الأزمات والتنافس، وتقييمها ضمن سياقها الخاص، ومن خلال أولوياتها ودينامياتها المؤسسية الذاتية، ولا يمكن استيعاب دور إفريقيا في النظام العالمي ومستقبلها على نحو سليم إلا من خلال هذا المنظور.

وتتميز السياسة التركية تجاه إفريقيا بوضوح عن المقاربات السائدة، فتركيا ترفض عن قصد تعريف إفريقيا بوصفها ساحة تنافس أو مجال نفوذ أو جغرافيا، تُوظف لتحقيق مصالح قصيرة الأمد، وتنظر إليها كشريك استراتيجي قائم على الندية والاحترام المتبادل.

ويضيف كوشه، أن مقاربة تركيا تجاه إفريقيا ترتكز على أربعة مبادئ أساسية: احترام السيادة المتبادلة، والمسئولية الإنسانية والصدق، والتعاون القائم على مبدأ الربح المتبادل، والشراكات طويلة الأمد والمستدامة.

 وقد انعكست هذه المبادئ بوضوح في الممارسات الميدانية، إذ تقدم تركيا نموذج علاقة، لا يختزل في حجم التبادل الاقتصادي أو عدد البعثات الدبلوماسية، بل يقوم على الثقة والاستمرارية والمنفعة المشتركة.

ويمكن هنا ملاحظة اقتداء تركيا بالنموذج الصيني في إفريقيا (حيث ترفع أنقرة شعار “الربح للجميع”)، ويتضح ذلك بجلاء في حالة الصومال الذي أصبح مُستَقرًا للنفوذ التركي في القارة الإفريقية ومنطقة القرن الإفريقي على وجه التحديد، وزاد من زخمه التقارب التركي- المصري المشهود هناك منذ مطلع العام 2024.

الربح للجميع

تحقق تركيا خطوات ملموسة في مسار تعظيم المكاسب الاقتصادية المتحققة من وجودها في الصومال؛ ولاحظ مراقبون اقتفاء تركيا خطى الصين في إفريقيا كأسلوب مقبول في دول الأخيرة مقارنة بسياسات القوى الغربية والخليجية التي تميل لمقاربات خشنة وبمشروطيات سياسية واضحة.

في الصومال تعمقت مقبولية هذا الوجود التركي بمرور السنوات؛ وعلى سبيل المثال، حصل صندوق المعاشات والاستثمار التركي pension and Investment Fund (العسكري في واقع الأمر، والذي تعتبره الميديا الغربية مثيرًا للجدل بسبب حجم أنشطته في القارة الإفريقية) في ديسمبر 2025 على اتفاق هام مع مقديشو من أجل تحقيق مركزية الترخيص وتنظيم صيد الأسماك في جميع المناطق البحرية الصومالية تحت مظلة شركة أوياك OYAK التركية والتي تأسست حديثًا، مما وضع موارد طبيعية استراتيجية في الصومال في يد شركة تابعة لوزارة الدفاع التركية “دون سجل سابق لها في إدارة المصايد السمكية” حسب تقارير غربية.

وتأكد مطلع يناير 2026 عزم تركيا على إرسال معدات وسفن تنقيب عن البترول في المياه العميقة داخل حدود الصومال البحرية خلال العام 2026، ومثل المشروع الأول من نوعه في استكشاف شركات تركية للبترول في المياه العميقة خارج حدود تركيا، حسب تأكيد وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، والذي لفت إلى أن سفينة كاجري بيه Cagri Bey ستركز على المناطق البحرية قبالة السواحل الصومالية (دون أن يكشف عن الاحتياطيات المستهدفة أو حجم الاستثمارات المقررة).

واتساقًا مع هذا التوسع التركي في القطاع البحري في الصومال (سواء الطاقوي وخدمات النقل البحري أم الثروة السمكية) صادقت الحكومة الصومالية في الأسبوع الأول من فبراير الجاري على اتفاق التعاون البحري مع تركيا “وتوسيع الصلات الثنائية (بينهما) في قطاعي النقل والمواني”.

ونقلت وكالة الأنباء الصومالية اتخاذ هذا القرار خلال أحد الاجتماعات المنتظمة لمجلس الوزراء الصومالي (4 فبراير)، حيث “تمت مراجعة العديد من التقارير والاتفاقات”.

وغطى الاتفاق مجالات مثل “تطوير التجارة البحرية، وتحسين إدارة حركة مرور السفن وتحديث خدمات المواني”، كما وفر الاتفاق منصة للتعاون التقني وتبادل الخبرات واستخدام خدمات المواني في الصومال وتركيا وتيسير الأنشطة التجارية بين البلدين.   

التعاون العسكري والحرب على الإرهاب

ظلت تركيا أحد اهم شركاء الصومال الدوليين في السنوات الأخيرة؛ ودخلت هذه الشراكة مرحلة جديدة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين أرض الصومال وإثيوبيا؛ وتجلى ذلك في نشر تركيا، حسبما أُعلن في مطلع فبراير الجاري، لثلاث مقاتلات جوية متطورة من طراز إف- 16 أمريكية الصنع من قبل شركة لوكهيد مارتن ( Lockheed Martin F-16 Vipe) في مقديشو إلى جانب طائرات هليكوبتر، وهي المشاركة التركية الأولى المؤكدة لقوات برية في مواجهة جماعة “الشباب”؛ الأمر الذي يمثل أبرز محطات الوجود العسكري التركي في الصومال.

 ويشكل هذا التطور حسب مراقبين صوماليين “تحولًا حاسمًا من التزام أنقرة التام بالدورين التدريبي والاستشاري والدعم غير المباشر إلى مشاركة قتالية صريحة وحماية من قبل قوة جوية”.

وكانت الأسلحة التركية قد وصلت إلى مقديشو جوًا في 28 يناير الفائت.

ويرتبط هذا التطور في التعاون العسكري (ومواجهة الإرهاب في الصومال) بشكل مباشر بالتطورات الإقليمية الراهنة وتداعيات اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال “دولة مستقلة ذات سيادة”، أخذًا في الاعتبار تصدر تركيا (مع السعودية ومصر) جهود حشد المواقف العربية والإسلامية دعمًا لوحدة الصومال وعدم انفصال إقليم أرض الصومال ومواجهة موجة محتملة من الاعتراف بالأخير على غرار خطوة إسرائيل (ديسمبر 2025)، وإمكانية ربط هذه التطورات بتعهدات تركيا بحماية هذا الاستقلال على الأرض وضمان سيادة حكومة الصومال الفيدرالية على أراضي الدولة وأجوائها ومياهها الإقليمية.

ولاحظ تقرير هام لبلومبرج حول هذه التطورات (3 فبراير 2026)، أن خطوة تركيا، التي تملك ثاني أكبر أسطول لطائرات إف- 16 في تحالف الناتو وثالث أكبر أسطول من نوعه في العالم، تعد الرد العملي الأكثر فعالية على اعتراف إسرائيل بأرض الصومال؛ وأن الخطوة لا ترتبط فحسب بحماية الدولة الصومالية وتكثيف الضربات ضد جماعة الشباب، لكنها تستهدف حماية المصالح التركية في الصومال بشكل أساسي، ولا سيما حماية أحد أرصفة التنقيب عن البترول المتوقع إنشائه للكشف عن البترول في مياه الصومال الإقليمية وكذلك بناء “ميناء فضائي” spaceport، وهي مرافق تحتاج لتغطية عسكرية وأمنية مستدامة.  

وأعلنت تركيا بالفعل في الخامس من فبراير الجاري، أن تعزيز وجودها العسكري في الصومال يرتبط بالأساس بالحرب على الإرهاب مع مواجهة مقديشو موجة جديدة وعاتية منه، لا سيما أنشطة جماعة الشباب؛ وتبدو هذه السردية مثالية في الوقت الراهن، إذ تتسق مع سياسات الولايات المتحدة في الإقليم، وتوفر مبررًا سياسيًا مقبولًا على الصعد الثنائية والإقليمية والدولية.

كما أعلنت أنقرة، أن القيادة الجوية التركية في الصومال “ستواصل تحسين قدرة مقديشو على مكافحة الإرهاب عبر أنشطة المساعدات العسكرية والتدريبية والاستشارية.

تركيا ومصر في الصومال.. مصالح مشتركة

تراوحت العلاقات التركية المصرية في ساحة القرن الإفريقي بين التحالف الاستراتيجي والتنافس المتزايد، لا سيما أن القاهرة وأنقرة قد وجدتا نفسيهما على نفس الجانب بعد توقيع إثيوبيا وأرض الصومال مذكرة تفاهم استثنائية في يناير 2024، وهي المذكرة التي هددت صلب مصالح مصر وتركيا في الصومال وفي مجمل القرن الإفريقي على المدى البعيد.

ورغم هذا التقارب الملحوظ، والذي تراكم في أجندة القمة الأخيرة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة مطلع فبراير الجاري، فإن آفاق التعاون المصري التركي في القرن الإفريقي تظل محكومة بالتغيرات الإقليمية الجارية، مثل التصعيد السعودي- الإماراتي، ومدى قدرة إسرائيل على ترسيخ أقدامها في “أرض الصومال”، وفوق كل ذلك سلوك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه تفاعلات الإقليم الذي يمثل منطقة نفوذ شبه حصرية لواشنطن منذ ثمانينيات القرن الماضي تقريبًا.

المصالحة الأخيرة بين أنقرة والقاهرة، والتي تكتسب زخمًا يومًا بعد آخر، تتمتع بمصداقية كبيرة في ضوء الاتفاقات الهامة بين الجانبين، والتي تؤشر إلى فرص حقيقية للتعاون بينهما في منطقة القرن الإفريقي ومعالجة أوجه التوتر بها. وعلى وجه الخصوص فقد شهد العام الماضي (2025) حدثين هامين في مسار هذا التوافق، أولهما توقيع إعلان مشترك في فبراير على التعاون في عدة مجالات من بينها الدفاع والأمن.

أما الحدث الثاني، فقد شهدته القاهرة في أغسطس الفائت، حيث وقع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود اتفاقًا دفاعيًا مع مصر، أتبعته الأخيرة بإرسال أول شحنات من الأسلحة الصغيرة (الخفيفة والعربات المسلحة) وعدد من الضباط المصريين إلى الصومال؛ كما زادت مصر من حضورها السياسي والعسكري في الصومال على نحو افتتح سيناريو جديد للتعاون المشترك بين مصر وتركيا في الصومال في ضوء المصالح الاستراتيجية المشتركة التي تجمع الأطراف الثلاثة على نحو بالغ الوضوح.   

والتقى هذا التقارب التركي المصري بشكل تام في ملفات الصومال المختلفة مثل إعادة بناء الدولة، ودعم جهود مقديشو لمحاربة الإرهاب عسكريًا وأمنيًا، والموقف من “المطالب الانفصالية” في الصومال، وقبل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومالي بعامين تقريبًا، إذ تطابقت المواقف التركية والمصرية تجاه مذكرة التفاهم المذكورة (يناير 2024)، ورفض البلدان توجهات إثيوبيا في الصومال وتحديدًا في إقليم أرض الصومال المطالب بالانفصال.

واعتبرت أنقرة والقاهرة التقارب بين أبوظبي وأديس أبابا (ومن خلفهما هرجيسا عاصمة أرض الصومال) تهديدٌ مباشرٌ لسيادة الصومال واستقلاله ومجمل الترتيبات الأمنية المستقرة في جنوبي البحر الأحمر، كما أن التقارب التركي مع السعودية عزز بقوة دفع كبيرة، وفي “لحظة تاريخية نادرة” في واقع الأمر، التقارب التركي مع القاهرة في الصومال ووضع خطوطا مصرية واضحة في مواجهة سياسات الإمارات في القرن الإفريقي، والتي كانت مناقضة بشكل كامل لمصالح مصر الثابتة في الإقليم.

وأبرزت القمة المصرية- التركية الأخيرة بين الرئيسين السيسي وأردوغان (القاهرة 4 فبراير الفائت، والتي تلتها زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود للقاهرة 8 فبراير في دلالة بالغة من جهة التوقيت على الأقل) الاهتمام الثنائي الكبير بمسألة الصومال؛ إذ حضرت قضاياه في أجندة القمة، وأوضح بيانها الختامي الاهتمام بالقضايا الإفريقية الهامة لا سيما “في القرن الإفريقي وإقليم الساحل” والتأكيد “على أهمية الحفاظ على وحدة الصومال وسيادته، ورفض أية محاولات لتقسيمه”، مما يشير إلى جانب ملفات أخرى، أوردها البيان مثل ليبيا والسودان إلى وجود تنسيق تركي- مصري في ملفات الأزمات في إفريقيا، مع رجحان وجود تفهم تركي أكبر للرؤية المصرية لأكثر من اعتبار منها:

•أهمية مصر كدولة إفريقية بارزة، تملك رؤية أوضح للقضايا الأفريقية المختلفة وسبل التعاطي معها من زاوية إفريقية؛ الأمر الذي يفيد المقاربة التركية على كافة المستويات تقريبًا.

•دور مصر كقوة استقرار إقليمي متعددة الدوائر (البحر المتوسط، والشرق الأوسط، والبحر الأحمر والقرن الإفريقي وإقليم الساحل، وهي دوائر تنشط فيها تركيا معًا بشكل ملفت في السنوات الأخيرة).

•تشارك تركيا ومصر في علاقات استراتيجية وطيدة مع الولايات المتحدة ومع إدارة الرئيس دونالد ترامب بشكل أكثر تحديدًا.

•ما تمثله مصر من قوة وازنة في الصومال، وذات مقبولية شعبية كبيرة في قطاعات كبيرة من الشعب الصومالي، يمكن أن تعزز توازنات الوجود التركي في الصومال (كما في حالة إرسال مصر قوة ضخمة للصومال ستكون الأكبر عددًا في قوة الاتحاد الإفريقي بالصومال، وربما منذ تكوينها وبدء عملياتها قبل نحو عقدين كاملين).

استخلاص

تسعى تركيا لاقتفاء أثر “النموذج الصيني” في إفريقيا تنمويًا وعسكريًا وسياسيًا، يتبلور ذلك بشكل أكثر وضوحًا في حالة الصومال؛ ويعزز هذا السيناريو التقارب التركي- المصري الملحوظ في الصومال وقضاياها القائم على احترام سيادته والعمل على تنميته وحمايته من مشروعات الانفصال، وبغض النظر عن مضمون سياسات تركيا وغاياتها في الصومال على المدى البعيد، وحقيقة تحقيق مبدأ “الربح للجميع” وضوابطه، فإن تركيا تكتسب مقبولية متزايدة في الصومال، وتعزز منها جهود مصر في المسار نفسه، بأدوات وغايات متباينة نسبيًا.