تزايدت الهُوة بين الأجور بقوة على مدار السنوات القليلة الماضية، حتى بات متوسط الأجر الشهري في القطاع العام أعلى من القطاع الخاص بنحو مرتين ونصف، على غير المتوقع وفقًا للإحصائيات الرسمية.
بحسب آخر نشرة لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل، التي يُعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن متوسط الأجر النقدي الشهري للعاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال 14660 جنيهًا، مقابل 5796 جنيهًا للعاملين في القطاع الخاص.
يأتي انخفاض رواتب العاملين بالقطاع الخاص، رغم أنهم يقضون ساعات عمل أكثر عن العاملين بالقطاع الحكومي بنسبة 18.8%، إذ يبلغ متوسط عدد ساعات العمل الشهرية 187 ساعة للعاملين في القطاع العام/ الأعمال العام، و221 ساعة للعاملين في القطاع الخاص.
النساء والرجال
تظهر النشرة أيضًا، اختلالات على مستوى النوع، فالإناث في القطاع الحكومي حصلن لأول مرة على مرتبات أعلى من الذكور، إذ بلغ متوسط أجرهن 15206 جنيهات في القطاعين العام والأعمال العام، مقابل 14540 ألف جنيه لزملائهن الذكور، بزيادة 666 جنيًها للراتب الواحد.
في القطاع الخاص، تختلف النتيجة تمامًا، فالذكور يحصلون على متوسط 5998 جنيهًا، مقابل 4928 جنيهاً للإناث بزيادة ألف جنيه دفعة واحدة، ما يشير إلى أن رجال الأعمال يفضلون أكثر الذكور، لاعتبارات تتعلق بكثرة إجازات النساء الطويلة، خاصة “الولادة”، ما يلغي الأحاديث السابقة عن تفضيل الإناث؛ لأنهن أقل أجرًا.
على مستوى النوع أيضًا، يتضح أن متوسط الأجر الشهري للذكور أعلى في القطاع الحكومي عن القطاع الخاص بـ143% تقريًبا، وأن متوسط أجر الإناث أعلى في القطاع العام عن زملائهن بالقطاع الخاص بحوالي 208.5%.
التفاوت أكبر في الأنشطة الاقتصادية
على مستوى الأنشطة الاقتصادية الأعلى في متوسط الأجر الشهري، جاء نشاط الوساطة المالية والتأمين في المقدمة بمتوسط أجر شهري 19897 جنيهاً وبمتوسط 20090 جنيهًا للذكور مقابل 19307 جنيهاً للإناث.
أما نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وإمدادات تكييف الهواء، فجاء في المرتبة الثانية، فيبلغ متوسط الأجر الشهري 14994 جنيهًا، وبمتوسط أجر للذكور 15070 جنيهاً مقابل 14557 جنيهاً للإناث.
في المركز الثالث بين الوظائف الأعلى أجرًا، جاء نشاط المعلومات والاتصالات بمتوسط أجر شهري 12897 جنيهًا، ثم نشاط التعدين واستغلال المحاجر بأجر شهري 12091 جنيهاً، وفي المركز الخامس بين الأنشطة الأعلى أجراً، جاء نشاط التشييد والبناء بمتوسط 10773 جنيهاً.
تظهر تلك الأرقام اختلالات كبيرة أيضًا داخل قائمة الأعلى دخلاً، فالرواتب أعلى في الوساطة المالية عن التشييد والبناء بحوالي 85%.
ارتفاع كبير بالتوظيف في القطاع الخاص وتراجع بالحكومة
سجل إجمالي عدد العاملين في منشآت القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص 14.036 مليون عامل موزعًا بواقع 13.18 مليون عامل في منشآت القطاع الخاص، ونحو 855.51 ألف عامل في منشآت القطاعين العام والأعمال العام.
تؤكد تلك الأرقام، أن العاملين بالقطاع الخاص يمثلون 93.7% من إجمالي العمال في قطاعي الأعمال العام والخاص، (لا تتضمن أرقام العمال في الجهاز الإداري للدولة) مقابل 6.08% للعاملين بالقطاع الحكومي، في ظل سياسة الحكومة في الاعتماد على القطاع الخاص في التعيين وتوقف التوظيف الحكومي منذ سنوات.
المرأة تدخل مجالات غير متوقعة
بين قائمة القطاعات الأعلى دخلًا، يتضح أن خريطة التوظيف للنساء بمصر تتغير باستمرار، ففي نشاط التعدين، كانت متوسط أجر النساء 14842 جنيهًا مقابل 11952 جنيهًا للذكور، أي أن النساء رواتبهن أعلى بنحو 2890 جنيهًا، بنسبة تناهز 24.18%
الأمر ذاته، يتكرر في قطاع التشييد والبناء، إذ كانت الإناث أعلى دخلًا من الذكور بنحو 1234 جنيهًا، تعادل 11.3% ليبلغ متوسط أجر النساء 11857 جنيهًا، مقابل 10623 جنيهًا للذكور.
في نشاط المعلومات والاتصالات، كانت الإناث أعلى من الذكور أيضًا، إذ سجلت رواتبهن 14916 جنيًها مقابل 12301 جنيهًا للذكور، بزيادة 2615 جنيها تعادل 21.25%.
بالنسبة للمهن المتعلقة بإمدادات الكهرباء والغاز والبخار وإمدادات تكييف الهواء، كانت رواتب الذكور أعلى، باعتبارها مهن ذات مجهود بدني أكبر، لكن الفروق كانت طفيفة لا تتعدى 513 جنيهًا ليبلغ أجر الذكور 15070 جنيهًا والإناث 14557 جنيهًا.
الحد الأدنى.. لا يكفي ولا يطبق
طبقت مصر الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص للمرة الأولى في 2022؛ ليرتفع من 2400 جنيه حينها لــ2700 في يناير 2023 و3 آلاف جنيه في يوليو 2023 و3500 جنيه في يناير 2024 و6 آلاف في مايو 2024 و7 آلاف في 2025.
بالنسبة للقطاع الحكومي، تم تطبيق الحد الأدنى للمرة الأولى في 2014، وكان 1200 حينها، ارتفعت عام 2017 لـ 1400 جنيه، ثم 2000 جنيه في 2019، فــ2400 جنيه مارس 2021، فـ2700 جنيه، ثم 3000 جنيه في أكتوبر 2022 في 3500 جنيه في مارس 2023، و4000 جنيه بأغسطس 2023، وكانت أخر زيادة في يوليو 2025، حينما رفعته الحكومة لـ7 آلاف جنيه.
مصطلح الحد الأدنى للأجور، يمثل بأي بلد أقل مبلغ من المال، يُسمح قانونًا لأصحاب العمل دفعه لعمالهم مقابل وحدة عمل معينة، ويتم حساب الحد الأدنى للأجور عادة على أساس الساعة أو الشهر، ولكن قد يظهر أحيانًا بمعدل يومي أو أسبوعي.
النائب محمد عبد الله زين الدين، عضو مجلس النواب، طالب بإنشاء آلية رقابية صارمة لمتابعة التزام مؤسسات القطاع الخاص بالقانون وتوفير دعم حكومي للشركات الصغيرة والمتوسطة مقابل التزامها بتحسين أوضاع العمالة، مؤكدًا أن الحياة الكريمة ليست رفاهية، بل حقا أصيلا لكل عامل، وعلى الحكومة أن تتحرك فورًا لضمان أجور عادلة ومستقرة تصون كرامة المصريين وتحقق الاستقرار المجتمعي.
أمام ضعف الرواتب، دخل العديد من عمال الشركات في إضربات خلال الأسابيع الأخيرة آخرها عمال شركة جيد تكستايل إيجيبت لتصنيع الملابس بمدينة العاشر من رمضان؛ لتحسين أوضاع العمل وظروف العمال، وأنهوا الإضراب بعد لقاء مع مسئولي وزارة العمل.
في يناير أيضًا، نظم عمال مصنعي سكر إدفو وكوم أمبو بأسوان إضرابًا عن العمل، تم إنهاؤه بعد وعود تلقوها من مسئولين بالمحافظة بزيادة الرواتب في شهر أكتوبر المقبل مع وعود بدراسة بقية مطالبهم المالية خلال فترة بين شهرين إلى 3 أشهر.
لا يلتزم القطاع الخاص بالحد الأدنى للأجور في كثير من الأحوال، حتى أن عمال مجموعة فرج الله للصناعات الغذائية دخلوا في إضراب ببرج العرب بالإسكندرية في أغطس الماضي؛ احتجاجًا على عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور المقرر بـ7 آلاف جنيه، فضلاً عن تأخير صرف الرواتب الشهرية حتى يوم 20 من الشهر اللاحق.
وطالب النائب، برفع الحد الأدنى للأجور بشكل عادل، يواكب معدلات التضخم مع وضع حوافز إلزامية مرتبطة بالإنتاجية؛ لتحسين دخول العاملين، مضيفا أن المجلس القومي للأجور يجب أن ينعقد بشكل دوري كل 6 أشهر لمراجعة الحد الأدنى للأجور، بما يواكب المتغيرات الاقتصادية المتسارعة، ويحمي حقوق ملايين العاملين في القطاع الخاص الذين يواجهون ضغوطًا معيشية متزايدة.
تتحايل بعض الشركات على قرارات تطبيق الحد الأدنى بطرق مختلفة، فمنها من يرفع المرتب الأساسي ليصل إلى الحد الأدنى المطلوب، لكن في المقابل يتم خصم الحوافز والمكافآت التي كان يحصل عليها العامل، وبالتالي يبقى صافي الدخل كما هو دون أي زيادة فعلية.
وتساءل النائب: كيف يمكن للعامل أن يصمد أمام موجات الغلاء في ظل أجور هزيلة، لا تكفي احتياجات أسرته؟ ولماذا لا يتم إلزام أصحاب الأعمال بتطبيق الحد الأدنى للأجور كما نص عليه القانون؟ وما هي آليات الرقابة التي تضمن حقوق العاملين، بدلًا من تركهم فريسة لاستغلال بعض أرباب العمل.
كيف يتم الإصلاح؟
يرى خبراء، أن إصلاح سياسة الأجور في مصر يتطلب إعادة النظر بطريقة شاملة في البنية التحتية المتعلقة بالأجور في الاقتصاد المصري، فهناك نقص واضح في المعلومات الخاصة بالأجور وأسواق العمل، خاصة في القطاع الخاص، ومنظومة البيانات الخاصة بالأجور قاصرة، على أن تقدم لصاحب السياسة رؤية واضحة، أو إعطاء مؤشرات سريعة في أوقات الأزمات المفاجئة.
بحسب الدراسات، تعاني الأجور من الفجوة بين الأجر الاسمي والحقيقي، والاتجاه التصاعدي لقيمة الأجور ونسبتها بالموازنة العامة، ومحدودية الدور النقابي وهشاشة التنظيمات النقابية، كما أن هناك العديد من الاختلالات الأجرية في مصر، يأتي على رأسها، أن إجمالي قيمة الأجور المدفوعة في الاقتصاد المصري تشكِّل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمثِّل خللًا هيكليًّا في التوزيع الأوَّليِّ للدخل، يصب في مصلحة أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال والأصول (الأرباح والفوائد والريع) وفي غير صالح العمال.
وتقترح الدراسات ضرورة إعادة صياغة سياسة الأجور وربطها بالتغيرات في إنتاجية العمل، في ضوء مراعاة معدل البطالة وغيرها من المتغيرات الاقتصادية، التي تضبط العلاقة بين الأجور وإنتاجية العمل، على اعتبار أن إصلاح نظام الأجور والمرتبات، لا بد أن يجري في إطار منظومة أشمل لإصلاح الخدمة العامة، بالإضافة إلى أهمية التعديل التدريجي لهيكل الأجور والمرتبات، بحيث يعكس مستوًى معيشيًّا لائقًا للعاملين وحمايةً اجتماعيةً أعلى.






