منذ بدأت مصر مشوارها الديمقراطي مع ثورة 1919، ونحن كشعب لا نقبل بأقل من الفصل الكامل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وفي المقابل، فإن السلطة عبر أكثر من مائة عام، لا تمانع أن تمنح الشعب هذا الطموح، لكن فقط في نصوص الدساتير المستوردة من أوروبا، أما في الواقع العملي، فإن الضغط الثقيل لمواريث التاريخ الطويل يأبى ذلك، يأبى الفصل بين السلطات، يأبى التوازن بين السلطات، يأبى أن تتبادل السلطات الرقابة المتبادلة فيما بينها، ميراث طويل سواء من حكم الأكاسرة الفرس أو القياصرة من الإغريق والرومان أو الخلفاء من العرب أو السلاطين من كرد ومماليك وترك، حتى تأسست الدولة الحديثة على يد محمد علي باشا الذي لم يكن غير الخلاصة الأمينة لكل ذلك التراث الطويل، فقد جمع الباشا في شخصه كل ما تركه تراث الأكاسرة والقياصرة والخلفاء والسلاطين من بصمات على روح وطبائع السياسة المصرية، كان الباشا خلاصة الحكم الشرقي في الممارسة العملية رغم عبقريته في إدراك ما أنجزه الغرب من تطور في نظم الحكم، ترتب عليه تفوق ثم تقدم غربي هائل في كافة مجالات الحياة، بما يضمن له السبق على كافة الشعوب بما في ذلك شعوب الشرق الإسلامي التي كان يطمح الباشا إلى نهضتها، لقد وضع الباشا في قريب من نصف قرن من حكمه الطويل النموذج الأساسي والمهيمن الذي سار على نهجه كل من حكموا مصر بعده سواء من ذريته حتى منتصف القرن العشرين أو من جيشه منذ ثورة 23 يوليو 1952 حتى اليوم والغد، بغض النظر عن تفاوت ما بين حكام مصر خلال أكثر من قرنين من تفاوت في مستوى الذكاء أو استحقاق المنصب أو مؤهلات القيادة، فإنهم جميعاً- دون استثناء واحد- تتلبسهم روح المؤسس الأول، حيث الحاكم يجمع في شخصه كافة مواريث الأكاسرة، ثم القياصرة ثم الخلفاء ثم السلاطين، فهو قابض على كل زمام للسلطة وبيده كل لجام للشعب، يقوده حيث يشاء، ورغم ما تم استيراده من دساتير وقوانين ومؤسسات ومرافق وأساليب أوروبية، إلا أن جوهر الحكم ما زال كما هو مشدوداً إلى ضغوط ما ترك التاريخ من مواريث سياسية ثقيلة كثيفة الحضور شديدة الوطأة، تضرب بجذورها ليس فقط في أعماق مؤسسات الحكم والسياسة والإدارة، لكن تطبع بصماتها الواضحة على روح المجتمع وشعوره وضميره وتلافيف عقله الباطن.
كافة الأجيال التي كافحت في المائة عام الأخيرة منذ دستور 1923 حتى يومنا هذا، كان لديها اعتقاد على غير أساس أنه من الممكن إنجاز الفصل بين السلطات بمجرد الفوز بالنص عليه في طليعة مواد الدساتير، اعتقاد بأن التاريخ يتغير بين يوم وليلة، أو يتغير بنصوص من حبر على ورق بين غلافي الدستور، أو يتغير بمجرد وجود نخبة سياسية متعلمة تعليماً غربياً حديثاً، أو يتغير بمجرد إشاعة فكرة الفصل بين السلطات في مقررات كليات الحقوق أو مقالات في الصحف ومنابر الإعلام ومنتديات الأحزاب السياسية والصالونات الأدبية.
لم تتوقف النخبة كثيراً عند نقطة أن التاريخ لا يتحرك كما نتحرك، ولا يُبصر كما نبصر، ولا يستجيب لرغباتنا، بمجرد أن تخطر في بالنا أو تصير من أحلامنا، العكس صحيح: التاريخ له منطقه، منطقة الداخلي، غير المفروض عليه من خارجه، هو أثقل من أي خفة أو طيش أو تمنيات تراود أخيلة ومطامح نخب، قرأت وتعلمت بعض نظريات ومناهج الحكم في الديمقراطيات الغربية المعاصرة، فهذه الديمقراطيات ذاتها لم تنشأ بين يوم وليلة، لكن سارت مع التاريخ وسار معها التاريخ تفهمه ويفهمها وتغير فيه ويغير فيها، حتى تلاقت الإرادتان، والتقى الطريقان على مسارات تعددت وتنوعت، لكنها جميعا تحترم عدة قواعد: السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، الحاكم لا يملك كل شيء، الحاكم هو أول بين بشر متساوين، وليس سيداً على شعب من العبيد، تقييد سلطة الحاكم تنفع الحاكم ولا تضره ولا تقلل من شأنه، ولا تنال من هيبته، من حق الحاكم أن يستمتع بقدر وافر من السلطات يسمح له بفرض كلمة القانون وبسط سيادة القانون على الحكم وعلى الشعب معاً، وحفظ التراب الوطني واستقلال الإرادة وضمان السلم الأهلي، حق الحاكم في اختيار وزرائه ومساعديه سواء من أفراد أو أجهزة في مقابل حق الشعب في اختيار نواب عنه، يمثلونه في الرقابة على كافة أجهزة الحكم التنفيذية ومساءلتها ومحاسبتها، ثم حق الشعب في أمرين: الاحتماء بقضاء مستقل عن كافة المؤثرات، إلا ضمير القاضي وشعوره العميق بالعدالة ونزاهته المهنية في ممارسة القضاء بأعلى مستويات التجرد والشرف، ثم الاحتماء بمجموعة من الحقوق والحريات المدنية التي لا تقبل الجور عليها أو المساس بها وفي المقدمة منها: حريات التعبير والاعتقاد والتنظيم كما الحريات الشخصية اللصيقة به كفرد له الحق في الاعتبار والكرامة والاحترام.
هذه الرحلة من الحكم المطلق إلى الحكم المقيد، قطعتها أوروبا عبر ألف عام، لهذا هي مستقرة، مستقرة في ضمير السلطة، كما هي مستقرة في ضمير الشعب، فكرة الضيق بها أو الضجر منها أو التربص بها أو الانقلاب عليها، أصبحت غير واردة لا من نخب الحكام ولا من جماهير الشعب، لماذا؟ لأن مواريث التاريخ الثقيلة عدلت مسارها، وغيرت من طبائعها، فبالتدريج تلاشى تاريخ الحكم المطلق، تلاشى عبر قرون متعاقبة ومن خلال نضال متواصل، فلم يتغير بين يوم وليلة، ولم يتطور بين عشية وضحاها، لم يستعجل التاريخ نفسه، ولم يتعجله أحد، فقط دفعت الشعوب الأثمان المطلوبة، حتى يتحرك التاريخ وفق طموحها في الانتقال من الطغيان إلى الحرية ومن الحكم الفردي المطلق إلى حكم المؤسسات ومن تركيز السلطة في يد فرد أو عائلة أو مؤسسة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية؛ ليكون لكل مواطن صوت معترف به في اختيار من يحكمونه وفق ما يرتقي بحياة المواطنين اليومية، وليس بما يستجيب لنزوات وغرائز فئة قليلة من الحكام ومن حولهم.
السؤال: إذا كنا قد أخفقنا في المائة عام الأخيرة منذ دستور 1923 حتى الآن في فصل أو توازن حقيقي بين السلطات، فما هو السبيل لإنجاز ذلك في المائة عام الراهنة من 2025 حتى 2125؟ الجواب في مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.






