بعد عشر سنوات من رحيل الأستاذ “محمد حسنين هيكل” تستحق مقاربته لثورة “يناير” (2011) في ضوء التجربة الإيرانية الالتفات إليها مجددا باهتمام بالغ تستحقه.

في (٢) ديسمبر (٢٠١٤)، أعادت “الأهرام” بطلب منه نشر مقدمة كتاب “مدافع آيات الله” وفيها لمحات عن دراما الثورات.

كان أول ما طلبه من إعادة النشر لفت الانتباه العام، إلى أن ثورة (٢٥) يناير انطوت على مفاجأة كبرى بكل نظر للتجارب الحديثة في التغيير.

“الثورة الشعبية بالمعنى الحرفي لهذا التعبير قد فات زمانها، ذلك أن اختراع الدبابات والمدافع المنصوبة على أبراجها قد قلب موازين القوى بين الجماهير الثائرة وبين السلطة الحاكمة”.

كان ظنه- بناء على التجربة الثورية المصرية، وتجارب أخرى في العالم الثالث- “أن أي ثورة جديدة لم تعد تملك الآن إلا أحد خيارين:

– أن تجعل من القوات المسلحة– بدباباتها– طليعة لزحفها.

– أو أن تقوم بشكل ما بتحييد القوات المسلحة والالتفاف وراءها– أو أمامها– واصلة إلى أهدافها”.

وكان ظنه “أن الثورة السوفيتية هي آخر ثورة، استطاعت فيها الجماهير غير المسلحة، أن تواجه جيش السلطة، وأن تنتصر عليه، وحتى الجيش الذي واجهه الشيوعيون في روسيا القيصرية، كان جيشا مهزوما وضائعا، فقد تسعة أعشار سلاحه أمام الألمان، قبل أن يفقد العشر الباقي منه أمام الثوار”.

“كانت الثورة الإيرانية– على هذا النحو– شيئا يختلف عن كل ما رأيناه وعرفناه.. ثورة شعبية، ثورة جماهير عزلاء، تواجه جيشا في عنفوان قوته”.

كان سؤاله الذي طرحه على نفسه، كما طرحه عليه آخرون:

“هل الثورة ما زالت في طريقها، أو هل ضاع منها الطريق؟ هل هي ثورة أكلت أبناءها كما تفعل بعض الثورات، أو هي ثورة أكلها أبناؤها، كما قال بعضهم عن الثورة الإيرانية بالذات؟”.

“إن هناك أسئلة يصعب– بل يستحيل– الرد عليها بلا أو نعم.

– إن الثورة– الثورة عموما– قضية معقدة.

– إن الثورة أشبه ما تكون بعملية انفجار هائلة، تجيء، بعد أن يكون شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، قد تحملوا بأكثر، مما تحتمله طاقتهم اقتصاديا وسياسيا وفكريا، وهم في عملية الانفجار، يحطمون ليس قيودهم وسلاسلهم فقط، ولكن كل الحدود والسدود، ثم يحاولون وضع أساس مختلف لمجتمع جديد سيد وحر”.

في مصر حدث ذلك الانفجار وبدا أن القيود والسلاسل والحدود والسدود تقوضت، لكن لم يوضع أساس مختلف.

وكان سؤاله التالي، والتسلسل طبيعي ومنطقي:

“من الذي يضع الأساس الجديد؟ ومتى؟ وكيف؟”.

لم تكن الإجابة سهلة بأي حال، فـ”هذه أسئلة عويصة، ظلت على طوال التاريخ– برغم كل ما قيل ويقال عن قوانين الثورة– بغير جواب”.

“مهما قيل عن قوانين الثورة، وعن علمية الثورة– فإن الموضوع الأساسي لها– كما هو في التاريخ كله– هو موضوع الإنسان على القمم وعند السفوح وفوق القاع، الإنسان بكل مواريثه وبكل نزعاته، وبكل طموحاته، وبكل غرائزه. ثم إيقاع الزمن اللازم والضروري لإنضاج تجاربه وتمهيد الطرق الوعرة إلى مطالبه الحقة والعادلة”.

وقد كانت للثورة المصرية تراجيديتها الإنسانية وثغراتها الواسعة التي أفضت إلى اختطاف جوائزها مرتين كما أكدت، لكن التجربة التاريخية، تقول إن ذلك ليس نهاية المطاف، كما جزم هو.

“ربما استطعت القول، بأن الثورة تختصر المراحل، لكنه لا الثورة ولا أي شيء آخر في مقدوره، أن يلغي الزمان، وأن ينقل شعبا أو أمة من التخلف إلى التقدم، وأن يخلق الموارد البشرية والطبيعية من الهواء، وأن يحتكم للتنظيم والتخطيط والعلم والتكنولوجيا، وأن يعطي السيادة لقيم الحرية والعدل السياسي والاجتماعي ـ كل ذلك ـ في طرفة عين، أو في عدد من السنين هي بحساب التاريخ طرفة عين!”.

ثم سجل ـ وفق ما يعتقد فيه من رؤى لمعضلة الثورة والدولةـ استخلاصات جوهرية في التجربة الإيرانية.

فـ”الثورة لم تستطع مواجهة بعض التناقضات الطبيعية التي اعترضت طريقها بأسلوب مستنير. وكان التخوف من ذلك باديا منذ أول لحظة، وذلك بسبب الطبيعة الخاصة للعملية الثورية في إيران، ونوعية القيادة التاريخية التي تولت قيادتها”.

“ولعلي أزعم أنني ناقشت هذا مع آية الله الخميني في أول مرة، لقيته فيها في فرنسا بشهر ديسمبر ١٩٧٨، وقبل أن يتحقق انتصار الثورة على أعدائها، وينهار نظام الشاه، وقبل أن يعود هو إلى إيران بثلاثة أشهر كاملة”.

“- إذا استعملت تعبيرا عسكريا لتصوير الوضع الآن، فإنني أظن أنك بسلاح الدين تستطيع أن تقوم بدور المدفعية البعيدة المدى، وأن تهدم نظام الشاه فوق رؤوس أصحابه، لكن ذلك لا يحقق النصر.

تحقيق النصر في الثورة، كما في الحرب، يحقق بالمشاة الذين يحتلون المواقع، ويتولون تطهيرها ويتحملون مسئولية المحافظة عليها.

إنني أسمع دوي مدافعك، ولكني حتى الآن لا أرى أثرا لمشاتك، إن المشاة في الثورة هم الكوادر السياسية، وهم جماعات الفنيين والخبراء القادرون على تنفيذ مهام الثورة وبرامجها.

“ولم تكن لدى الخميني– كما أوردت في ذلك الوقت– إجابة مقنعة عن هذا السؤال، وعلى أية حال فقد كان هدير المدافع، وبروقها ورعودها، يغطي في ذلك الوقت كل الأسئلة والإجابات”.

شيء من ذلك جرى على نحو أفدح في مصر، فقد دوى هدير المدافع، وبدت المشاهد الأولى في “ميدان التحرير” ملهمة، دون أن تتبعها حركة منظمة ومقنعة للمشاة في بنية الدولة.

الأسوأ أن بقايا الأحزاب السياسية تهافتت على مصادر الضوء، دون أن يكون لديها ما تقدمه، أو تقوله غير إبداء الولاء المسبق.

وقد استقرت في ذاكرته، كما روى لي وقتها، قصة قديمة وموحية بعواقب مثل ذلك التهافت، فقد دعا رئيس أول حكومات ما بعد (٢٣) يوليو “علي باشا ماهر” ضباط القيادة إلى عشاء على باخرة نيلية ضم “باشوات” في حكومته.

فوجئ “جمال عبد الناصر”، بـ”الباشوات” يتسابقون على حمل أطباق الطعام، إلى حيث يجلس الضباط الشبان.

قال لـ”هيكل” الذي حضر العشاء: “هل هؤلاء باشوات أم سفرجية؟!”.

ولم يطل الوقت حتى حلت الأحزاب وألغيت الألقاب.

كأي ثورة أخرى، فإن التناقضات الإيرانية بدت مبكرا ظاهرة للعيان، لا تنتظر غير انتصارها لكي تفرض نفسها.

“ربما يجملها العنوان الذي اختاره لينين لأطروحته الشهيرة عن الثورة والدولة، ولم يكن مؤكدا لي، أن الخميني قد قرأ أطروحة لينين، وعلى فرض أنه كان قد قرأها فما أظن أنها كانت تفيده في كثير!”.

برغم ذلك كله جزم- وقت أن كتب مقدمة هذا الكتاب- “أن الوقت مبكر بعد لإصدار الأحكام. فكل ما واجهته الثورة الإيرانية حتى الآن، هو ما واجهته وتواجهه أي ثورة تستحق هذا الوصف. فكل ثورة تواجه في العادة سلسلة مراحل متعاقبة”.

“هي– أولا– تعيش مرحلة الاندفاع: الحماسة شلالات هادرة، والأحلام سحب طائرة.. والسماء هي الحدود، هذا إذا كانت هناك حدود. في هذه المرحلة، تكون الثورة شعارات ومبادئ لا يملك أحد أن يختلف معها، وهكذا تتجمع من حول الثورة قوى أوسع من قياداتها الحقيقية، ويكون لدى قيادات الثورة من سعة الصدر والتسامح والرغبة في طلب الإجماع وتحقيقه، ما يدعوها على الاستعانة بهؤلاء الذين جاءوا إليها من غير طريقها.

تجيء بعد ذلك– ثانيا– مرحلة الحقيقة، رؤيتها أو الارتطام بها، ويكون ذلك حين تظهر مصاعب التغيير وأحيانا مستحيلاته، وحين يجيء مأزق التناقض بين الثورة والدولة، في هذه الحالة، يكون أول الضحايا هم الأصدقاء الذين جاءوا إلى الثورة من خارج صفوفها، يقع الخلاف بينهم وبين قيادات الثورة الحقيقية، وتلقى عليهم مسئولية التعثر، ليس لأن القوى الثورية تبحث عن كبش فداء، ولكن لأن هذه القوى ما زالت تحت تأثير أحلامها، غير قادرة على تصور أنه ليس كل الأحلام قابلة للتحقيق، فضلا عن مشكلة الإيقاع الزمني اللازم للتحقيق، وهي مشكلة لا يكفي لحلها هدير الشلالات، أو ارتفاع السحب، أو اتساع السماء إلى غير ما حدود!

إن الثورات تواجه هذه المرحلة بواحدة من اثنتين:

ـ إما أن تنظر إلى الحقيقة في عينها وتبدأ في مواجهة مشاكل التغيير وقضاياه بتعبئة كاملة للموارد والناس والظروف.

ـ وإما أن تهرب من الحقيقة، تجري وهي تتصور أنها تطارد أحلامها وهي في الواقع تطردها، فإذا هي توسع في الداخل مواقع أعدائها، وإذا هي في الخارج تستعدي على نفسها خصومات أكبر وأعمق مما تسمح به ضرورات تعبئة الموارد والناس والظروف، خصومات كان ممكنا حلها، أو كان واجبا تأجيلها.

لكن القيادات الثورية تتصور– خطأ في الغالب– أن عداواتها الداخلية والخارجية تعطيها الفرصة لبناء قاعدة قوية، لكن مشكلة هذا النوع من القواعد أن رقعته تضيق مع كل يوم، خصوصا إذا التقت خصومات الخارج مع خصومات الداخل واشتدت الضغوط وساعدتها مصاعب التغيير.

إن الانزلاق إلى حالة الهرب من الحقيقة يقود الثورة إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التراجع، وربما مرحلة الهزيمة.

شهد التاريخ من قبل ثورات تراجعت، أو انهزمت قياداتها، ولكن مبادئها وأفكارها انتصرت وسادت. وعلى سبيل المثال فلقد هوت المقاصل على رؤوس كل قادة الثورة الفرنسية. وحتى روبسبير زعيم مرحلة الإرهاب الثوري في وجه الإرهاب المضاد للثورة فقد رأسه حين جاء الدور عليه – لكن مبادئ الثورة الفرنسية وأفكارها استطاعت أن تتجاوز عصر الإرهاب الثوري والإرهاب المضاد، وأن تتجاوز ظاهرة “بونابرت”، وأن تتجاوز ظاهرة عودة “البوربون” إلى عرش فرنسا– لتؤكد بعد هذه العصور جميعا سيادة الحرية والإخاء والمساواة وتفيض بها على أوروبا كلها والعالم بأسره– وليس فرنسا فقط!

لكن المأساة المروعة لدول العالم الثالث في العصر الحديث، أنها جميعا بنايات هشة في مواجهة رياح عاتية، وتراجع الثورة أو انهزامها يؤدي في الغالب إلى اندحار مبادئها وأفكارها أيضا، لأن الأقوياء الرافضين لهذه المبادئ والقيم، يشددون ضغوطهم ولا يرفعون أيديهم، إلا بعد أن يتأكدوا أن المثال الثوري قد أصبح أمثولة ثورية.. عادت بها الأمور بعد الثورة إلى أسوأ مما كانت قبلها”.

هكذا كتب بالحرف، كأنه يقرأ في كتاب مفتوح، ما حدث للثورة المصرية.

والسؤال الآن هو: أين تقف الثورة الإيرانية؟

“أكاد أقول، إنها تقف عند مفترق الطرق في المرحلة الثانية– مرحلة مواجهة الحقيقة”.

كانت هناك أكثر من رسالة إلى القارئ المصري، الذي انتابته إحباطات من اختطاف تضحياته.

الأولى، أن القيم الرئيسية للثورات تنتصر في النهاية ـ بشهادة التجربة الفرنسية.

والثانية، أن لكل ثورة قيادة تتوقف على طبيعتها الخيارات الأساسية والتناقضات الماثلة.

وقد كانت للثورة الإيرانية خيارات وتناقضات تعود بالأساس إلى قائدها “آية الله الخميني”، غير أن المشكلة في مصر أن ثورة “يناير” لم تكن لها قيادة، كما أن كل ما طالبت به أهدافا عامة، يسهل الادعاء بالانتماء إليها، دون أن تكون هناك مبادئ تُحدد وتُعرف وتصوغ على أساسها البناء المفترض الجديد.

والثالثة، أنه لم تكن في التجربة المصرية، رغم ما ألهمته من مشاعر وأحلام، مشاة يؤمنون بالخيارات الرئيسية لثورتها، ويضعون أساسا جديدا لبناء الدولة، بينما توافرت للتجربة الإيرانية، رغم كل تناقضاتها، رؤى وتصورات وحركة مشاة بنت الدولة، وقدرة على احتواء بعض تلك التناقضات، أيا كانت درجة التحفظ على طبيعتها.

والرابعة، أن تجارب الآخرين قد تفيد في الخطوط العريضة، غير أن لكل تجربة خصوصيتها، وقد كانت التجربة المصرية مليئة بالتناقضات والثغرات التي أفضت إلى انكسارها حتى تكون “أمثولة”، لكنها مؤقتة كما تؤكد خبرات التاريخ.