لم أتصور أن تصل الأمور ما بين المحامين وبين الهيئات القضائية إلى هذا المستوى، فمنذ قيام القضاء والمحاماة كانت العلاقة بينهما قائمة على التوقير والائتلاف، بل كانت تصل إلى مراحل التعاضد والمساندة، إلا أنه خلال الفترات الأخيرة، وعلى وجه التحديد السنوات العشر الأخيرة، بات هناك العديد من المشاحنات والمشاكل ما بين هذين الفصيلين، واللذان يمثلان بحسب الأقوال التقليدية جناحي العدالة، إلى أن وصل الأمر في عشية يوم الخامس والعشرين من يناير هذا العام، إلى ما حدث من مشاحنة بين أعضاء النيابة والمحامين في أروقة محكمة شمال القاهرة، إلى أن وصل الأمر إلى التحقيق في بناية النائب العام وحضور لفيف من المحامين، والذي استمر حتى صباح اليوم التالي.

وليس من المهم أن نذكر تفاصيل الواقعة برمتها، أو أن أمرها كله قد انتهى بالصلح بين الفصيلين، لكن الأهم، هو البحث عن اسباب أدت إلى وصول العلاقة إلى هذا المستوى، إذ ما بين الحين والآخر تظهر مشكلة جديدة ما بين الدوائر القضائية وبين أحد المحامين، وذلك أثناء علاقة عمل كلا الطرفين، وهو الأمر الذي يشكل خطورة فائقة على مضمون العلاقة بين فئتين تمثلان مضمون العدالة، إحداهما تمثل السلطة الحكومية ” وهي سلطة القضاء” والأخرى تمثل حقوق المواطنين في الدفاع، وهم “المحامون “، وإذ أن لهذه التطورات السلبية لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون نتيجتها في صالح مفهوم العدالة، وتطبيقه على أطراف النزاع. حتى بات أن يقال أنهم خصمان متشاحنان، على الرغم من كونهما نبعا من ذات المنهل، ويصلان سويا إلى ذات المصب، سواء من ناحية الموضوع، أو من ناحية نهاية المطاف الإنساني.

وإذ أن قوام العلاقة بين المحامي والقاضي هو الاحترام المتبادل، فيجب على المحامي إبداء الاحترام الواجب تجاه السلطة القضائية، والدفاع عن كرامة هذه السلطة وتعزيزها، وهذا يستلزم من المحامي احترام الذات أثناء أداء الواجب المهني، دون إنكار أو إنقاص للكياسة والاحترام الواجبين تجاه منصب القاضي وهذا هو الأساس لتوحيد العلاقات الشخصية والرسمية والودية بين القضاء والمحاماة، وعلى ذلك يجب على المحامين أن يمتنعوا على نحو صارم عن ممارسة أي تأثير شخصي على القاضي، وعن التدخل في إقامة العدل، على النحو الواجب، ويجب ألا تكون العلاقة بين القضاء والمحامين عرضة “لإساءة الدافع” ويجب ألا تظهر هذه العلاقة كدلالة على وجود محاباة خاصة لمحام معين، وعلى المحامين أن يتجنبوا كل ما من شأنه تأخير الفصل في النزاع، والسعي لإقرار مبدأ استقلال السلطة القضائية، والدفاع عنه، وضمان حقوق القضاة وحصانتهم واستقلالهم، كما أنه على القضاة أن يتعاملوا مع المحامين على أقل تقدير بما توجبه القوانين من أصول في التعامل المهني، الذي يجب أن يلفه الاحترام وتعلوه قيم العدالة الواجبة النفاذ، والتي لا تتحقق بشكل مُرضي إلا بنزع فتيل الأزمات المتكررة بين الطرفين بطريقة يكون هدفها الرئيسي أن تسير مركب العدالة التي تمثل حقوق المواطنين إلى بر الأمان بما يتفق وحقوق وواجبات كل فئة على الاخرى.

وإذ أن حق الدفاع يمثل أو يعبر عن الطريقة الاجتماعية لرد العدوان سواء كان ذلك عن طريق موقف مادي مباشر كما هو الحال بالنسبة لحق الدفاع الشرعي، أو موقف قولي جدلي كما هو الحال بالنسبة للدفاع في الخصومات، فحق الدفاع اذاً مبدأ مقدس وحق طبيعي للإنسان استمده تلبية لنداء الغريزة البشرية في صراعها من اجل البقاء ويجد أساسه في حق الدفاع المشروع عن النفس، كما يعد الحق في الدفاع أصلاً ثابتاً من أصول الحق في التقاضي ذاته، وسمة أساسية من سمات وجود القانون، تكون له غاية في تفعيل مبدأ المساواة بين الخصوم في المراكز الإجرائية، ولا يمكن تحقيق العدالة دون مراعاة الحق في الدفاع وتفعيل كافة أدواته، وهذا ما أكدته كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وأفردت له اتفاقيات بذاتها متعلقة بممارسة المحامين لمهام عملهم بشكل مستقل وكامل، كما أولت الاهتمام بدور المحامين وأماكنهم كذلك عناية فائقة.

كما ويعد الحق في الدفاع من أهم ركائز المحاكمات العادلة، إذ لا تتحقق فاعلية العدالة والغاية من المحاكمات إلا بضمان حماية الحق في الدفاع وكفالة حرية المُدافِع في القول والمرافعة وعدم جواز مؤاخذته عما يبديه أمام المحكمة أثناء مرافعته، أذ يمثل الحق في الدفاع ضمانة لحسن سير مرفق العدالة ويدعم الحق في التقاضي بشكل عام، ولكن إذا ما تم تكبيله بالعديد من القيود، أو عدم إتاحة الفرصة للمحامين في الترافع وحمايتهم من الناحية الواقعية من المؤاخذة بما يقولونه أثناء ممارستهم لواجبهم في الدفاع فإن ذلك يعد إرهاقا لحقوق الأفراد ذاتهم في الحصول على المحاكمات العادلة والمنصفة، وهي غاية المحاكمات ذاتها، إذ أن التقاضي ذاته دون حماية حقوق المحامين في أداء أعمالهم بحرية يكون مبتوراً وقاصراً عن تحقيق غايته، وهو الأمر الذي يخل بهيبة القضاء أمام المتقاضين، ولا يحقق الغاية من وجوده. وفي هذا المعنى قالت محكمة النقض المصرية في حكمها رقم 20238 لسنة 84 قضائية أن حق المتهم في الدفاع عن نفسه أصبح حقاً مقدساً يعلو على حقوق الهيئة الاجتماعية التي لا يضيرها تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها ويؤذي العدالة معاً إدانة برئ.

ومن زاوية النصوص فنجد أنه على المستوى الحقوقي، فقد أكدت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، والذي عُقد في هافانا بتاريخ 27 أغسطس سنة 1990 أن هناك ضمانات للمحامي أثناء تأدية عمله، أهمها أن تكفل الحكومات للمحامين القدرة على أداء جميع وظائفهم المهنية بدون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، وعدم تعريضهم للتهديد بتعريضهم، للملاحقة القانونية أو العقوبات الإدارية والاقتصادية وغيرها نتيجة قيامهم بعمل يتفق مع واجبات ومعايير وآداب المهنة المعترف بها، وأن يتمتع المحامون بالحصانة المدنية والجنائية بالنسبة للتصريحات التي يدلون بها بنية حسنة، سواء كان ذلك في مرافعاتهم المكتوبة أو الشفهية أو لدى مثولهم أمام المحاكم أو غيرها من السلطات التنفيذية أو الإدارية.

فلا يحق أن تصل العلاقة إلى هذا المستوى، حتى ولو كان أحد طرفي العلاقة يملك السلطة، فإن هذه السلطة إنما وضِعت من أجل تيسير المصالح لجميع المواطنين، والذين يمثلهم المحامون كوكلاء عنهم، إذ أن الأمر لا يمكن أن تحكمه علاقة سلطوية بطريقة فوقية أو تحكمية، بل يجب أن يكون تسيير مرفق العدالة على نحو من الألفة بين الطرفين، وإذ كانت هناك أسباب لتردي العلاقة بين الفصيلين، فيجب أن يتم احتوائها بشكل سريع دعما لقيمة العدالة وإرساء للمفهوم الدستوري لسيادة القانون، والمساواة.