يوم بعد آخر تتأكد الخديعة الكبرى في اتفاقية “أوسلو”.

لا كان هناك سلام، ولا أدنى التزام بأي بنود نصت عليها.

صممت الاتفاقية على نحو يسمح بالتوسع الاستيطاني وضم مساحات واسعة مرحلة بعد أخرى، حتى وصلنا إلى قرب ضم الضفة الغربية كاملة وفرض السيادة الإسرائيلية عليها والتقويض النهائي للسلطة الفلسطينية، التي أُنشِئت بمقتضاها.

بتعبير الوزير الإسرائيلي المتطرف “بتسلئيل سموتريتش”: “لا حل آخر غير تهجير الفلسطينيين“.

لم يعد ممكنا الآن أي حديث عن “الدولة الفلسطينية”، أو حل الدولتين ولا أي حديث آخر عن السلام، إلا أن يكون “سلام بلا أرض” بتعبير الدكتور “إدوارد سعيد” مبكرا، كأنها نبوءة.

دون تنبه جاد وحقيقي لمواطن الخطر المحدق صادق أخيرا “الكابينت” الإسرائيلي على قرار، يعتبر مساحات واسعة من الضفة الغربية “أراضي دولة” لأول مرة منذ احتلالها عام (1967) الوضع القانوني والسكاني معا، ورفع أية قيود عن بيع الأراضي للجماعات الاستيطانية.

المعنى: تقنين عمليات الهدم لأحياء كاملة شاملة هذه المرة المنطقتين (أ) و(ب) الخاضعتين للسلطة الفلسطينية تماما في الأولى وجزئيا في الثانية، وفق نصوص “أوسلو”.

هكذا بدت عملية تجزئة التسوية على مراحل مقصودة بذاتها للوصول إلى هذه النقطة مع الوضع في الاعتبار، أن المنطقة (ج) الخاضعة بالكامل لسلطة الاحتلال، وفق نفس الاتفاقية تمثل (60%) من أراضي الضفة الغربية.

لم تكن مصادفة، أن يمينيين إسرائيليين متطرفين يثنون الآن بأثر رجعي على رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “إسحاق رابين”، الذي حصل على جائزة “نوبل” للسلام، على هذا التصميم المحكم، لضم الضفة الغربية في نهاية المطاف.

أي رهان على دور للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لوقف فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، يمنع عمليات النزوج والتهجير القسري، هو وهم كامل.

يقول أحيانا، أنه ضد ضم الصفة الغربية، فيما هو ماض دوما في دعم الاستيطان والتهويد، لا يكف طوال الوقت عن طلب نزع أسلحة المقاومة في فلسطين المحتلة ولبنان واليمن، وأخيرا المشروع الصاروخي الإيراني، حتى تخلو المنطقة من أي سلاح باستثناء السلاح الإسرائيلي، حتى يمكنها الهيمنة الكاملة على مصاير المنطقة.

لم تكن مصادفة تنحية السلطة الفلسطينية، التي أُنشِئت بمقتضى “أوسلو” منتصف تسعينيات القرن الماضي، عن أية أدوار، أو ترتيبات في خطة “ترامب” للسلام في غزة، كخطوة تمهيدية لحلها نهائيا، بعد أن فقدت شعبيتها واحترامها في عين شعبها.

في أواخر يوليو (2010) قرب نهاية عصر الرئيس المصري “حسني مبارك”، تجلت مأساة السلطة الفلسطينية وحيرة رئيسها “محمود عباس”، عراب “أوسلو”، بصورة منذرة، بما سوف يحدث مستقبلا من تراجعات وانهيارات.

في ذلك الوقت، أخذ الرئيس الفلسطيني يتحدث بإسهاب أمام رؤساء تحرير الصحف المصرية عن المأزق الحرج، الذي يجد نفسه فيه، فهو مطالب بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، دون أن يكون مقتنعا بتوافر أية شروط موضوعية لنجاحها.

لا شيء من ذلك الآن.

لا مناورة ولا مراوغة.

لم يكن يعرف وقتها ما قد يحدث في صباح اليوم التالي، ومصير قضية شعبه متروك لأطراف أخرى دولية وإقليمية، تحدد القرار الأخير في العودة إلى المفاوضات المباشرة.

قال مؤكدا: “لن أذهب إلى المفاوضات”.. لكن أحد من محاوريه لم يعتبر ذلك خبرا، أو أنه لن يذهب فعلا.

ثم قال جازما: “لا توجد أية نتائج للمفاوضات غير المباشرة”.

كان استنتاجه صحيحا بقدر اطلاعه على حقائق أدوار الوسيط الأمريكي في ملفي الحدود والمستوطنات، وهما موضوعا المفاوضات غير المباشرة.

تبدت حيرته، في أنه كان مطلوبا منه أن يقفز إلى المفاوضات المباشرة، بلا أرضية يقف عليها، أو ضمانات تحفظ ماء وجهه أمام معارضيه الفلسطينيين.

لم تكن الحقائق خافية عليه فـ”بنيامين نتنياهو” لم يجب إطلاقا على سؤال الحدود مع الوسيط الأمريكي– على ما أكد بنفسه.

هو رجل عملي، يدرك أن غياب معطيات توفر للمفاوضات جديتها، يحيل الموضوع كله إلى نوع من العبث واستنفاد الوقت.. لكنه– مع تلك الاستخلاصات– ترك الباب مفتوحا لاتصالات وتطمينات، قد تأتيه في اللحظة الأخيرة قبل الاجتماع الوزاري العربي المنتظر من إدارة “باراك أوباما”، أو من الرئيس “مبارك”، أو من العاهل السعودي “عبد الله”، أو أن يرفع “نتنياهو” الهاتف، ويتصل به مطمئنا على جدية المفاوضات! عندها “سوف أوافق فورا”.

كان يدرك جيدا، أن القرار عند أطراف أخرى، والباقي تفاصيل وإخراج أمام الكاميرات.

كان ذلك تعبيرا مأساويا عن المستوى الذي وصلت إليه السلطة الفلسطينية، فالرئيس الفلسطيني حججه تسعفه عند الكلام عن أسبابه لعدم دخول المفاوضات، فقد توقف كل شيء بعودة “نتنياهو” لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، شطبت النتائج التي توصل إليها في مفاوضاته المباشرة مع رئيس الوزراء الأسبق “إيهود أولمرت”، فمع الأخير كان هناك “حكي بالوثائق والخرائط والتفاصيل في مسائل الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين”، لكن ذلك كله “توقف الآن”.

كشف أنه– مع “أولمرت”– جرى التباحث في مسألة نسب تعديلات الحدود: “كان “أولمرت” يطالب بتعديل نسبته 6.5% بالقيمة، والمثل في حدود 1967، بينما طالبت بنسبة 1.9%، فأنا ضد تعديل الحدود بشكل كبير”.

كان “عباس، مقتنعا، أنه قد توصل إلى شيء صلب مع أولمرت قبل إطاحته من الحكومة الإسرائيلية، والآن عليه أن يبدأ من جديد.

لم يخامر أحد من مستمعيه أدنى شك، في أنه سوف يذهب للمفاوضات المباشرة.

باليوم التالي، أضفت لجنة المتابعة في المجلس الوزاري العربي على مثل هذا الذهاب نوعا من الغطاء السياسي، مع ترك تحديد التوقيت المناسب لـ”عباس”، وهو يعرف، وهم يعرفون، أن القرار أمريكي بأهدافه وتوقيته معا!

بدا “محمود عباس” حائرا ومأزوما في حواره المطول بقصر الأندلس، وهو قصر رئاسي صغير، يقع على طريق العروبة، يخصص تقليديا لإقامة الرئاسة الفلسطينية منذ أيام الرئيس الراحل “ياسر عرفات”.

حاول “عباس” في كلام قصر الأندلس، أن يضفي قدرا من المنطق على سياق لا منطق فيه، أو أن يؤكد أن تصرفاته لا حماقة فيها، لا تتصادم مع القانون الدولي والاتفاقات الموقعة، وأنها تحظى بإعجاب إدارة “أوباما” الذي اتصل به مهنئا، بعد حوار أجراه مع التلفزيون الإسرائيلي(!)

كان مشغولا في مداخلاته، أن يؤكد أمرين متعارضين، الأول– أنه يملك قراره، وأنه في مرات سابقة رفض طلبات أمريكية في أوقات حرجة، فقد اتصل به نائب الرئيس الأمريكي السابق “ديك تشيني” ليدعوه إلى الامتناع عن المشاركة في قمة الدوحة العربية، لكنه رفض هذا الطلب، فالقمة تناقش القضية الفلسطينية، وهي قضيته، ولا يمكن أن يغيب عنها.

كما رفض طلبا أمريكيا آخر، قدمته عبر قيادة إقليمية رفض الإفصاح عن اسمها، يدعوه إلى عدم التوقيع على ورقة المصالحة المصرية.

“يقولون إنني أمريكي.. لكنني غير واقع تحت الضغوط” رغم أن الولايات المتحدة تساهم في دعم السلطة الفلسطينية بـ(450) مليون دولار سنويا!.. والثاني– يعترف فيه بالضغوط المتصاعدة عليه، وأن الأمر الآن أكثر تعقيدا وصعوبة من أي وقت مضي.. وأنه سوف يقبل بالمفاوضات المباشرة لدى أول اتصال أمريكي!

كان مستعدا، أن يذهب لـ”الإيباك” بنفسه، وأن يتجاهل نصيحة، تلقاها من أطراف في الإدارة الأمريكية بعدم الإقدام على هذه المخاطرة، فقد يجري اصطياد تصريحات، يطلقها وتتعقد الأمور أكثر مما هي معقدة.

في حوار “قصر الأندلس” أسهب “عباس” في رواية تفاصيل الحوار مع “إيباك”، وكيف حاولوا إحراجه، لكنه أفلت من الإحراجات في مسائل القدس والدولة اليهودية والأمن.

“قلت لهم القدس الشرقية لنا، والغربية لكم”.. “ليست من مهامي إطلاق الأوصاف على دولتكم، يمكنكم أن تطلقوا عليها الإمبراطورية العبرية الصهيونية العظمى”.. “ولا مانع عند إعلان الدولة الفلسطينية، أن يكون هناك طرف ثالث يضمن الأمن، مثل “الناتو”، أو أن يقود الجنود الدوليين على أراضي الدولة الفلسطينية يهودي أمريكي، ولكني لن أقبل بإسرائيلي مسلم على أرضي”.

كان “عباس” يستشعر– وهو يروي قصته مع “الإيباك”– أنه أثبت كفاءة في إدارة الحوار، تجنب مزالقه وكمائنه، ووضع حكومة “نتنياهو” في مشكلة مع اللوبي اليهودي في أمريكا، الذي خاطب “أوباما” بعد اللقاء: “لقد وجدنا أخيرا شريكا في السلام!”.

كانت تلك استنتاجات تدعو لتأمل من نوع آخر، فالقرار الفلسطيني فقد استقلاله النسبي، وأصبح مرهونا لقرارات الآخرين، أوراقه تآكلت بمضي الوقت، والانقسام الداخلي يشجع على مزيد من التنكيل والتصفية في القضية التي كانت توصف لعقود، بأنها قضية العرب المركزية.

كان مستلفتا للانتباه، أن “عباس” مانع في الذهاب إلى غزة، بينما يشعر بالفخر؛ لأنه ذهب إلى “الإيباك”.

وجِه له سؤال محرج في قصر الأندلس: “الذي يذهب إلى الإيباك.. لا يحق له عدم الذهاب إلى غزة أيا كانت حججه.. لماذا لا تذهب إليها الآن؟”.

استفاض في الشرح والرواية، قال إنه مستعد للذهاب إلى غزة، لكن “حماس” أبلغت “عزام الأحمد” رئيس الكتلة البرلمانية لـ”فتح” في المجلس التشريعي، الذي كان حاضرا حوار قصر الأندلس: “لا تأتوا الآن”.

في التفاتة مهمة إلى ورقة المصالحة، التي اقترحتها مصر في ذلك الوقت قال: “عندما توقع حماس عليها، فسوف نذهب فورا لانتخابات تشريعية ورئاسية، لن أترشح فيها.. ولن استمر في السلطة، قولوا إن لم التزم بهذا الوعد عباس كذاب”.. ثم أردف: “وقت اللزوم أنا بخلع”.. وقال مداعبا، أو ربما تكون تلك أمنية قديمة عنده: “وسوف أعمل صحفيا مثلكم”.

كان السؤال الأخير في حوار قصة الأندلس عن تصوراته للمشهد الفلسطيني المقبل في ظل المعطيات التي أسهب فيها، وعن تقديراته السياسية لما يتوجب عمله عند الأبواب المغلقة.. قال على الفور مدركا فداحة الموقف الذي يقف فيه: “ما رأيك أنت؟”.. قلت: “حل السلطة الفلسطينية التي تترأسها”.. قال على الفور: “موافق.. لكن ليس الآن!”.

العبارة بذاتها وفي توقيتها لها دلالتها ومغزاها، فالرجل الذي يوصف بأنه “عراب أوسلو” يدرك أنها قد انتهت، إن لم يكن الآن، ففي وقت لاحق، سوف يعلن نهايتها رسميا.. والكلام يدخل في النهايات وينذر بها.

استهلكت السلطة الفلسطينية أية أوهام ورهانات على التفاوض، دون أن تعلن أية قطيعة مع “أوسلو”، ظلت في مكانها، كأنها في بيت أشباح، حتى تولت إسرائيل مهمة إطلاق الرصاصة الأخيرة عليها.