بعد أشهر من الغياب عن المشهد، عاد محمد حمدان دقلو “حميدتي“، قائد قوات الدعم السريع، إلى الواجهة عبر زيارة إلى أوغندا، التقى خلالها الرئيس يوري موسيفيني في القصر الرئاسي بمدينة عنتيبي جنوب غرب كمبالا.
وجاءت زيارة الجمعة 20 فبراير، في لحظة تتقاطع فيها مساعي قوى إقليمية ودولية لإقرار هدنة إنسانية، مع تحركات لإحياء مسار تفاوضي محتمل بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.
لم يظهر حميدتي هذه المرة بصفته قائداً عسكرياً فحسب، بل كرئيس لجبهة سياسية ناشئة؛ إذ رافقه عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقيادات من المجلس الرئاسي، الهيكل السياسي الذى يجمع حميدتي مع حلفائه من حركات سياسية وأخرى مسلحة.
ويعكس هذا الحضور، محاولة لإعادة تعريف موقع حميدتي من قائد قوة مسلحة إلى فاعل سياسي، يسعى إلى انتزاع قدر من الشرعية والاعتراف الإقليمي، وتكريس نفسه ممثلاً لمشروع سلطة موازٍ، ينافس البرهان على النفوذ والاعتراف الرسمي، ويؤسس لشبكة علاقات مع قوى إقليمية ودول الجوار.
استقبال رسمي ورسالة اعتراف سياسي
أعلن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، عبر حسابه على منصة “إكس”، استقباله “حميدتي” في القصر الرئاسي، مؤكداً أن “الحوار والحل السياسي السلمي هما المسار الوحيد المستدام لتحقيق الاستقرار في السودان والمنطقة”، صدور التصريح بالتزامن مع اللقاء، يمنحها الزيارة بعداً إقليميا وسياسيا.
وتعززت هذه الدلالة بطبيعة الاستقبال نفسه؛ إذ جرى اللقاء في القصر الرئاسي، وليس في مقر خاص، كما حدث في زيارة سابقة، إضافة إلى استقبال مدير جهاز المخابرات الخارجية الأوغندية له في المطار الرئاسي.
ويشير ذلك إلى أن كمبالا تعاملت مع حميدتي بصفته فاعلاً سياسياً، يقود جبهة منظمة، وليس مجرد قائد قوة متمردة، بما يمنحه غطاءً بروتوكولياً، يقترب من مستوى الاعتراف السياسي، ويضعف في المقابل سردية الجيش التي تقوم على عزله واعتباره متمردا.
لم يكن حميدتي منفرداً، بل رافقه وفد ضم عبد العزيز الحلو، وقيادات “تحالف السودان التأسيسي”، بينهم رئيس الوزراء المعلن محمد حسن التعايشي، ووزراء مثل الهادي إدريس والطاهر حجر ومبروك مبارك سليم.
ويعكس هذا التمثيل محاولة تقديم التحالف كهيكل سلطة بديل، يشكل نواة مشروع “الدولة الموازية” التي تسعى قوات الدعم السريع لترسيخها في مناطق سيطرتها، خاصة في دارفور.
وتعززت هذه الرسائل في خطاب حميدتي أمام الجالية السودانية في أوغندا، حيث سعى إلى تقديم نفسه كقائد مشروع سياسي لا عسكري فقط، مؤكداً أن هدفه ليس حكم السودان بل “هزيمة الإسلاميين”، ومعلناً توسع قواته إلى نحو 500 ألف مقاتل، ويهدف هذا الخطاب إلى الجمع بين إظهار القوة العسكرية وتأكيد الطابع السياسي لمشروعه، في محاولة لترسيخ معادلة، مفادها أن الحسم العسكري غير ممكن دون الاعتراف به طرفاً سياسياً.
وفي السياق نفسه، اتبع خطاباً يستهدف نزع الشرعية عن الجيش، متهماً ما وصفها بـ”الفلول والإخوان” بإشعال الحرب، وساعياً إلى تقديم نفسه كشريك محتمل في إعادة تأسيس الدولة والجيش.
كما وجه دقلو اتهامات للأجهزة الأمنية السودانية بالسماح بدخول مقاتلين أجانب، من حركة الشباب في الصومال، في مسعى واضح للتأثير على التصورات الإقليمية والدولية، وفي ذات الوقت نفى تلقيه دعماً خارجياً أو الاستعانة بمرتزقة، مقدما نفسه كفاعل وطني ساعي للتغيير.
التوقيت: مساعي الهدنة
جاء لقاء موسيفيني مع حميدتي بعد نحو أسبوع فقط من استقباله مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، في ترتيب زمني يعكس حرص كمبالا على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين، ولعب دور “الوسيط الموازن” الذي يحتفظ بعلاقات متوازية مع السلطة القائمة وخصومها.
هذا يمنح أوغندا هامشاً للتحرك كوسيط محتمل، ويمنح حميدتي في الوقت ذاته اعترافاً سياسياً غير مباشر دون إعلان موقف رسمي من شرعيته.
كما تزامنت الزيارة مع تصاعد الضغوط الدولية؛ إذ جدد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية الدعوة إلى هدنة إنسانية فورية دون شروط.
وفى سياق متصل، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قادة ميدانيين من قوات الدعم السريع على خلفية انتهاكات في الفاشر، ويعكس هذا التزامن اتجاهين من الحركة، الانفتاح البروتوكولي الإقليمي، والتشدد القانوني الدولي، حيث تسعى بعض الأطراف الإقليمية إلى إبقاء قنوات سياسية مفتوحة، في مقابل استمرار أدوات الضغط والعزل الدولية.
في المقابل، صعّد الجيش السوداني موقفه التفاوضي؛ إذ أكد عبد الفتاح البرهان، يوم الخميس ، تمسكه بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن وتجميعها في مواقع محددة كشرط لأي هدنة، رافضاً وقف إطلاق النار دون تغيير ميداني يكرس تفوق الجيش، وتراجع الميليشيا.
ويعكس هذا الموقف استمرار رهان القيادة العسكرية على الحسم أو فرض شروط تفاوضية من موقع القوة.
وجاءت هذه التطورات بالتوازي مع تصاعد الضغوط القانونية الدولية، عقب تقرير أممي صدر في فبراير الجاري، خلص إلى أن أحداث الفاشر في أكتوبر الماضي تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، وذلك لتحقق ثلاثة من المعايير القانونية الأساسية، ما يرفع مستوى المخاطر القانونية والسياسية التي تواجه قوات الدعم السريع وقيادتها.
ضمن هذا السياق، تبدو زيارة حميدتي جزءاً من محاولة لإعادة التموضع السياسي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات.
أولا: ضغوط دولية متزايدة لوقف الحرب، وثانيا: تصلب وتشدد موقف الجيش، وأخيرا تحرك من الدعم السريع لكسر العزلة وبناء اعتراف سياسي إقليمي.
كما تعكس الزيارة دور أوغندا كفاعل، يسعى لإحياء مسار تفاوضي، مستفيدة من علاقاتها المتشعبة في شرق إفريقيا ودول الجوار السوداني.
ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية في ظل موقف الاتحاد الإفريقي، الذي دعا مجلس السلم والأمن التابع له، في 13 فبراير الجاري، الدول الأعضاء إلى عدم الاعتراف بأي كيانات موازية في السودان.
ومع ذلك، يبدو أن أوغندا تتحرك من زاوية الوساطة والحفاظ على قنوات الاتصال، في محاولة للجمع بين الالتزام بالموقف الإفريقي الرسمي، والحفاظ على دور عملي في أي تسوية سياسية محتملة.
رسائل حميدتي
في منشور على منصة “إكس”، أوضح حميدتي، أنه بحث مع موسيفيني تطورات الأوضاع في السودان، وطرح “رؤيته لوقف الحرب والتفاوض وبناء الدولة على أسس جديدة عادلة”، مشيراً إلى أن الرئيس الأوغندي أبدى استعداده لدعم جهود السلام وتوظيف علاقاته الإقليمية في هذا الاتجاه.
هذا خطاب يعكس رغبة في الظهور كطرف منفتح على التسوية السياسية، غير أن حديثه أمام الجالية السودانية في أوغندا، حمل نبرة أكثر حدة وتعبئة؛ إذ قال وفي مبالغة مكشوفة، أن قواته تضم أكثر من 500 ألف مقاتل “بكامل الجاهزية”.
وهاجم قيادات متحالفة مع الجيش، متهماً “الإخوان” بالسيطرة على الدولة وإشعال الحرب، وأقر من باب نفي التدخل الكبير، بأنه استقدم خبراء مسيّرات من كولومبيا، لكن عددا محدودا 10 أفراد.
بالتزامن مع إظهار القوة، ادعي أن الجيش هو من طلب وساطة موسيفيني، في خطاب تعبوي أمام جمهور مؤيد.
وتمثل رسائل حميدتي هنا: استعداد للتفاوض سياسياً، مع تأكيد الجاهزية العسكرية والتمسك بخطاب المواجهة، إنها محاولة للجمع بين عرض الشراكة في الحكم، والتفاوض من موقع قوة، وإظهار التماسك الداخلي لقواته وحلفه في آن واحد.
يزداد الأمر وضوحا، مع تصريحات بأن حميدتي مستعد للقاء البرهان في أي مكان، جيبوتي أو عنتيبي.
هذه هي المرة الثانية التي يرتبط فيها اسم أوغندا بمسار تفاوضي، ففي يناير 2024 شارك حميدتي في قمة منظمة إيجاد في كمبالا، وأثارت دعوته آنذاك احتجاج الحكومة السودانية.
إن إعادة تفعيل المسار الأوغندي الآن تعني أن كمبالا ما تزال مرشحة لاستضافة أي لقاء مباشر بين الطرفين، كما كانت في أوقات سابقة حاضرة في صراعات السودان.
ضغط العقوبات مع انفتاح دبلوماسي
قبل الزيارة بيوم، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على ثلاثة من قادة قوات الدعم السريع لدورهم في العمليات التي أدت إلى السيطرة على الفاشر، واتهمت القوات بارتكاب جرائم قتل على أساس عرقي وتجويع وعنف جنسي، هذا التطور يضع زيارة كمبالا في سياق محاولة كسر العزلة الدولية.
وفي 13 فبراير، دعا مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي الدول الأعضاء إلى عدم التعامل مع الدعم السريع ورفض إقامة كيانات موازية، مع التأكيد على مركزية قيادة الاتحاد لعملية السلام، والترحيب بعودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم، التي أُعلن عنها رسمياً في 11 يناير، وبالتالي، يتحرك حميدتي إقليمياً، في وقت يتشدد فيه الموقف الإفريقي الرسمي ضد أي شرعية موازية.
وأخيرا تبرز دلالات الزيارة من الناحية السياسية، محاولة لإعادة تعريف موقع الدعم السريع وحلفائها، من قوة عسكرية متهمة بانتهاكات إلى كيان سياسي يسعى للاعتراف والتفاوض.
واصطحاب حميدتي وفداً يضم قيادة “تحالف السودان التأسيسي” ومسئولين في الحكومة المعلنة، يعكس تحركاً منظماً لتقديم نفسه كممثل لمشروع سياسي، في إطار مسعى لكسر العزلة وبناء شرعية إقليمية، خاصة مع دول الجوار.
في المقابل، تعزز الزيارة موقع أوغندا كوسيط في الأزمة السودانية، مستفيدة من استقبالها طرفي الصراع خلال فترة قصيرة، ما يمنحها موقع القادر على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ويعكس سعيها للعب دور في فتح مسار تفاوضي مستندة لوضعها في شرق إفريقيا.
كما يسعى حميدتي من خلال هذا التحرك إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل أي لقاء محتمل مع البرهان، عبر إظهار قدرته على التحرك دبلوماسياً، والحصول على استقبال رسمي، وتقديم نفسه كفاعل سياسي له امتداد إقليمي.
ويبعث ظهوره في القصر الرئاسي الأوغندي، بعد أشهر من القتال في دارفور، رسالة مزدوجة: أنه لا يزال قادراً على الحركة والتواصل الخارجي، والسفر الى دول الجوار، رغم الضغوط العسكرية، وأنه يمتلك قنوات اتصال إقليمية، يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير سياسي.






