وضعت ثورة الاتصالات أفكار الجماعات السياسية الإسلامية وأساليب عملها في مساءلة، تدنو في بعض جوانبها، من أن تكون تحديات غاية في التعقيد والتأثير، سواء أدرك قادة هذه الجماعات ومنتجو خطابها الأيديولوجي هذا أم لم يدركوا، اعترفوا بهذا أم أنكروا، عملوا على تغييره أو ضربوا عنه صفحا من الغفلة والنسيان.
نعم سارعت هذه الجماعات على اختلاف تنظيماتها وتنوعها إلى ملء حيز، لا يُستهان به من الشبكة العنكبوتية بأفكارها وتصوراتها، وأتاحت أدبيات قادتها، وترجمت بعض موادها إلى اللغات الأجنبية الأوسع انتشارًا، ووظفت مواقع التواصل الاجتماعي في الاتصال بين أعضائها، وجذب آخرين إليها، لتجنيدهم إلى مختلف دوائرها، أو إيقاعهم في فلكها، ونظمت حملات قوية للدفاع عن نفسها، والرد على خصومها، وخصصت أعضاء ناشطين منها ضمن ما يُطلق عليه “الذباب الإلكتروني”، لكنها لم تعتن بما فيه الكفاية حتى الآن، بطبيعة التفكير الشبكي، الذي أوجده الإنترنت، خلافًا للتفكير الخطي الذي تتبعه هذه الجماعات، أو التفكير الدائري الذي يحل برأسها أحيانًا شأنها في هذا شأن الكثير من التنظيمات والجماعات والتجمعات والهيئات الأخرى التي تقع في هذا الفخ، الذي معه لا يتم التقدم بالتفكير إلى الأمام، ونحو الهدف، إنما الجريان في المكان، والعودة، بعد جهد ووقت، إلى نقاط البداية.
مثل هذا الوضع خلق مشكلة عميقة لهذه الجماعات مع “جيل z ” أو ما يسمون “الزوومرز” الرقمي الأصلي Digital Native، وهو الجيل الذي ولد أفراده في السنوات المتراوحة بين 1997 و2012، أي مع انتشار الإنترنت، وتراجع تأثير أجهزة الإعلام وأدواته التقليدية من الإذاعة والتلفزيون والصحف والكاسيت، فامتلك هذا الجيل مهارات فائقة في التعامل مع ثورة الاتصالات، فصارت له الرافد الأساسي للمعرفة والتعلم، وأثرت طريقة عملها المعقدة في طريقة تفكيره، ونظرته إلى حياته وقضاياه، واطلاعه على ما يدور في العالم أجمع بيسر وسهولة.
وتنتظم التحديات التي تواجه الجماعات السياسية الإسلامية حيال التعامل مع “جيل زد” في ثلاثة أمور محددة، الأول يتصل بالفضاء العام المتعلق بنظرة هذا الجيل إلى الدين، ومنتجي خطابه من وعاظ ومُصدري فتاوى، ودرجة اهتمامه بهذا ضمن سلم أولويات قضاياه. والثاني يرتبط بآلية عمل الإنترنت نفسه، فيما يمتلكه من بنك معلومات هائل، وما يفرضه من طريقة في البحث والتعلم. أما الثالث فيرتبط بالسمات الذهنية والنفسية والشكل التنظيمي لهذا الجيل، وفي كل هذا يبدو مختلفًا عما سبقه من أجيال، سواء هذه التي غادرت الحياة قبل الإنترنت، أو أبناء “جيل إكس” و”جيل واي” الذين عاشوا سنوات طويلة قبله، ثم لحقوا به، دون أن تنقطع صلتهم بالأدوات التقليدية لتحصيل المعرفة، وما تخلقه من طرق تفكير وتدبير، أو يمتلكوا مهارات جيل ولد مع الإنترنت، وشبوا عن الطوق، وهو في محو تام للأمية الإلكترونية، إذ أنه جيل لم يعرف عالمًا بلا شاشات الحواسيب والهواتف الذكية.
***
أولا: علاقة “جيل زد” بالمسألة الدينية
قبل تناول موقف “جيل زد” في العالم العربي من الدين وشؤونه، يبدو من الضروري النظر، وفي إطار مقارن، لموقف هؤلاء في الدولة الأكثر تقدمًا في مجال الإنترنت، والتي أطلقت منها مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا في العالم بأسره، وهي الولايات المتحدة، لا سيما في ظل دراسات عدة، انتهت إلى أن المجتمع الأمريكي يميل إلى التدين أكثر من الشعب الفرنسي مثلًا، ولا يعرف أغلبه العلمانية المفرطة أو الشاملة أو اللائكية.
وقد أظهرت دراسة، أجرتها “مؤسسة بيو” أن “جيل زد” في الولايات المتحدة أقل تدينًا من الأجيال التي سبقته، حيث أفاد ثلث عينة موسعة، أنهم لا يعتنقون أي دين، فيما عرف نحو 21% أنفسهم، بأنهم لا أدريون أو ملحدون، وأفادت الأغلبية بأنها غير معنية بدور الكنيسة.
وانتهى بحث آخر، أجرته “مجموعة بارنا”، وهي شركة تقوم باستطلاعات لحساب المنظمات المسيحية، إلى النتائج نفسها تقريبًا، وبينت أن بعض الشباب يتفاعلون مع المسيحية واليهودية في المجتمع الأمريكي كثقافة عامة، في المعرفة والقيم والطقوس، لكنهم غير حريصين على ممارسة الشعائر الدينية بانتظام، ويبحثون عن ملاذ روحي في فلسفات ومذاهب مختلفة، مثل اليوجا، أو عوالم الملائكة، أو صائدات الأحلام لدى السكان الأصليين لأمريكا، أو حتى الاتجاهات الغرائبية التي تمنحها الثقافة العلمانية.
في المقابل، لدينا دراسة أجرتها عبير محمد عباس، ونشرتها المجلة العلمية لكلية الآداب جامعة أسيوط، في يناير 2024، هدفت إلى التعرف على تأثير الخطاب الديني الشبكي على شباب جيل Z، ومدى ثقته في مثل هذا الخطاب، والقيم التي يرسخها في المجال العام الافتراضي، وقد أظهرت الدراسة ثقة أغلب العينة في الخطاب الديني الشبكي وبصفة خاصة خطاب رجال الدين بالمؤسسات الدينية، لكنها لم تعط الأهمية الغالبة للمسائل العقدية والروحية، إنما الدور الأخلاقي للدين، مثل بر الوالدين، والثبات على المبادئ، وصلة الرحم ونبذ العنف.
ويتماشى هذا أو ينسجم إلى حد كبير، مع طبيعة القضايا التي تشغل “جيل زد”، وتتمثل في الميل إلى قضايا العدالة، مثل المساواة بين الجنسين وببن المنتمين لمختلف الأعراق، والحساسية المفرطة حيال مسألة التوزيع غير الكافي واللا متكافئ للموارد، والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي العميق، والتعاطف الشديد مع التجمعات المهمشة، والوعي بقضايا البيئة، والتحديات العالمية الكبرى، التي تقود إلى الصراعات والحروب والنزاعات بين الدول.
وبالنسبة للقضايا الشخصية يهتم أبناء هذا الجيل، بما يتعلق بتحصيل جودة الحياة، حيث فرص العمل، والحق في السكن، ونفقات التعليم، ومستوى الأسعار، والرعاية الصحية. ويخلق هذا انتظام مطلبية تضغط على السلطات السياسية، وتسائل الأجيال السابقة، إثر اتهامها باحتكار الثروة والاستئثار بالفرص، ويصير هذا الاهتمام قوة دفع نابعة من قلق اجتماعي عميق ومتصاعد، لا يمكن إهمالها أو تلاشيها في ظل ارتفاع نسبة تمثيل هذا الجيل في القوة الديمجرافية العامة للدول العربية، حيث يشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عامًا نسبة 34% من السكان، وهو المعدل الأعلى عالميًا، وكذلك في ظل تقارب الخبرة الحياتية لدى هذا الجيل، والتي يستقيها من الإعلام الرقمي والمدرسة ثم الجامعة والأسرة وأماكن العمل والمؤسسة العسكرية بالنسبة لمن يتم تجنيدهم.
ورغم أن أي جيل لا يمكن النظر إلى أبنائه ككتلة اجتماعية متجانسة، وفق ما تطرحه بعض السرديات الرائجة، إلا أنه لا يمكن إنكار وجود قدر من الوعي المتماسك لدى أي جيل، تسهم في صناعته لدى “جيل زد” غزارة التعرض لخبرات الآخرين داخل الدولة الواحدة، أو في العالم أجمع، وهو ما أتاحته ثورة الاتصالات، فهذه التباينات الداخلية في الواقع، لا تنفي براعة “جيل زد” في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتنظيم والتعبئة والتنسيق، في معارفه ومطالبه المتعددة.
هذا معناه، أن “السرديات الكبرى” التي تتبناها الجماعات السياسية الإسلامية، وعلى رأسها إقامة الدولة الإسلامية، أو الخلافة، وتديين المجتمع، والنزوع إلى الجماعية أو الجمعنة، والمناداة بتطبيق صارم للشريعة، لا تبدو جاذبة بالقدر الكافي لـ”جيل زد”، حيث لا تتوافق ميوله النفسية مع هذه النماذج التقليدية، ويسعى لممارسة السياسة من زاوية انعكاسها على حياته المادية، أكثر من غيرها، ووفق ما يمكن تعريفه بـ “السياسة الشبابية” أو “النشاط الشبابي” التي تنتج أفكارًا عملية أقرب إلى الإجراءات منها إلى المقولات والصياغات الأيديولوجية التي تأخذ شكل الشعارات العامة، والفيوضات العاطفية.
وفي رحاب هذه النظرة إلى السياسة وفوائدها وعوائدها، وضع “جيل زد” وعود الجماعات السياسية الإسلامية محل مناقشة ومساءلة، ورأها تتحطم أمامه بعد صعود هذه الجماعات إلى ذروة السياسة عقب انطلاق انتفاضات وثورات في بلدان عربية عدة، ورأى في الوقت نفسه أعضاء قدامى داخل هذه الجماعات ينشقون عليها، ويكشفون أسرارها، ويقدحون فيها، ويحملونها مسئولية إخفاق حركة الجماهير التي سعت طويلًا إلى الحرية والعدل والكفاية.
فأبناء هذا الجيل، فضلًا عن تفتح إداركهم على قيام الجماعات السياسية الإسلامية بتوظيف الثورات في خدمة مشروعها، ظنًا منها أن لحظة التمكين قد حانت، ما جعل هذه الثورات تنحرف عن مسارها المدني الذي مثلته طليعتها، فإنهم لم يكونوا في حاجة إلى تجريب هذه الجماعات من خلال الانضمام إليها أو التعرض لخطابها سنوات طويلة، مثل الأجيال التي سبقتهم، فكل شيء جاءهم، وهم في بيوتهم، يجيلون أبصارهم في شاشات الحواسيب والهواتف الذكية، ويتابعون النزال والسجال على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعرض خطاب الإسلاميين لنقد واسع، لأول مرة في تاريخهم، ومن عموم الناس، وليست النخبة الفكرية والسياسية المضادة لهم، مثلما كان قائما من قبل.






