مَن يربح مِن عسكرة البحر الأحمر.. ولماذا تدفع مصر الثمن؟
لم يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع بفعل أزمات عابرة، بل عبر مسار تدريجي، أعاد تشكيله كممر خاضع لمنطق الردع، والعسكرة . وخلال هذه السنوات، فقد الممر حياده، وتحوّل من شريان تُقاس أهميته بحجم التجارة إلى مساحة تُقاس فيها المصالح بدرجة المخاطرة.
تعكس هذه التغيرات، في عسكرة الممرات بصيغتها الحديثة، نمطًا مختلفًا من السيطرة، لا يقوم على الإغلاق أو المواجهة المباشرة، بل على تكثيف الوجود العسكري وإدارة التوتر دون إعلان حرب، ومع الوقت تحولت الجغرافيا إلى أداة ضغط، وخرجت العسكرة من إطارها الأمني لتؤثر مباشرة في قرارات الشحن وأسعار النقل وتوازنات التجارة العالمية.
في قلب هذه المعادلة تقف مصر، ليس فقط بحكم امتلاكها قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة الدولية، بل لأنها نقطة تقاطع مباشرة لنتائج هذا التحول.
ومع كل موجة توتر، تتحمل مصر كلفة أمنية واقتصادية، لا تتحكم في أسبابها، من هنا، يرصد هذا التقرير، كيف أعادت عسكرة البحر الأحمر توزيع المكاسب والخسائر؟ ولماذا تتحمل مصر، الثمن الأكبر داخل نظام دولي يدير التوتر أكثر مما ينهيه؟
المستفيدون من عسكرة الممرات
تتصدر الولايات المتحدة قائمة المستفيدين من عسكرة البحر الأحمر، مستغلة شعار “حماية الملاحة البحرية”، ولديها القاعدة العسكرية الأكبر في جيبوتي، كامب ليمونييه، والتي تضم منصات مسيرات، وقوات خاصة، ومرافق استخباراتية، لتشكل مركز قيادة وانتشار سريع.
إلى جانب ذلك، يتيح الانتشار البحري الدائم للأسطول الخامس، مع إمكانية استخدام المواني الصديقة، ضبط الإيقاع ومنع أية قوة منافسة من الهيمنة على البحر الأحمر، بهذا الشكل تتحول واشنطن إلى لاعب ضبط رئيسي في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، بنمط سيطرة مباشر ومرن.
تستفيد الصين من عسكرة البحر الأحمر عبر قاعدة دوراليية في جيبوتي، التي تؤمن خطوط إمدادها التجارية إلى آسيا ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
يرافق هذا التواجد العسكري استثمارات ضخمة في البنية التحتية للمواني والطرق والسكك الحديدية في القرن الإفريقي، ما يدمج الأمن بالتنمية الاقتصادية أو يتعلل بها.
في الوقت ذاته، تمنح هذه القاعدة بكين مظلة حماية استراتيجية دون الحاجة إلى خطاب أمني مباشر، ما يسمح لها بالتمدد بهدوء وبتوازن، دون الدخول في مواجهة مع القوى الدولية الأخرى.
القوى الإقليمية
تتبع القوى الإقليمية سلوكا مشابهًا للقوى الكبرى، مستخدمة البحر الأحمر كأداة للتأثير السياسي وتعزيز موقعها التفاوضي في ملفات أوسع.
ووجودها العسكري في باب المندب والجزر القريبة، يمنحها ورقة ضغط استراتيجية أكثر من كونه هدفًا مباشرًا للسيطرة على الممر، يظهر هذا بوضوح في إيران، التي تفتقر إلى قاعدة بحرية مباشرة، فتدعم الحوثيين، الفاعلين غير الدوليين، لتحويل المضيق إلى أداة استنزاف للقوى الكبرى وورقة ردع عند تصاعد الأزمات.
تعد إثيوبيا الدولة الحبيسة التي فقدت منفذها منذ استقلال إريتريا، نموذجًا لمستفيد من عسكرة البحر الأحمر، لا تتعامل إثيوبيا مع الممر كساحة عمليات مباشرة، بل كهدف استراتيجي مؤجل.
ومع استمرار التوتر وعدم استقرار الممر وبيئة إقليمية مضطربة، ما يخلق وضع يمنحها قدرة على الضغط والتفاوض، ومرونة للتأثير عبر المواني، وعقد الاتفاقات الثنائية مع دول الجوار، وإعادة طرح سؤال النفاذ إلى البحر.
في بيئة مستقرة، تصبح الجغرافيا والحدود نهائية ومحكمة، أما في بيئة متوترة، تتحول المواني والمنافذ إلى أدوات تفاوض وفرص لإثارة القلق والمطالبة بحق النفاذ إلى البحر الأحمر، بهذا الشكل تحقق إثيوبيا مكاسب استراتيجية من اضطراب الممر، مستغلة قوتها البرية كرافعة لتحقيق طموحاتها الإقليمية.
اقتصاد التوتر
بالتوازي مع كل ذلك، ظهر ما يمكن تسميته ” اقتصاد التوتر “فشركات التأمين والامن البحري، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالحماية العسكرية، وحتى بعض الدول المطلة المستضيفة لقواعد اجنبية باتت تحقق دخلا ونفوذا وبالتالي صار التوتر يُدِر مكاسب لبعض الأطراف.
في ذروة الهجمات في البحر الأحمر من جانب الحوثيين مطلع 2024، ردا على الحرب على غزة، ارتفعت أقساط تأمين “مخاطر الحرب من 0.7%_الى 1%من قيمة السفن العابرة، ومن مستويات هامشية الى ما يقارب آلاف الدولارات للرحلة الواحدة لسفن الحاويات أو ناقلات النفط.
هذه الزيادة لا تعكس إغلاقًا فعليًا للممر، بل مجرد ارتفاع في درجة تقييم المخاطرة، وهو ما يكشف أن الخطر ذاته أصبح سلعة.
كذلك، حققت شركات الشحن الكبرى مكاسب غير مباشرة خلال فترات الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. فإطالة زمن الرحلة بنحو 10 الى 14 يوما كمتوسط بين آسيا وأوروبا في بعض الرحلات أدت إلى امتصاص فائض السعة عالميا مؤقتًا، ما ساهم في رفع أسعار الشحن خلال ذروة الأزمة، قبل أن تعاود الانخفاض مع أي هدوء نسبي
بالتوازي، استفادت شركات الأمن البحري الخاصة من تصاعد الطلب على حماية السفن، ومع زيادة التوتر، ارتفع الاعتماد على فرق الحراسة البحرية، التي قد تضيف آلافا أخرى من الدولارات لكل رحلة، في سوق توسّع بشكل ملحوظ منذ 2023، وفق تقديرات نقلتها تقارير دولية عن أمن الملاحة
أما الدول المستضيفة للقواعد العسكرية في محيط البحر الأحمر، فقد تحوّل التوتر بالنسبة لها إلى مورد اقتصادي ثابت.
جيبوتي، على سبيل المثال، تعتمد بشكل كبير على عوائد تأجير الأراضي، والخدمات المرتبطة بالقواعد الأجنبية، واستمرار الوجود العسكري أصبح جزءًا من معادلة الدخل.
بهذا المعنى، لا يعمل “اقتصاد التوتر” كأثر جانبي للصراع، بل كنظام أصبح قائما بذاته، فالمخاطر ترفع أقساط التأمين، والتوتر يبرر الحماية المسلحة، والعسكرة تطيل عمر الطلب على الخدمات الأمنية.
والنتيجة أن عددًا متزايدًا من الفاعلين يربح من استمرار التوتر، ما يقلل الحافز الجماعي لإنهائه، ويحوّل عسكرة البحر الأحمر من حالة استثنائية إلى وضع تشغيل دائم داخل النظام الدولي.
هنا يبرز السؤال الذي يقود إلى المحور التالي: إذا كان هذا العدد من الفاعلين يحقق مكاسب، فمن يتحمل ثمن هذا التوتر الدائم؟ وكيف تنعكس هذه الكلفة على دولة تقع في قلب الممر وتتحكم في أحد أهم شرايينه؟
تكلفة التوتر على مصر وقناة السويس
لكل عملة وجهان وكذلك للعسكرة، فالدول القريبة من الممر لا تملك رفاهية الاستفادة الانتقائية من التوتر. بل الحقيقة هي من تدفع الثمن، بينما تتحرك معادلات التصعيد والتهدئة من خارجها.
في هذا الإطار يظهر حجم العبء، فقناة السويس، ليست مجرد ممر يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية، بل عقدة يتقاطع عندها منطق الردع مع منطق السوق، وحينما يعلو صوت التوتر تتآكل الثقة وتهرب التجارة للطرق الأكثر أمنا وترتفع تكاليف الأمن والشحن، والعكس ليس صحيحا هنا، فحين يهدأ التوتر، لا تتحول تلقائيا لوضعية المكاسب المستقرة مرة أخرى، لأن السوق نفسه يكون فعليا قد أعاد تسعير المخاطر، وتوزيع السعات وغير مساراته خلال فترة الاضطراب.
يتضح هذا بالأرقام، قناة السويس، كانت تحقق أعلى إيراداتها على الإطلاق بنحو 10.25 مليارات دولار في 2023، شهدت تراجعًا حادًا وصل 3.99 في العام 2024، ما يقارب ثلثَي القيمة خسائر، نتيجة تحويل شحنات عديدة لمسارات أطول لتفادي المخاطر.
وانخفضت حركة العبور بنحو 50% في 2024 مقارنة بمعدلات ما قبل الأزمة، في المقابل، زاد مرور السفن حول رأس الرجاء الصالح بنحو 70% تقريبا في أول شهرين من العام 2024 مقارنة بعام 2023.
هذا التذبذب لا يقتصر على الإيرادات وعدد السفن فقط، بل يمتد إلى تكلفة التأمين البحري، وهي لا تتحملها شركات التأمين فقط، بل تضاف كعبء، يتحمله المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار السلع والطاقة.
في هذا الإطار يأتي تقرير ميرسك ليكشف عن معادلة العلاقة بين التوتر في الممرات والنتائج الاقتصادية بشكل مباشر، فقد أعلنت أكبر شركة شحن في العالم، أن أرباحها المتوقعة في 2026 ستتراجع؛ نتيجة “عودة المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس في بيئة بها فائض سعة سفن وانخفاض مستمر في أسعار الشحن”، لم تكن تتحدث عن حالة ظرفية، بقدر ما كانت تشير إلى نمطيّة جديدة في كيفية تسعير المخاطر وتأمين الشحن العالمي.
الاستقرار النسبي في الممر لا يضمن أرباحًا أعلى تلقائيًا، إذ يُعاد تسعيره في السوق وفق مستويات التوتر السابقة، وتكشف الأرقام أن عسكرة الممرات تتحول إلى متغير اقتصادي حاسم: انخفاض العبور عبر قناة السويس يضغط على الإيرادات مباشرة، وارتفاع تكاليف التأمين يثقل كاهل شركات الشحن والدول المصدِّرة والمستوردة، وزمن الشحن الأطول يعيد تسعير سلاسل الإمداد الدولية.
بذلك، تصبح الكلفة عبئًا مستمرًا على الدول الواقعة في قلب الممر، وليس على الفاعلين الدوليين المستفيدين من إدارة التوتر وفق منطق الردع الصامت، مصر ودول الممر تدفع ثمن إعادة تقييم المخاطر، بما في ذلك التخطيط طويل المدى، مما يعكس توزيعًا غير متكافئ للمخاطر داخل النظام الدولي.
أدوات مصر في معادلة الردع
في نظام عالمي يدير الممرات البحرية بالتوتر لا بالحسم، لا تملك مصر أدوات عسكرية لتغيير قواعد اللعبة ككل، لكنها تمتلك أدوات اقتصادية لتقليل كلفة التوتر.
من بين ذلك، تسعير عبور قناة السويس بوحدة حساب مستقرة مقومة بسلة عملات، كآلية تحصين للإيرادات، وتعتمد الفكرة ببساطة على أنه عند تقلب حركة الشحن؛ بسبب التوتر، يجب ألا تتقلب قيمة دخل القناة بنفس الحدة، حيث تمنح سلة العملات مصر هامش استقرار مالي، وتقلل تأثير تقلبات الدولار وأسعار الشحن، مع الحفاظ على القناة كمرفق آمن ومستقر حتى في أوقات الاضطراب.
على المستوى الأمني: يمكن لمصر إعادة تعريف موقعها في البحر الأحمر كفاعل توازني، ويقوم هذا الدور على الضبط وليس التصعيد.
حماية حرية الملاحة واحتواء التوتر دون السماح بتحوله إلى فوضى تعيد رسم الحدود والنفوذ، وتزداد أهمية هذا الدور مع صعود فاعلين متعددين، ومحاولات الدول الحبيسة لإعادة طرح مسألة النفاذ إلى البحر، مستغلة بيئات التوتر.
تكمن أداة مصر الأساسية في ربط البحر الأحمر بقناة السويس كملف واحد، وهنا أي فصل بين أمن الممر وتكاليف العبور يهدد الاستقرار، إذ يُقاس استقرار البحر بقدرة التجارة على العبور دون تحميل دولة الممر كلفة قرارات لم تصنعها.
ما تملكه مصر ليس قرار التصعيد، بل هامش حركة داخل نظام الردع الصامت، يسمح بتقليل تكلفة التوتر وتحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر توازن، هذا الهامش، وإن بدا محدودًا، يصنع الفارق، دولة تُدير جغرافتيها بوعي.
والسؤال المهم، كيف تمنع مصر تحوّل موقعها الاستراتيجي من مصدر قوة إلى عبء دائم داخل نظام دولي، يرى إدارة المخاطر أقل تكلفة من حسمها؟






