الرحلة من دولة العلم والإيمان حتى دولة التلاوة، هي نصف قرن من عمر المجتمع المصري من منتصف سبعينيات القرن العشرين حتى مطلع الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين. تضاعف خلالها تعداد المصريين ثلاث مرات من 40 مليوناً إلى قريب من 120 مليوناً. تغير فيه وجهُ الريف- أي وجه مصر- بالكلية، فقد كان إلى منتصف السبعينيات يتمتع فقط بانتشار محدود جداً للمرافق الأساسية من ماء جارٍ وكهرباء وطرق ومدارس ومواصلات حديثة، فيما بين القرى والمدن، كانت البيوت في أغلبها من طين، وكانت أقرب ما تكون إلى كهوف وجحور، كما وصفها توفيق الحكيم بجدارة في رواية “يوميات نائب في الأرياف”.
في هذه الخمسين عاماً، هاجر المصريون للخارج سواء للعمل في دول الخليج عقب الارتفاع المذهل في أسعار البترول بعد حرب أكتوبر المجيدة، أو هجرة مؤقتة أو دائمة لأوروبا وأمريكا، هؤلاء العاملون والمهاجرون في الخارج أغلبيتهم طبقات وسطى مهنية متعلمة من مهندسين وأطباء ومعلمين وأكاديميين وقانونيين وغيرهم، كما منهم عمالة فنية متوسطة، كما منهم عمالة غير ماهرة أو يدوية، هؤلاء كلهم حولوا إلى مصر في الخمسين عاماً أموالاً طائلة من مليارات الدولارات، ويكفي أن تعلم أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج قد زادت عن 41 مليار دولار في عام 2025 فقط، وهو ما يساوي عوائد قناة السويس في ست سنوات 2019 – 2024. هذه المليارات التي حولها المصريون دون انقطاع إلى بلدهم، غيرت من وجه العمران في مصر، بما لم يحدث في التاريخ كله. اختفت تماماً البيوت التي وصفها توفيق الحكيم، بأنها جحور وكهوف من طين يأوي بين جدرانها الهشة وتحت سقوفها الضعيفة الفلاح وزوجته وأبنائهما، وكل ما يملكون من حمير وبقر وجاموس وطيور وأدوات الزراعة. هذا العمران الموروث من مصر القديمة أو مصر الفرعونية اختفى، ثم اندثر وحل مكانه عمران مختلف في المبنى والمعنى، حيث تضافرت عدة عوامل: الحديد، السد العالي، الكهرباء، التعليم المجاني، الهجرة للعمل في بلاد النفط العربية. لكن كل ذلك تم في عشوائية تنفيذية، قامت دون تخطيط، كما استمرت دون تقييم، كما لم تجد معالجة لما ترتب عليها من سلبيات، كما لم تجد إدارة حكومية جيدة تستثمر وتعظم الفائدة مما لها من إيجابيات. كانت خمسون عاماً من التطور السريع، بل والمذهل لكنه عشوائي بغير رؤية سابقة ولا معالجة لاحقة. القرية تطورت عشوائياً، القاهرة تطورت عشوائياً، لا فرق بين القرية والقاهرة، القرية فيها من خصائص المدينة، لكن دون أن تصير حضرية، والقاهرة فقدت حضريتها، فصارت أقرب إلى قرية ضخمة مرعبة، صارت القاهرة أم القرى أو واحدة من القرى، فقدت القاهرة ما تمت تغذيتُها به في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين من جماليات الحداثة الأوروبية وروحها وذوقها. تراجعت القاهرة إلى طبائع القرية وخصائص الريف، وأهدرت الكثير من رصيدها المديني الحضري. في الخمسين عاماً الأخيرة تحركت القرية المصريةُ قروناً، عوضت بها تخلفها المزمن عن ركب العمران الحديث، لكن في الوقت ذاته تراجعت القاهرة والمدن كثيراً، وصارت عشوائيات مدن، فقدت المُدنُ زهوها، وانطمست روحُها، وخبت ثقافتُها، ضاقت المسافات بين القرى والمدن. لم تتمدين القرى إلا في الحجر والبيوت المبنية بحديد التسليح والمزودة بالمرافق والكماليات. ولم تحتفظ المدينة بشيء من خصائصها، غير أنها زادت ضخامةً، دون أن تزداد ثقافةً أو ذوقاً أو روحاً جمالية.
كيف حدث هذا؟
عند منتصف السبعينيات كانت كافة الطرق تؤدي إلى الانقلاب على مجتمع العدالة والاستقلال والحداثة والاستنارة الذي سعت إليه الثورتان العظيمتان: ثورة 1919 التي وضعت أسس دولة القانون والاستقلال الوطني، وثورة 23 يوليو 1952 التي وضعت أسس مجتمع العدالة. أعلن الرئيس السادات دولة العلم والإيمان، فهو الرئيس المؤمن لشعب مؤمن، مع علاقات متينة مع السعودية، وعلاقات وثيقة مع أمريكا، مع فتح الطريق لعودة الإخوان المسلمين، مع السلام مع العدو الصهيوني، مع الانفتاح الرأسمالي العشوائي، مع تأسيس الجماعات الإسلامية في الجامعات، مع فتح البلد للسلفية الوهابية وكافة أشكال التدين السلفي. وضع الرئيس السادات مصر على طريق طويل، تجردت خلاله من المعايير والقيم، واستعاضت عن ذلك بموجات من التدين الذي هي أقرب إلى مظاهرات اجتماعية، مست ظواهر الدين دون عمقه وجوهره: لحى أشكال وأطوال، جلابيب بيضاء قصيرة وطويلة وتحتها بنطلونات بيضاء، طاقية وسواك، نقاب، محفوظات لفظية تتميز عن المستقر في العرف الاجتماعي. في ظل هذه المظاهرات الدينية التي ملأت الأفق عرفت مصر العديد من الظواهر المدمرة التي تعايشت، وتعانقت مع ما يظللها من مظلات دينية: الغش في امتحانات المدارس، الغش في معايير البناء، الغش في مواصفات الطرق، الغش في معايير التعيين والتوظيف في كل المواقع الحكومية، تجارة العملة باسم الدين، توظيف الأموال في مشاريع سريعة الربح باسم الدين، تكاثر الجماعات الإسلامية دون ضرورة اجتماعية باسم الدين، استدعاء أسوأ ما في التاريخ واللجوء إلى العنف والإرهاب باسم الدين، تدشين أعمق وأطول وأخطر حركة جهل بحقائق الدين تحت شعار “بلغوا عني ولو آية” فتكاثر عدد الدعاة الذين يتجرؤون على مقام الدعوة الدينية، رغم أنهم لا يملكون من علوم الدين غير القشور، هؤلاء الدعاة بقليل علمهم، وسطحي فقههم ملأوا الأسماع وشغلوا الأبصار، وخلقوا حالة عامة من الهوس الديني دون تعقل ولا تبصر. والعجيب أن هذه الحالة غير العقلانية كانت تحمل اسم الصحوة الإسلامية، وهي لم تكن غير غطاء أو دخان، جرت تحته أكبر عملية تاريخية لتجريدنا من أفضل ما كان لدينا من نضال لأجل دولة القانون والاستقلال بعد ثورة 1919، ثم تجريدنا من أفضل ما وضعنا من لبنات مجتمع العدالة بعد ثورة 23 يوليو 1952.
دولة العلم والإيمان التي رفع شعارها الرئيس السادات، لم تكن غير غطاء يتم تحته تمرير: التخلي عن حتمية التصدي لمشاريع الغرب لأجل الهيمنة علينا، وهو النضال الذي دشنه المصريون ضد تسلل النفوذ الغربي منذ الثورة العرابية 1881. ثم التخلي عن مسئولية الدولة تجاه مواطنيها تعليماً وعلاجاً وتوظيفاً. وبدلاً من ذلك ذهبت البلاد تغرق في شكليات الصحوة الإسلامية الخالية من أي مضمون عقلاني حقيقي، ينفع الناس في معاشهم وحياتهم. الصحوة الإسلامية وضعت الحواجز بين التدين والتعقل وبين التدين والتقدم وبين التدين والعدل الاجتماعي وبين التدين والمساواة بين كافة المواطنين بكل أديانهم وفئاتهم وأفكارهم. الصحوة الإسلامية من دولة العلم والإيمان، حتى وصلت إلى محطة دولة التلاوة، لم تكن ولن تكون غير إعاقة، تقطع الطريق أمام المجتمع ليتعقل، ويفكر ويستنير ويتخلص من العوائق التي تقف دون تقدمه وحريته ورفاهيته في وطن آمن وفي مجتمع عادل، وفي دولة تحكمها معايير الرشد والمحاسبة والمساءلة. دولة يسألها مواطنوها عن جدواها وليس عن تقواها.






