لم تكن الساعات الأولى من صباح السبت 28 فبراير 2026 جولة عسكرية جديدة، بل مثلت انتقالًا واضحًا من مرحلة الصراع منخفض الحدة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، إلى مستوى أعلى من الاشتباك المباشر، وتوسيع دائرة الحرب.

 ومع الهجوم، ردّت إيران باستهداف قواعد عسكرية في دول الخليج عبر ضربات محسوبة، طالت حتى الآن قطر والبحرين والإمارات والسعودية.

هذا التحول يضع مصر أمام تحدٍ أمني واختبار اقتصادي مركب ومتشابك، يرتبط بطبيعة موقعها الإقليمي، وحالة الاقتصاد المتأثر بالصراعات، واستقرار الخليج والممرات البحرية وتدفقات الطاقة ورأس المال.

 ويأتي ذلك في لحظة لم يكتمل فيها تعافي عائدات قناة السويس بعد حرب غزة، قبل أن تعود أجواء التوتر لتضغط مجددًا على مصادر الدخل الأساسية، ما سيدفع إلى تكثيف جهودها لخفض التصعيد.

قناة السويس تحت ضغط صدمة الممرات

قبل اندلاع الضربات بساعات، أعلنت شركة ميرسك تحويل مسار بعض رحلاتها حول إفريقيا؛ بسبب “معوقات غير متوقعة” في البحر الأحمر. وقد شكّل هذا القرار مؤشرًا مبكرًا، على أن الحرب لا تهدد فقط أمن الخليج، بل استقرار الملاحة الدولية التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري.

فمجرد ارتفاع المخاطر في الخليج أو مضيق هرمز، حتى دون إغلاقه، يؤدي إلى زيادة تكلفة التأمين وإطالة زمن الرحلات، وهو ما يدفع شركات الشحن إلى تفضيل المسارات البديلة.

ويعيد ذلك إلى الأذهان التحول الواسع نحو طريق رأس الرجاء الصالح خلال حرب يونيو 2025، وهي الأزمة التي كلفت مصر قرابة 7 مليارات دولار سنويًا؛ نتيجة تراجع حركة العبور.

وقد بدأت الأسواق بالفعل في تسعير المخاطر الجديدة، مع قفزة في رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب بنسبة وصلت إلى 300%، وهو ما يهدد المكاسب التي بدأت قناة السويس تحقيقها مطلع عام 2026، حين سجلت الإيرادات 449 مليون دولار حتى منتصف فبراير.

اضطراب الطاقة وارتفاع التكاليف

في موازاة ذلك، تدخل أسواق الطاقة حالة عدم اليقين الحاد منذ سنوات، فالضربات المتبادلة تفتح الباب أمام تعطيل الإمدادات من منطقة تمثل نحو خمس الإنتاج النفطي العالمي.

ورغم عدم تأكيد وقوع أضرار مباشرة في البنية التحتية للطاقة حتى الآن، فإن تعليق بعض شحنات النفط عبر مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الشحن، وتزايد مخاطر استهداف الناقلات، كلها عوامل ترفع الأسعار، وقد انعكس ذلك بالفعل في صعود خام برنت، في الأسابيع الأخيرة إلى حوالي 70 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ أغسطس 2025، مع ترقب المستثمرين لمواجهة عسكرية محتملة في الشرق الأوسط.

بينما جرى تداوله يوم الجمعة عند حوالي 73 دولارًا للبرميل، وأفادت أربعة مصادر تجارية يوم السبت، أن بعض شركات النفط الكبرى علقت شحنات النفط الخام والوقود عبر مضيق هرمز؛ بسبب الهجمات، وقد يصل حسب اقتصادين خام برنت إلى حوالي 80 دولارًا، وهو أعلى مستوى له خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا في إيران في يونيو الماضي.

ويمثل هذا التطور عبئًا مباشرًا على الموازنة المصرية، إذ إن كل زيادة في سعر النفط تضيف مليارات الجنيهات إلى الموازنة.

 كما أن تعليق العمل في بعض حقول الغاز بشرق المتوسط، ومنها كاريش وليفياثان، يهدد توازن سوق الطاقة المحلي، خاصة في ظل اعتماد مصر الجزئي على الغاز المستورد من إسرائيل لإعادة التصدير والاستهلاك.

وقد كشفت تجربة حرب يونيو 2025 هشاشة هذا الاعتماد، حين أدى توقف الإمدادات إلى عودة تخفيف الأحمال الكهربائية لمدد طويلة في بعض المناطق، وصلت 6 أشهر.

التمويل الخارجي تحت اختبار

ولا تتوقف التداعيات عند الطاقة والملاحة، بل تمتد إلى التمويل، فالتصعيد الجيو سياسي يدفع عادة إلى خروج الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، ومصر من أكثرها حساسية لهذه التحركات.

استنادًا إلى سوابق عام 2025، حين فقدت البورصة المصرية نحو 90 مليار جنيه في جلسة واحدة، يُرجح أن يشهد سوق الدين خروجًا ملحوظًا للاستثمارات الأجنبية خلال الأيام الأولى من التصعيد.

 ورغم أن التأثير على سعر الصرف قد يكون محدودًا في البداية، فإن الضغوط ستتراكم مع ارتفاع احتياجات العملة الصعبة، خاصة في ظل بلوغ الدين الخارجي مستويات مرتفعة.

انكشاف نموذج اقتصادي

تكشف الأزمة الحالية، أن تأثير الحرب لا يعود فقط إلى الحدث العسكري ذاته، بل إلى طبيعة النموذج الاقتصادي المصري، الذي يعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار الممرات البحرية، وتدفقات الطاقة، ورؤوس الأموال الخارجية، وتحويلات العاملين في الخليج.

وقد أظهرت تجارب سابقة، أن أي اضطراب إقليمي واسع ينعكس سريعًا على هذه الركائز، فالحرب العراقية الإيرانية أبرزت مخاطر الاعتماد على تحويلات العاملين في مناطق النزاع، بينما ربطت حرب الخليج بين الدور السياسي والمكاسب الاقتصادية. أما حرب يونيو 2025 فقد كشفت هشاشة سلاسل الطاقة.

واليوم يواجه مئات الآلاف من المصريين العاملين في الخليج احتمالات تعطل العمل أو العودة، وهو ما قد يضغط على سوق العمل المحلي، ويؤثر على التحويلات.

مسارات محتملة للاستجابة

في ضوء التصعيد، تتراوح المسارات المحتملة بين احتواء سريع، يحد من الأثر الاقتصادي، خاصة إذا لعبت مصر دورًا دبلوماسيًا نشطًا، وبين حرب استنزاف إقليمية قد تؤدي إلى تضخم مستورد وتراجع السياحة وعوائد القناة.

أما السيناريو الأكثر حدة، فيتمثل في تصاعد طويل الأمد، يفضي إلى اضطراب دائم في الملاحة وإمدادات الطاقة، بما قد يدفع إلى إجراءات لتعزيز الاكتفاء النسبي، والحد من الاستيراد لشهور.

بين الفرصة والضغط

في المحصلة، يضع هجوم 28 فبراير مصر أمام معادلة دقيقة. فبينما قد يعزز الصراع من قيمتها الجيو سياسية كقوة استقرار ووساطة محتملة، فإنه في الوقت ذاته، يضغط على نموذجها الاقتصادي القائم على الاستقرار الإقليمي.

ومع امتلاك الحكومة مخزونًا استراتيجيًا من السلع الأساسية، تبقى الطاقة والقمح الأكثر عرضة للتقلبات، خاصة مع اعتماد مصر على استيراد كميات كبيرة سنويًا في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واحتمال خروج رؤوس الأموال.

تكشف هذه اللحظة، أن التحدي أمام مصر لا يتمثل فقط في إدارة آثار الحرب، بل في التعامل مع حدود نموذج اقتصادي يرتبط باستقرار بيئة إقليمية متقلبة، وهو ما يفسر سعي القاهرة إلى لعب دور دبلوماسي فاعل؛ لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.