لم يكن اليوم الأول للحرب المتوقعة في الشرق الأوسط التي هددت بها الولايات المتحدة إيران مجرد تبادل لضربات. بل اختبارا عمليا لعبارة داخل تقرير صدر منذ ساعات قليلة لوكالة رويترز يقول فيه رجال الرئيس “إن ضرب إيران هو مخاطرة عالية مقابل مكافأة عالية “.

إذا كان القرار الأمريكي قد صيغ بهذا القدر من المكاشفة وبمباركة كبار المسئولين الأمنيين الأمريكيين، فإن ما جرى في الساعات الماضية من المواجهة لم يكن مفاجئا لأحد في واشنطن بل مفهوما ومتوقعا بل ويمهد لحرب ضارية طويلة الأمد على ما يبدو، والسؤال ليس هل ردت إيران؟ بل هل ردت ضمن الهامش الذي توقعته واشنطن؟ ودخلت بناء عليه أمريكا الحرب لتحقيق الغنيمة أو بصيغة أوضح التحول الاستراتيجي طويل الأمد الذي يصب في مصلحة الولايات المتحدة.

رهان استراتيجي كبير: تعديل الميزان الإقليمي وإعادة ترتيب الداخل

عندما يقال للرئيس الأمريكي أن الضربة عالية المخاطر “هذا يعنى أن هناك سيناريو للرد محسوب وبدقة، وعندما يقال إنها ” عالية المكافأة ” فهذا يعنى أن الهدف ليس تكتيكيا كالمرة السابقة، بل تغييريا شاملا. اليوم الأول يكشف نية التغيير.

 الاحاطات التي قدمت لترامب لقرار الحرب تضمنت مشاركات من مدير الاستخبارات المركزية ورئيس هيئة الأركان المشتركة ووزيري الخارجية والدفاع وقدموا له الوضع على أنه رهان استراتيجي كبير: بتحقيق تأثير دائم في توازن القوى بالشرق الأوسط مقابل مخاطر كبيرة لكنها تستحق، ومن هنا بدأت عملية ملحمة الغضب الامريكية الإسرائيلية المشتركة.

الضربات لم تقتصر على مخازن صواريخ أو قواعد أمامية، بل طالت مواقع ذات قيمة سيادية عالية: منشآت عسكرية في طهران وأصفهان وكرمانشاه، ومقار مرتبطة بهياكل القيادة إضافة إلى أهداف في نطاق حضري حساس. سقوط عشرات القتلى والمصابين، من بينهم قيادات عسكرية رفيعة المستوى وفق تقارير أولية وتصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجى بذلك، وحدوث أضرار جانبية طالت مباني هامة يكشف أن بنك الأهداف لم يكن تكتيكيا محدودا، بل مصمما لإصابة مركز الثقل الأمني.

 وبالتالي ضرب العمق القيادي يعني محاولة تعديل ميزان القوى الإقليمي، وربما إرباك بنية القيادة لإعادة ترتيب الأوراق من الداخل.

والإشارة الأوضح على أن المسار لم يعد تكتيكيًا فقط، أنه صدرت لاحقًا رسائل نصية لسكان طهران من القيادة الإيرانية تدعو إلى الإخلاء الفوري لبعض المناطق وهو ما يعنى أن القيادة تتوقع أن العاصمة ستكون مسرحا مفتوحا للاشتباك في حرب تضغط على مركز النظام وتعيد تشكيل سلوك الدولة.

ولم يكن لافتًا فقط مستوى الأهداف، بل طبيعة الوسائط المستخدمة. فاعتماد مسيّرات منخفضة التكلفة وذات اتجاه واحد يكشف أن الضربة لم تُصمَّم كصاعقة واحدة كثيفة، بل كموجة محسوبة لاختبار الدفاعات واستنزافها. هذا النوع من السلاح يُرهق الخصم اقتصاديًا قبل أن يُرهقه عسكريًا، ويُجبره على تشغيل منظومات اعتراض باهظة الثمن في مواجهة أدوات رخيصة نسبيًا. استخدام هذه المسيرات يعني أن واشنطن لم ترد فقط إصابة الهدف، بل أرادت أيضًا قياس قدرة طهران على حماية عمقها، وفتح هامش ضغط يمكن تصعيده أو ضبطه بحسب تطور الرد.

 الرد الإيراني : اختبار الردع

الرد الإيراني في الساعات الأولى لم يكن عشوائيا ولا انفعاليا بل جاء محسوب الإيقاع وقويا، استخدمت طهران صواريخ باليستية متوسطة المدى، يرجح أنها من طرازات ضمن عائلة فاتح ومنها نماذج محسنة بمدى يتجاوز 1000 كيلومتر، إضافة الى موجات من الطائرات المُسيرة الهجومية.

الصواريخ وجِهت نحو قواعد أمريكية في الخليج وأهداف داخل إسرائيل، مما يعنى أن إيران اختارت الرد المباشر لا الاكتفاء بساحات الوكلاء.

دلالة: النظام لم يُشل رغم استهداف قياداته

لكن طبيعة الاستخدام تكشف مستوى الضبط: فلم نر حتى الآن موجات كثيفة بلاتوقف، بل إطلاق متدرج مما جعل منظومات الدفاع الجوى الإسرائيلية والأمريكية تعترضها.

رد الإيراني لم يأتِ مرتبكًا، ولم يكن صامتًا. جاء محسوبًا في توقيته، مدروسًا في شكله، ومشحونًا برسائل تتجاوز عدد الصواريخ. ما حدث في الساعات الأولى لا يمكن قراءته كفعل عاطفي، بل كجزء من معادلة متوقعة منذ اللحظة التي وُصفت فيها الضربة الأمريكية بأنها “عالية المخاطر.”

إطلاق موجات صاروخية باتجاه قواعد أمريكية في الخليج لم يكن مجرد رد ميداني، بل إعلان أن استهداف الحلقة العليا في المؤسسة الأمنية الإيرانية لن يُقابل بضبط النفس الكامل. ومع ذلك، فإن طبيعة هذا الرد تكشف أكثر مما تخفي. لم يكن اندفاعًا بلا سقف، ولم يتحول إلى قصف مفتوح ممتد بلا توقف، بل بدا أقرب إلى ضربة محسوبة تحفظ صورة الردع دون أن تفتح باب مواجهة شاملة لا يمكن التحكم في مسارها

هنا تكمن الدلالة. إيران لم تردّ فقط لتصيب هدفًا، بل لتؤكد أن مركز القرار ما زال قائمًا، وأن النظام لم يُشل رغم استهداف قياداته. الرد لم يكن دفاعًا عن منصة صاروخية أو قاعدة أمامية، بل دفاعًا عن هيبة الدولة وقدرتها على الفعل.

في الوقت ذاته، حافظت طهران على طابع متعدد الطبقات في تحركها. المسارات غير المباشرة، وتحريك ساحات إقليمية، كلها أدوات تمنحها قدرة على توسيع الضغط دون إعلان حرب شاملة. هذا الأسلوب يعكس خبرة تراكمت عبر سنوات: نقل المعركة دون كسر السقف السياسي بالكامل

اللغة السياسية المصاحبة للرد لا تقل أهمية عن الصواريخ نفسها. إذا بقي الخطاب في إطار “الرد المتكافئ” وحماية السيادة”، فنحن أمام معادلة ردع متبادل قابلة للإدارة. أما إذا تحوّل إلى خطاب وجودي يتحدث عن بقاء النظام أو كسر العدو، فالمعادلة ستتجاوز حدود الردع إلى صراع أعمق.

ما يعبر عنه الرد حتى الآن هو توازن دقيق: إثبات القدرة دون الانزلاق إلى انفجار شامل. لكن هذا التوازن هش. فإذا توسعت الضربات أو سقطت خسائر كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، سيتحول اختبار الأعصاب إلى مواجهة مفتوحة.

بهذا المعنى، الرد الإيراني لا يجيب فقط على سؤال “كيف ردت طهران؟”، بل يحدد طبيعة المرحلة. هل نحن أمام اشتباك مضبوط تحكمه حسابات باردة؟ أم أمام مسار تصاعدي قد يفلت من يد الطرفين؟

المعركة في يومها الأول لم تقاس بعدد الصواريخ، بل بطريقة إطلاقها وحدودها ولمن وجهت. ومن هنا تتحدد المرحلة التالية.

ما طبيعة الاحتمالات في هذه المواجهة؟؟

بهذا المعنى، نحن أمام مفترق واضح

إما أن تكون واشنطن قد أرادت رفع سقف الكلفة إلى الحد الأقصى لإعادة رسم حدود الردع، وإجبار طهران على إعادة الحسابات ضمن إطار صراع يمكن احتواؤه.

وإما أن الهدف كان أعمق من ذلك: خلخلة مركز الثقل الأمني ذاته، وضرب الحلقة العليا في بنية القرار لإرباك النظام، ولو مؤقتًا، وإدخاله في مرحلة دفاع عن نفسه لا عن أدواته.

الفارق بين المسارين هو الفارق بين حرب محدودة يمكن إدارتها… وصراع تتم إعادة تعريفه من جذوره

ما سيحسم القراءة ليس عدد الصواريخ، بل الإشارات القادمة.

طبيعة الرد الإيراني خلال الساعات المقبلة ستكشف ما إذا كانت طهران تسعى لحماية معادلة الردع أم للدخول في مواجهة أوسع، سرعة التعافي بوجود ظهير للقيادة ستُظهر ما إذا كان النظام متماسكًا أم تلقى ضربة بنيوية قاصمة.
واتساع الجغرافيا سيحدد ما إذا كنا أمام مواجهة ثنائية أم اختبار إقليمي مفتوح.

أما الأقوال المتداولة حول مستويات قيادية أعلى، فتبقى – ما لم تثبت رسميًا – جزءًا من حرب إدراك تهدف إلى تضخيم أثر الضربة أكثر من تثبيت واقعها.

هنا يعود توصيف “المخاطرة العالية – المكافأة العالية” ليصبح مفتاح الفهم لما هو قادم فإذا كانت المخاطرة بحجم استهداف الحلقة العليا، فإن المكافأة المقصودة لا يمكن أن تكون إيران وحدها.. بل ما يتجاوزها.