بدأ الاقتصاد العالمي التأثر سريعًا بالحرب الأمريكيةـ الإسرائيلية، على إيران، فرغم تعطل أهم المؤسسات المالية العالمية يومي السبت والأحد، إلا أن التأثير الفوري، والتوقعات تبدو شديدة القتامة.
مع بدء الهجمات صباح السبت، توقعت بنوك الاستثمار العالمية ارتفاعًا كبيرًا بأسعار الذهب لمستويات قياسية بعد القفزة التي سجلتها عشية الحرب (مساء الجمعة)، وسجلت حينها 5230.56 دولارًا، للأونصة في أعلى مستوى لها في شهر.
كما ارتفعت أسعار الفضة بنسبة 4.8% لتصل إلى 92.6 دولارًا للأونصة، متجهة نحو تحقيق مكاسب تقارب 10% خلال شهر فبراير فقط، وكذلك ارتفع البلاتين بالقرب من 2352 دولارًا أمريكيًا، وسط توقعات بأن يستمر في الارتفاع نحو مستوى 2378 دولارًا، ثم منطقة 2400 دولار.
فيليب ستريبل، مدير استراتيجية السوق بشركة بلو لاين فيوتشرز، يقول إن المخاطر الجيو سياسية وتهديد التصعيد العسكري يؤديان إلى موجة من الباحثين عن ملاذ آمن (المعادن النفيسة دائما ما ينظر إليها كملاذ آمن).
ووفقاً لستريبل، قد يتجه سعر الذهب نحو 5450 دولاراً للأونصة، مع وجود دعم حول 5120 دولارًا، بينما يعتقد الخبراء أن المعادن الثمينة لا تزال لديها القدرة على الارتفاع، لكن لكي يصل سعر الذهب إلى 6 آلاف دولار أو الفضة إلى 200 دولار للأونصة، يحتاج السوق إلى طلب قوي بما فيه الكفاية وعدم استقرار عالمي مستمر.
تحرك أسعار النفط
تحركت أسعار النفط الخام سريعًا مع تلقي السفن إشعارات من إيران بإغلاقها مضيق هرمز، وإعلان الحوثيين العودة لاستهداف السفن المارة بمضيق باب المندب.
وتوقع بنك “باركليز” البريطاني، أن يصل خام برنت إلى حوالي 80 دولارًا للبرميل حال حدوث اضطراب كبير في الإمدادات، إذ لا يزال التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مرتفعا.
وسجلت أسعار النفط ارتفاعا بأكثر من 2% الجمعة، محققة أعلى مكاسب على أساس شهري، وسجل خام القياس العالمى برنت 72.48 دولارا للبرميل.
رغم العقوبات المفروضة، لا تزال إيران مُصدِّرًا رئيسيًا للنفط، ففي ديسمبر 2025، تمكنت من تصدير حوالي 1.9 مليون برميل يوميًا، رغم محاولت الولايات المتحدة لعرقلة الصادرات، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
يُصدّر معظم النفط الإيراني إلى الصين، ويُنقل عبر ما يُسمى بـ”سفن الظل”، وهي ناقلات، تُخفي أنشطتها بنشاط للتحايل على العقوبات أو القيود الأخرى.
بحسب محللين، فإن الشاغل الأكبر لسوق النفط وسوق الطاقة هو احتمال رد إيران بأي شكل من الأشكال على الدول المنتجة بالخليج، سواءً على المنشآت السعودية أو الكويتية أو الإماراتية أو حتى القطرية.
مصر
لكن لمصر تأثر آخر أكبر بكثير من الاقتصاديات العالمية في ظل استيرادها الغاز من إسرائيل، فمع أول رد إيراني، أمرت وزارة الطاقة الإسرائيلية بإغلاق مؤقت لبعض حقول الغاز الطبيعي في مياهها الإقليمية، في خطوة قالت، إنها تستند إلى “تقييمات أمنية”.
ووقعت مصر وإسرائيل في أغسطس الماضي اتفاقية لتمديد توريد الغاز لمصر مع زيادة للكميات الموردة إلى 130 مليار متر مكعب، طوال 15 عامًا، وتتم الزيادة عبر مرحلتين، الأولى بنحو 20 مليار متر مكعب، تدخل حيز التنفيذ فورًا، والثانية بمقدار 110 مليارات متر مكعب مشروطة بتنفيذ استثمارات توسعة حقل ليفياثان.
لكن منصور عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، أكد وجود لجنة مشتركة بين وزارة الكهرباء ووزارة البترول والثروة المعدنية، تعمل على مدار الساعة لتأمين إمدادات الوقود وضمان تشغيل محطات التوليد بمزيج متنوع من الوقود، بما يمنع التوقف على نوع واحد.
كانت الحكومة قد تعاقدت على استئجار 5 سفن لتغويز الغاز المسال لضمان أمن الإمدادات، تعمل حالياً في ميناء العين السخنة بطاقة إجمالية تقارب ملياري قدم مكعب يومياً؛ حيث تضخ السفينة النرويجية “هوج” نحو 750 مليون قدم، وسفينتا “إنيرجوس باور” و”إنيرجوس إسكيمو” الألمانيتان نحو 750 مليون قدم لكل منهما، بالإضافة إلى السفينة “إنيرجوس وينتر” بطاقة 450 مليون قدم بميناء دمياط، و”إنيرجوس فورس” بطاقة 750 مليون قدم بميناء العقبة الأردني.
مخاوف على سعر الصرف
تسود مخاوف على الجنيه المصري من خروج أموال ساخنة خلال تعاملات الأحد، خاصة أنه سجل تراجعا ملحوظا مع تزايد إرهاصات الحرب، وعاود الدولار لكسر مستوى الـ48 جنيها لأول مرة منذ 7 أشهر.
رانيا يعقوب، خبيرة الاقتصاد وأسواق المال، ترى أن الدولار سيرتفع عالميًا على وقع الحرب، ومعه تتأثر عملات الدول الناشئة هبوطًا، مضيفة أن أسواق الأسهم ستتأثر على المدى القصير بموجات من البيع؛ نتيجة المخاوف وتخارج السيولة والتوجه إلى الملاذات الآمنة.
أضافت أن الذهب ستتجه إليه رؤوس الأموال في حالة الخوف وعدم اليقين، ومن المتوقع أن يستمر الذهب في الصعود سواء في الأسواق العالمية أو المحلية.
لكن بعض المحللين يرون أن وصول الاحتياطي الأجنبي إلى مستوى 52.6 مليار دولار، يمنح البنك المركزي مرونة كبيرة في إدارة سوق الصرف وتلبية احتياجات الاستيراد، لتغطية حوالي 9 شهور من الواردات السلعية، بما يؤمن احتياجات الاقتصاد لفترة تتجاوز المستويات المتعارف عليها دوليا (3.5 أشهر).
هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، مصرـ يقول إن معظم الأموال الساخنة التي دخلت مصر غير موجودة في احتياطي النقد الأجنبي.
أضاف خلال مداخلة مع قناة العربية أخيرًا، أن نهج البنك المركزي حاليًا يمثل تكرارا لما حدث قبل ذلك في عهد المحافظ الأسبق للبنك المركزي فاروق العقدة، عندما جرى تجنيبها حتى لا يكون لها تأثير عنيف على الاحتياطي في حالة خروجها.
ووفقًا لآخر بيانات صادرة عن البنك المركزي، استقبلت مصر استثمارات أجنبية بأذون الخزانة المحلية بنحو 29 مليار دولار خلال أول عام ونصف من تحرير سعر الصرف، ليتجاوز إجمالي رصيد الاستثمارات في هذه الأدوات 42 مليار دولار بنهاية يوليو الماضي.
إيرادات قناة السويس
المخاوف على الجنيه، تأتي أيضًا مع توقعات بتقلص إيرادات قناة السويس، خاصة بعد تهديد الحوثيين باستهداف السفن المرة بباب المندب، ما يعني تأثر الملاحة بالقناة مجددًا.
قالت شركة ميرسك الدنماركية للشحن، إنها ستعيد مؤقًتا توجيه بعض رحلاتها البحرية القادمة حول رأس الرجاء الصالح بعد مواجهة قيود غير متوقعة فى منطقة البحر الأحمر.
كانت ميرسك قد أعلنت العودة التدريجية لبعض خدماتها إلى العبور من قناة السويس، في خطوة تعتبرها أساسية نحو إنهاء عامين من تعطل التجارة العالمية؛ بسبب الهجمات التي شنتها جماعة الحوثي اليمنية على السفن في البحر الأحمر أخًيرا.
تسببت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، التي أضرت بحركة الملاحة في قناة السويس بخسائر تزيد على 9 مليارات دولار، بحسب تصريحات سابقة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي.
تأثر كبير على البورصات
انتقالًا من حركة الملاحة للبورصة، يقول محمد جاب الله، محلل سوق المال، إن مصر ليست بمعزل عما يحدث حولها، ومن الطبيعي أن يسيطر الهلع البيعي علي جلسة تداولات البورصة المصرية الأحد.
لكن جاب الله استدرك قائلاً: “لدينا نقطتان إيجابيتان، وهما أن السوق المصرية استبقت الأحداث بفترة، وبحجم هبوط كبير مسبقًا والنقطه الثانية، أن مصر ليست من دول المواجهة في الحرب بعكس بورصات الخليج، وبناءً عليه فإن أول الأسواق التي ستتعافى في المنطقة هي البورصة المصرية”.






