كثيرة هي الكتابات التي تصدرت مشهد الحالة الديمقراطية في بلدان العالم، وكثيرة هي الكتابات التي حظيت بدراسات مناطقية لتلك الحالات. بطبيعة الحال، سبق كل ذلك عديد الأدبيات التي قامت بتنظير وتأطير المسألة الديمقراطية، وذلك منذ أن أصبح لهذا المفهوم رواجا وتطبيقا على أرض الواقع في القرن الثامن عشر.

ولم تكن مصر منذ استقلالها عن الاستعمار الإنجليزي حالة شاذة أو شاردة عن واقع الجدل بشأن علاقة النظم الإقليمية بمسألة الديمقراطية. إذ راحت تلك المنطقة توغل في نقاشات عديدة وأحاديث وحوارات وسجالات وجدل كثيف، لا يقل عن سجالات قضيته المركزية المتعلقة بالصراع العربي- الإسرائيلي، بل لا نبالغ القول أن المسألة الديمقراطية-من حيث الشكل- تجاوزت الحديث عن هذا الصراع، بسبب تعدد أبعادها، وتناثر أطرافها، وارتباطها بروابط وثيقة بمسائل ومفاهيم أخرى كحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة والانتخابات وغيرها من أمور، إضافة إلى ذلك، فإن المسألة الديمقراطية- من حيث المضمون- ارتبطت هي نفسها بموضوع هذا الصراع، بسبب ربط البعض بين الديمقراطية وحل الصراع العربي الإسرائيلي.

حول هذا الموضوع نناقش مبررات تأجيل الاستحقاق الديمقراطي المصري خاصة، والعربي عامة في إطار الرغبة في التريث أو بالأحرى التلكؤ لتأكيده وممارسته على أرض الواقع.

الخوف من هيمنة التيارات الدينية

أبرز مناحي التذرع لإرجاء الاستحقاق الديمقراطي هو الخوف من هيمنة التيارات الدينية، والإسلامية منها تحديدا، على ناصية القرار، وذلك عبر الوثوب إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع، والخشية من استحواذ هذا التيار على السلطة، دون أن يقبل بالخروج منها. أبرز مثالين على هذا الوضع الحالة المصرية عام 11/ 2012، حيث خرج الإسلاميون من الحكم بما يشبه الفضيحة للجانب الإسلامي والجانب العلماني، فضيحة الجانب الديني ناتجة عن الاستئثار بالسلطة والسعي للاستحواذ والمغالبة وقهر الخصوم، حتى لو كانوا من السلفيين، أحد الوسائل المستخدمة هنا كان العبث بالقضاء واستغلال عوز الناخبين خلال الاقتراعات الرئاسية والنيابية والاستفتاء على الدستور، أما فضيحة الجانب العلماني المدعوم بكثافة من القوة العسكريتارية والراغبة في الوثوب، هو الآخر لناصية القرار، فكانت إخفاقه في مواجهة الدعاية الإخوانية التي اكتسبت صيتا عالميا قويا، بأن ما حدث يشكل انقلابا على الديمقراطية، ناهيك عن قيام هذا الجانب بأعمال مشابهة لأعمال الإخوان آنفة الذكر، المثال الثاني البارز وغير المكتمل هو الحالة الجزائرية، إذ تم القضاء على التجربة الديمقراطية التي نشأت عقب انتفاضة 5 أكتوبر 1988، حيث نشأت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بزعامة عباسي مدني وعلي بن حاج، وحازت على الأغلبية في انتخابات المحليات في 12 يناير 1990 والانتخابات البرلمانية في ديسمبر 1991، ما أسفر في النهاية عن إلغاء الانتخابات والعودة للمربع السابق، وسط تلك الحالتين هناك حالات أقل صخبا في الأردن على سبيل المثال، عاشت جماعة الإخوان المسلمين لسنوات مع السلطة في حالة كر وفر وتعايش وجمود، إلى أن انتهى الأمر بحظر السلطة الهاشمية للجماعة عام 2025، أي بعد سنوات من انفصالها عن الجماعة الأم في مصر عام 2016، وحلها بحكم قضائي عام 2020، وقد جاء قرار الحظر عام 2025 على خلفية دعم الجماعة المطلق لحركة حماس مع بدء أحداث حرب غزة، رغم أن الجبهة حصلت على 31 مقعدا في انتخابات مجلس النواب 2024 البالغ عدده 138 مقعدا.

الوحدة الوطنية وسيلة ثانية لإرجاء الديمقراطية

تعتبر ذريعة الوحدة الوطنية أهم وأبرز الذرائع التي وردت لإرجاء الاستحقاق الديمقراطي في مصر الستينيات وفي عديد البلدان العربية. فالناظر إلى الاحتكام للتنظيم الواحد مع تأسيس الاتحاد الاشتراكي عقب سنوات من حل الأحزاب السياسية، كان الغرض المعلن عنه في الميثاق الوطني، انكشاف القوى المعادية للثورة في الداخل. الناظر أيضا إلى الحالة المغاربية عقب استقلال كل من تونس والمغرب والجزائر، يدرك رغبة الحكام الجدد في تأجيل حق الشعوب تلك البلدان في اختيار حكامها، أو على الأقل رؤية الزعامات الشعبية التي نالت الاستقلال، وحظيت بدعم جماهيري واسع عشية خروج الاستعمار، لتوزيع المناصب الأمنية والحساسة في الدولة على أبناء وأشقاء وعشيرة الحاكم الجديد (حالة المملكة المغربية).

لقد ظلت حالة التلكؤ بوجود أمازيج وتركمان وكرد وشيعة وشركس ودروز وغيرهم وغيرهم من الثقافات والأعراق والنِحل والملل والطوائف أبرز حالات الرغبة في تأجيل الاستحقاق الديمقراطي دعما للوحدة الوطنية، لكن النتيجة كانت عكسية بالكلية، إذ تم إرجاء الاستحقاق الديمقراطي، وبقت مشكلات دمج هؤلاء في المجتمعات العربية على حالها، وزاد الطين بلة، أن قام الحكام المفترض، أنهم من العلمانيين، بتصعيد طوائفهم رغم كونها أقلية عددية، على حساب باقي الطوائف الغالبة (العلويين في سوريا تحت حكم الأسد الأب والابن أنموذج).

التذرع بالخصوصية نتاج آخر للتعثر الديمقراطي

ظلت الخصوصية واحدة من الحجج التي تساق دوما لتبرير الحكام لتأخير الاستحقاق الديمقراطي، وكأن الشعب العربي كتب عليه، أن يعيش في حالة من الاستبداد لكونه ينتمي إلى تلك المنطقة الجغرافية، أو لكونه ينتمي إلى الحضارتين العربية والإسلامية، فخلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك ظل الأخير يناور الولايات المتحدة التي كانت تسعى لابتزازه بالمسألة الديمقراطية والحقوقية؛ سعيا لتحقيق أهداف كثيرة ذات طابع خارجي، غالبا ما ارتبطت بالصراع العربي الإسرائيلي، هنا لم يكن رد فعل نظام مبارك، سوى أن الغرب لا يعرف خصوصية الشعب المصري، وكأن هذا الشعب قد كُتب على وجهه أن يحكم بالطوارئ أو بفتح السجون، وقد ظلت تلك الأوضاع قائمة، بل كادت تفضي إلى توريث الحكم، إلى أن قامت أحداث 25 يناير 2011 التي أطاحت به، وفي الخليج، وربما في المملكة العربية السعودية تحديدا، تم إرجاء الاستحقاق الديمقراطي بدعوى الشورى، ومعها استشرى النظام الملكي بشكل غير دستوري (ملك يملك ويحكم)، بل أن هذا النظام سعى مرارا لإسقاط التجربة اليافعة في الدولة الجارة له أي الكويت؛ خشية من عدوى المحاكاة، وحتى عندما جنح ناحية مَديِنَة الحكم بمحاكاة الثقافة الغربية في العقد الأخير، قضى على المعادلة التي نشأت عليها المملكة بمنح آل الشيخ السلطة الدينية وآل سعود السلطة السياسية، فاستأثر منذ أقل من عقد بالجانبين معا، حتى في منطقة الحرمين الشريفين، مكة والمدينة، وقيد بشكل كبير من حرية الرأي والتعبير، والتخلص من الخصوم في الخارج، والتنكيل حتى بأعضاء الأسرة المالكة بحجة عدم دفع الضرائب، في سوريا تحت حكم الأسد الأب والابن، والعراق تحت حكم صدام ظلت البلاد تعيش حالة من حالات الاستبداد المريع وحكم الفرد، كما في العصور الوسطى ولربما أشد، وكله تم تبريره بالخصوصية، وإن كان تأديب الخصوم، واستغلال الهيمنة على مصادر القوة المسلحة هو السبب في بقاء جمهوريتي البعث- جمهوريتي الخوف والفزع.

الصراع العربي- الإسرائيلي أبرز وسائل تأجيل الديمقراطية

إضافة إلى ذلك، كان الصراع العربي الإسرائيلي من الذرائع المهمة التي منع الحكام العرب شعوبهم من نيل الاستحقاق الديمقراطي، فالرغبة في التفرغ للقتال، وعدم التحزب، ومواجهة الخصوم الذين يمكن للعدو الصهيوني زرعهم بين الناس، وشد الهمم عوضا عن التفرغ للصراعات الحزبية خاصة، والسياسية عامة، كلها أسباب مرد الحكام العرب على ترديدها كسرديات لإرجاء الاستحقاق الديمقراطي، وتبرير بقائهم في الحكم، دون أي عمل يفضي لتداول السلطة، ولعل المفارقة الكبيرة في تلك الرواية ترتكز على أمرين. أولهما، أن الحكام- خاصة في مصر ودول الطوق العربي- بقوا قابعين ومتمترسين خلف سلطانهم وكراسيهم وصولجانهم، وبلدانهم بقت تُنهب من العدو الصهيوني بلدا تلو الآخر. الأمر الثاني، هو أن العدو المقصود بالمواجهة هنا، وهو الكيان الصهيوني، الذي يُفترض أنه يواجه أمة بأثرها تتألف من أكثر من عشرين بلدا عربيا، ظل يواجهها ولم يحكم كيانه بطوارئ أو يرجئ انتخابات أو بحكم بالمراسيم أو يقيد الحريات العامة، على الأقل بالنسبة لليهود والمؤمنين بالعقيدة الصهيونية المقيمين كمستعمرين لتلك البقعة العربية.

أولوية الإصلاح الاقتصادي على الإصلاح السياسي

انتقلت جدلية أولوية الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي كالنار في الهشيم داخل البلدان العربية، إذ كان هناك الكثير والكثير من الأفعال والتصريحات التي حملت الرغبة في تفعيل الاستحقاق الديمقراطي، لكن بعد الاستحقاق التنموي، ولعل الغريب في تلك الرواية أو الذريعة، أن الاستحقاق الديمقراطي لم يكن مكلفا على الإطلاق، حتى يمتنع الحكام عن تطبيقه، فحق الحياة وحق الرأي والتعبير، وحق العمل والانتقال والاتصال، وحق التملك والانتخاب وغيرها وغيرها من حقوق، لن تكلف خزينة الدولة شيئا، على عكس استحقاق التنمية الاقتصادية الذي يحتمل أن يكون مُكلفا وغير سهلا على الإطلاق، كونه يرتبط بالضرائب والتجارة والدعم والاستثمارات والريوع وغيرها، مصر كانت وربما لا زالت تعيش تلك الأجواء، فمنذ عهد مبارك ظلت الدعاية لتحقيق الإصلاح الاقتصادي فوق كل صوت ينادي بالإصلاح السياسي، وكانت النتيجة أنه تم بيع القطاع العام بأبخس الأسعار وبطرق ملتوية وفاسدة من ممالئي وزبائن النخبة الحاكمة، قبل حراك 25 يناير 2011، وهيمنة أجهزة الدولة السيادية على مقدرات الاقتصاد عقب حراك 30 يونيو 2013. وفي الحالتين كان الخطاب الدعائي هو تحقيق التنمية الاقتصادية، وقد انتهى الأمر بفورة في المديونية الخارجية وتعثر الميزان التجاري وانخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، وفوق كل ذلك تعثر عملية التحول الديمقراطي والحقوقي. 

وللحديث بقية