تناول مقال الأسبوع الماضي علاقة “جيل زد” بالمسألة الدينية، وأُعَرِج هنا على تأثير الإنترنت كفضاء اجتماعي ومعرفي بديل على الجماعات السياسية الإسلامية، وهنا أقول إن الجماعات السياسية الإسلامية قد اعتمدت ردحًا من الزمن على الطرق التقليدية في بناء تنظيماتها، أو مجتمعها الخاص، واستعملت في هذا ما تملكه من مصادر معرفية قائمة على الوعظ المباشر لخطبائها، وتوزيع كتب يؤلفها قادتها، وبعضها يحوي نصوصها المؤسسة وأدبياتها الأساسية، وهناك بالطبع إحالات إلى كتب تراثية، حيث الآراء الفقية والتأويلات التي تقتطف منها، ما يخدم مسارها السياسي الراهن.

وتصرف قادة التنظيمات، ومن يليهم في هيكلها الإداري مع الأتباع أو الأعضاء، على أنهم أشبه بمادة استعمالية لتعزيز وجود التنظيمات، ووزنها الاجتماعي، وقدرتها على التأثير السياسي، وما داموا حددوا لهم الهدف، فلا بد لهم من أن يعملوا له مخلصين، وما داموا اختاروا لهم الأساليب فعليهم الالتزام بها، وجرى هذا على أساس القاعدة الراسخة لديها، بأن “القيادة تعرف أكثر”.

وفي ركاب ذلك الهدف، وتلك الأساليب، وهذا المساق التدريسي، الذي هو أقرب إلى التعاليم منه إلى التعليم، صنعت هذه الجماعات نسقًا معرفيًا مغلقًا، وطوقت به عقول أتباعها، فصاروا يرون من خلاله الآخر، سواء كان يعيش معهم في الدولة الواحدة، أو كان يقع خارجها حيث البشر في الغرب والشرق.

 واقتصر الأتباع على هذا النسق، بعد أن تم تسويقه إليهم، على أن فيه الكفاية والكفاءة والنجاعة، وتم على التوازي تسفيه الأنساق الفكرية المغايرة التي تنتجها النخب العربية، يسارية كانت أو ليبرالية، بل تم التقليل من قيمة النسق الديني المختلف الذي تصنعه تصورات علماء الدين، سواء كانوا ينتمون إلى المؤسسات الرسمية، أو يعظون من خارجها.

وكانت فرص أتباع هذه الجماعات في الاطلاع على ما ينتجه غيرها قليلة، في وقت كانت فيه الكتب والصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون هي المصادر البديلة لديهم للمعرفة، لا سيما أن كل هذه المصادر كان يرميها قادة الجماعات بالانحياز إلى سلطة تناهض “التصور السياسي الإسلامي”، أو يرونها فضاء من التعبير عن آراء مثقفين مخلصين لثقافة وافدة، أو لا يشغلهم العمل من أجل نصرة الإسلام. ولم تسلم من هذا الاتهام الذي يرمونه مناهج التعليم الرسمي المتهمة منهم بالتغريب أو على الأقل عدم الاعتناء برؤية الإسلام، ولا القوانين التي يصفونها بالوضعية أو البشرية.

لهذا كان أتباع الجماعات السياسية الإسلامية، وعلى مدار عقود، يتبارون في دراسة المنهج التعليمي أو التثقيفي الذي حددته القيادة، ويتخذون من النصوص المؤسسة إطارًا مرجعيًا، أو أيديولوجية، كرسائل حسن البنا ومذكراته، وكتب سيد قطب خصوصًا “معالم في الطريق” و”في ظلال القرآن” عند جماعة الإخوان المسلمين، و”الفريضة الغائبة” لمحمد عبد السلام فرج لدى تنظيم الجهاد، و”ميثاق العمل الإسلامي” عند الجماعة الإسلامية.. إلخ.

وجاء الإنترنت ليقلب الطاولة على كل هذا، إذ أتاح في يسر مصادر معرفية غزيرة ومتنوعة ومطروحة في كل وقت أمام أتباع هذه الجماعات، وهي في الوقت نفسه أقل خضوعا لرقابة قادتها، وأقوى من قدرتهم على مسايرة ما يعرضه أو دحضه وتبديد أثره تمامًا، لا سيما لدى “جيل زد” الذي شب عن الطوق في ركاب هذه الثورة الرقمية الرهيبة.

وأتاحت مواقع التواصل الإلكتروني فرصًا لتوسيع الحيز الاجتماعي لهؤلاء الأتباع، بعد أن كان مقتصرًا على دوائرهم المغلقة، ويتماس خفيفًا مع دوائر خارجها في رحاب المجتمع، حيث الجماعات الرئيسية والثانوية التي يختلطون بها في أماكن العمل والدراسة والسوق.

فالطبيعة الشبكية للاتصال الإلكتروني خلقت دوائر اجتماعية، تتناسل بلا هوادة في العالم الافتراضي، ولا فكاك لدى أتباع الجماعات السياسية الإسلامية من متابعتها، أو التعرض غير المتعمد لاقتحاماتها المتوالية، والتي راحت ترسب أفكارًا ومعاني وتصورات مغايرة لتلك التي يعتنقها هؤلاء، سواء اكتفوا بالاطلاع عليها أو تفاعلوا معها بدرجات متفاوتة.

هنا بدأت آلية “االارتشاج” التي تعرفها مساقات التنشئة الاجتماعية والسياسة تواصل عملها بهدوء في أذهان أتباع هذه الجماعات ونفوسهم، مستمدة تأثيرها من أنها طوعية الطابع، وليست مفروضة قسرًا، وبذا أخذ هؤلاء، شيئًا فشيئًا، يعرضون ما كانوا يؤمنون به من أفكار على ما يتلقونه من معارف، تتيحها الشبكة العنكبوتية، وهو تحدٍ كبير لم يكن موجودًا لدى الأتباع القدامى المنتمين إلى أجيال سابقة على زمن الإنترنت.

ومن الطبيعي، أن يكون “جيل زد” الأكثر تعرضًا لأفكار مغايرة لتلك التي تتبناها جماعات سياسية إسلامية، ومن هنا يكون أكثر استعصاء على الجذب والتجنيد الذي تمارسه بلا انقطاع، لتجدد وجودها الاجتماعي والسياسي.

وإذا كانت هذه الجماعات تواجه ذلك التحدي بتكثيف نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإطلاق مواقع معبرة عنها على شبكة الإنترنت، ووضع كتبها متاحة بالمجان عليها، والإسراع في الرد على خصومها في السياسة والفكر، فإنها لا تحظى في كل هذا بالقدرة نفسها التي كانت تحوزها أيام الإعلام التقليدي، وفي ظل علاقات الوجه للوجه التي كانت قائمة من قبل.

وإذا كانت هذه الجماعات قد كيفت طرقها الدعوية والإعلامية لاختراق “جيل زد” عبر مواقع “فيسبوك” و”إكس” ومنصات “يوتيوب” و”تيك توك” و”إنستجرام”، عبر خطاب قصير عاطفي، لتعويض ما فقدته من قواعدها التقليدية، فإنها تجد صعوبة في السيطرة على أذهان هذا الجيل، لحريته في البحث والاختيار، وغزارة المواد المضادة التي يطرحها آخرون، سواء من قصدوا مواجهة الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية، أو من يطرحون خطابًا مختلفًا، يساري أو ليبرالي النزعة.

فقدرة منصات مثل “إخوان أونلاين” و”إخوان يوتيوب”، وكذلك المدونين وصناع المحتوى الفرادى، ممن يعتنقون فكر هذه الجماعات، وكذلك قدرة ما أطلقته المواقع السلفية والتابعة لمختلف الجماعات السياسية الإسلامية، على الاستئثار بالحيز الإلكتروني واسع الأرجاء، تبدو محدودة، ولا تحقق الأهداف نفسها التي كانت تبلغها من قبل في ظل الإعلام التقليدي، ومع العلاقات الإنسانية المباشرة.

ومهما بذلت هذه الجماعات من جهد في عرض أفكارها الرئيسة من خلال وسائل جاذبة ومحفزة، أو مجاراة “جيل زد” عبر تبني قضاياه، فليس بوسعها أن تنافس ما هو معروض من الآخرين، سواء أنتجه الجمهور العام النشط على مواقع التواصل الاجتماعي، أو صنعته السلطات السياسية المواجهة أو المتصارعة مع الجماعات السياسة الإسلامية، أو أنتجه المفكرون اليساريون والليبراليون، أو حتى الإسلاميون غير العاملين لحساب هذه الجماعات، أو منتمين إليها.

فجهات كثيرة باتت منتبهة إلى المحتوى السياسي الإسلامي على الإنترنت، وتعمل على مواجهته أولًا بأول، سواء من خلال الطرق الناعمة المتمثلة في إنتاج مواد مضادة، أو الطرق الخشنة التقليدية التي تتبعها السلطات السياسية في بلدان عديدة للتضييق على هذا المحتوى وحصاره. فكلا الأسلوبين يقودان في النهاية إلى التقليل من تأثير الاستمالة الهادئة التي تقوم بها جماعات الإسلام السياسي للشباب واليافعين.

وإذا كانت هذه الجماعات قد ابتعدت عن الجغرافيا التي تسيطر عليها أنظمة حكم تناصبها العداء، محاولة استقطاب شباب مسلم يقيم خارج العالم العربي، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة، فإن سلطات هذه الدول لم تترك لها الفرصة، فوجدنا السلطات الأمنية الفرنسية تحذر من تعزز نفوذ الإخوان على شبكة الإنترنت مستهدفة الشباب الفرنسي، وهناك أكثر من أربعمائة تحقيق قضائي في قضايا، تتعلق بالإرهاب في فرنسا، ووجدنا السلطات الألمانية تحظر في نوفمبر 2025 منظمة “مسلم إنتراكتيف”، وتصادر أموالها، وتغلق حساباتها على بعض منصات التواصل الاجتماعي، ثم تداهم مقار منظمتي “جينيريشن إسلام” و”رياليتي إسلام”، المتهمتين بالارتباط بـ “حزب التحرير الإسلامي”، وسجلت السلطات في كل من بلجيكا والنمسا وسويسرا نشاطًا لجماعات متطرفة عبر منصة “تيك توك” منذ أكتوبر 2023، لاستهداف شباب منتمين إلى “جيل زد”، من بينها تنظيم “داعش”، وعملت على تعقبه وإيقافه.

وإذا كانت شبكة الإنترنت قد أتاحت للجماعات السياسية الإسلامية الدخول إلى “جيل زد” من النوافذ التي يقف خلفها، ويجيد النظر منها، فإنها في الوقت نفسه سهلت على السلطات التي تخاصم هذه الجماعات أو تتعقبها، لأسباب عديدة، أن تصل في سهولة إلى كل المسارب التي تفتحها أمام هذا الجيل؛ كي يدخل منها، وينضم إلى صفوف هذه الجماعات.

وقد ساهمت هذه الشبكة في إفقاد هذه الجماعات قدرًا من سريتها في التلقين والتعبئة والتجنيد، فمهما تكتمت وقامت بتعقيد شفراتها، فإنها لن تتغلب في هذا على أجهزة أمنية متعاونة عبر الدول، بل إن هناك محترفين مستقلين ضمن “جيل زد”، قادرون على فك هذه الشفرات، ومهما غلفت هذه الجماعات خطابها بدعايات، تتبنى فيها قضايا هذا الجيل، فإن لديه مُكنة تخليص هذه الخطابات من الكثير من ألوان الدعاية التي يستخدمها صانعوها.

فالحقيقة الظاهرة أن “جيل زد” نظر إلى المسائل الإسلامية عمومًا من نوافذ غير تقليدية، وسمع عن الجماعات التي تطرح ما تصفه بـ “المشروع الإسلامي” من خلال خصومها، أكثر مما سمع من دعاتها ووعاظها، وقد جرى كل هذا، بينما كانت هذه الجماعات منشغلة، بما ترتب على صدامها المستمر مع أنظمة الحكم.

وفي ورقة لمركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية بعنوان “جيل زد والحركات الإسلامية: بين النفور والانجذاب.. نحو استعادة الجسر المفقود بين التدين والتغيير”، تبين أن “جيل زد” من الصعب امتثاله للأساليب التقليدية التي تنتهجها الجماعات الإسلامية، ولا يمكن إنكار شعوره بخيبة أمل، حيال ما انتهت إليه، حين وضع خطابها العاطفي الجذاب أمام اختبار حقيقي في أرض الواقع، وكيف رأى أن هذه الجماعات عالقة في الماضي، بينما عليه هو أن يصنع المستقبل.