مشكلة بلادنا ليست في الشعوب، مشكلة بلادنا في النخب، بصائر الشعوب كانت وما زالت هي المناعة والحصانة التي تحمي كينونتنا من أن تتسلل إليها عوامل الفناء النهائي، بينما ضمائر النخب منها ما هو حي يقظ حساس، ومنها ما قد أصابه العفن من بعد ما أدركه الوهن، الشعوب في مجملها أمينة مع هويتها، مخلصة لأوطانها، حفيظة على تراثها، وفية لمبادئها، مستعدة للتضحية دون مقابل إلا سلامة الأوطان وعزتها، ترى ذلك واضحاً في كافة محطات الصراع الحديث منذ غزو نابليون بونابرت لمصر والشام وحتى غزو أمريكا في ربع القرن الأخير لأفغانستان والسودان والعراق وليبيا واليمن وسوريا وإيران، وبين الغزوين الفرنسي والأمريكي جرت استباحة بلادنا قاطبةً في موجتين: موجة الاستعمار الأوروبي الذي لم يترك شبراً لم يدنسه، ثم موجة الصهيونية التي تمثل منذ قرن ونصف قرن أخطر موجات الاستعمار منذ الموجتين الصليبية، ثم المغولية قبل تسعة قرون.
الفاسدون فساداً أكيداً في صفوف النخب هم الأقلية، من الناحية العددية قليلون جداً، لا يمثلون رقماً كبيراً بالنسبة إلى مُجمَل خريطة النخبة بتضاريسها سواء من مثقفين أو أكاديميين أو إعلاميين أو قانونيين أو رجال بيزنس أو صحفيين أو رجال دولة وسياسة سابقين أو حاليين أو رجال دين أو فنانين إلى آخره، عدد الفاسدين من كل أولئك قليلون جداً، لكن المشكلة ليست في العدد، لكنها في عدة أمور:
1 – أولها: نوعية المناصب ومراكز المسئولية ومواقع التأثير التي يتم إسنادها لهم، فعشرة إعلاميين فاسدين لديهم عشرة برامج مهمة في قنوات عالية الإمكانات واسعة الانتشار سخية التمويل، هم عدد كاف جداً للقيام بالتضليل والتطبيل المراد، بما يفوق جهد عشرة آلاف من الإعلاميين الممتازين، لكن دون أدوات، ومن ثم، فإن العشرة فقط بكل سوءاتهم يتفوقون على العشرة آلاف بكل حسناتهم، وهذه هي طبيعة العصر حيث التكنولوجيا مهمة، ومن ثم، فإن التمويل مهم وبدون إمكانات تكنولوجية رفيعة المستوى وبدون تمويل شديد الثراء والسخاء، فلن تستطيع النخب الشريفة، أن تنافس أو تواجه أو تحظى بتأثير كبير، كل ما تستطيعه النخب الشريفة هو البقاء على قيد الحياة، ومزاولة رسالتها قدر ما تستطيع.
2 – ثانيها: وهذا هو الأهم مما سبق، أن هؤلاء العشرة وأمثالهم، ربما يكونون عدة أمثال هذا الرقم، هم فقط من تُتيح لهم السلطات أبواب الولوج إلى المعلومة من مصادرها، بينما تحجبها عمن سواهم، هذا الامتياز لا يعرف خطورته إلا أهل المهن الصحفية والإعلامية والثقافية والفكرية والأكاديمية والقانونية على وجه الخصوص، فكل هذه مهن نخبوية تلعب المعلومة الصحيحة من مصادرها الموثوقة فيها دوراً مهماً، فمن يحصلون على المعلومة في وقتها يكونون في قلب الحدث، ومن لا يحصلون عليها يكون مآلهم التهميش، ثم الإقصاء ثم الاستبعاد الكامل من حلبة الصراع الاجتماعي، المعلومة هنا قوة، فمن يحصل عليها قوي، ومن يتم حرمانه منها ضعيف، هنا توزيع مصادر القوة على عدد قليل من الأتباع الفاسدين كاف ليرفعهم مكاناً ومكانة، فيزداد تأثيرهم بما يفوق تأثير الأغلبية الشريفة، هنا لا يكون الفاسدون مجرد أقلية عددية ذات تأثير كبير وانتشار واسع، لكن يرتقوا إلى ما هو أكبر، يرتقوا ليكونوا- رغم قلة عددهم- طبقة مسيطرة على كل من سواهم سواء من جمهور أو نخب.
ثالثها: أن صناعة أقلية فاسدة من صفوف النخب لم تعد عملية عفوية، إنما صارت استثماراً منظماً، يتم الانفاق عليهم مع رعايتهم وكفالتهم وإعادة تشكيل نسيجهم العقلي والضميري والروحي والشعوري، بحيث يتخلصون تماماً من فرادتهم الإنسانية التي خلقهم الله عليها، ثم يتحولون إلى كائنات من نوع خاص، لهم قوام البشر وشكل البشر، لكن لهم تركيبة عصبية باردة تتحمل الضغط، كما تتحمل الإهانة كما تتحمل كافة صنوف الازدراء الاجتماعي، لا يتوقفون قليلاً ولا كثيراً عند احتقار مجتمعاتهم لهم، عندهم من كثافة الأعصاب وتبلد الشعور، وبرود رد الفعل ما يجعلهم يتقبلون أو لا يُبالون بالضريبة الاجتماعية التي يدفعونها في شرفهم الاجتماعي، في مقابل ما يحظون به من شرف المناصب وعلو المسئوليات وقوة النفوذ النابع من التبعية لمراكز السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
رابعها: في مثل بلادنا، ومثل شعوبنا، فإن استعداد النخب الدينية بالذات؛ لتكون جزءاً من آلة التحوير والتضليل والتطبيل العام، هو أخطر ما في الموضوع، حيث الفتاوى تصدر بالتوجيهات، وحيث الخطب والدروس والمواعظ الدينية يتم التحكم فيها وتوجيهها من المنابع، فتفقد عفويتها، كما تفقد حرارة مخاطبتها للعقول والقلوب، ويتحول بها الدين إلى خطاب اصطناعي؛ لتبرير ما في الواقع من قبح وما في المجتمع من مظالم وما في السياسة من طغيان، هذه النخب الدينية التابعة لمراكز السلطة والمال لعبت وما زالت تلعب دوراً شديد السلبية في الربع قرن الأخير، فمن السهل تنصيب الهواة دعاة إلى الله، مهما كان علمهم قليل، تناتيش متناثرة، بعض آيات من هنا، وبعض أحاديث من هناك، ثم يتم تضخيم الداعية المصطنع عبر الإمكانات الهائلة للمنصات التي تتولى تسويقه، والجهات ذاتها التي صنعت وتصنع الدعاة الهواة، حيث الضجيج الفارغ دون معنى ولا جدوى، كذلك هي الجهات التي تصنع الدعاة المضادين، دعاة التنوير الزائف، نجوم الحداثة القشرية، وينشغل المجتمع الضائع بين هؤلاء وأولئك، ويظن أن بينهم فروقاً، ولا يدري أن كلا الفريقين وجهان لمهمة واحدة هي التضليل العام للوعي والعقل والضمير.
خامسها والأخيرة: ليست السلطات المحلية فقط هي من تستثمر في صناعة نخب فاسدة، لكن ذلك أصبح سوقاً واسعة وملعباً مفتوحاً، تتنافس فيه سلطات إقليمية ودولية. النخب الفاسدة ضرورة وأداة مهمة، لا يستغني عنها أي طرف إقليمي أو دولي له مصالح، يسعى لحمايتها وتأمينها في بلادنا، لقد كان نابليون بونابرت من الذكاء، بحيث سعى لاجتذاب أبناء المماليك للدراسة في فرنسا، لعلهم يكونون سنداً للمشروع الاستعماري الفرنسي بعد عودتهم، وقد كان هو من لفت انتباه الإنجليز لهذه الوسيلة في تصنيع متعاونين من النخب المحلية بعد إعادة تشكيل وعيهم في معاهد العلم البريطاني، ثم توسعت أمريكا بإمكاناتها الجبارة في خلق نخب محلية في كل بلد في العالم لها إما ولاء لأمريكا أو تعاطف أو استعداد للتعاون أو عملاء صريحين واضحين، وكانت في ذلك تنافس الاتحاد السوفيتي على الجانب الآخر طوال ما يقرب من نصف قرن، هو عمر وتاريخ الحرب الباردة بينهما حتى سقط الاتحاد السوفيتي عند مطلع العقد الاخير من القرن العشرين، الاتحاد السوفيتي دخل أفغانستان بعملاء من أهل البلاد 1979، ثم أمريكا دخلت أفغانستان بعملاء من أهل البلاد 2001، أمريكا دبرت الانقلاب على حكومة مصدق الوطنية 1953 بمساعدة عملاء من داخل البلاد، ثم هي تسعى اليوم لإسقاط النظام الحاكم في إيران بخليط من الغزو العسكري وتحريك العملاء معاً.
أخطر ما يواجه الوعي العام في البلدان الفقيرة هو تنافس القوى الغنية على توظيف بعض النخب المحلية وفق أجندات لا تحمل الخير لشعوب هذه البلدان.






