مع إعلان الكتلة الديمقراطية السودانية عن رؤيتها لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، مقترحة توزيع مقاعده وفق معادلة تمنح 40% للمدنيين، و25% لأطراف سلام جوبا، و20% للعسكريين، و15% لبقية القوى المدنية من مجتمع مدني وإدارة أهلية ورجال دين، يبدو الجدل السوداني الواسع بهذا الشأن لا ينقطع بل أنه امتد من أروقة الأحزاب إلى منابر النقاش السوداني العام، والحقيقة أن هذا الجدل ليس طارئا، فهو صدى لأزمة بنيوية أعمق وأقدم، تعود جذورها إلى 2019.
وهنا ثمة سؤال أكثر إلحاحا مما إذا كانت النسب عادلة أو النظام الأساسي متكاملا: هل يمكن لمجلس تشريعي يتم تعيينه في خضم حرب طاحنة، أن يؤسس استقرارا سياسيا ممتدا؟
في هذا السياق، يتشكل الجدل السوداني حول المجلس التشريعي وفق ثلاثة مستويات متداخلة، مستوى وظيفي يشهد اتفاقا شبه عام على أهمية المجلس مع اختلاف حول توقيته في ظل الحرب، ومستوى آخر تتمحور فيه المخاوف حول احتمال أن يظل المجلس ذراعاً تشريعية للسلطة التنفيذية لا رقيبة عليها، ومستوى سياسي ثالث تدور فيه حرب المحاصصة والنسب التي تعيد إنتاج أزمة 2019 ذاتها بمكوّنات مغايرة، ذلك أن الوثيقة الدستورية قد نصت علي على إنشاء مجلس تشريعي انتقالي، ولكن الخلافات المتكررة حول ترشيحات ومحاصصات عضوية المجلس كانت أحد أسباب لإخفاق تشكيله منذ 2019، إلى جانب غياب الإرادة السياسية الحقيقية للقوى السياسية بشأن التوافق.
على أية حال، التعديلات الدستورية الأخيرة على الوثيقة الدستورية منحت مجلس السيادة صلاحية تعيين رئيس الوزراء والوزراء وحكام الولايات والقضاة، وقد استُعيض عن المجلس التشريعي طوال السنوات الماضية بترتيب اجتماعات مشتركة بين مجلسي السيادة والوزراء لممارسة السلطة التشريعية.
في هذا السياق، تطرح الكتلة الديمقراطية تكوين المجلس التشريعي، باعتباره “ضرورة وطنية عاجلة”، كما يتم بلورة استراتيجية مزدوجة: من جهة بناء شرعية مؤسسية للسلطة القائمة، ومن جهة أخرى تقديم السودان للمجتمع الدولي بوصفه يسير نحو التحول المدني.
في هذا السياق، يتم تجاهل تحديات أساسية منها، أولا أن السلام الدائم يستوجب بداية وقف إطلاق النار، ثم تأسيس حكومة انتقالية تنبثق من عملية دستورية لا معادلة توزيع مقاعد تحددها موازين القوى الراهنة الناتجة عن تحالفات الحرب لا غير..
ثاني هذه التحديات، أن السلطات السودانية كما يقول الواثق كمير تعتزم ممارسة التشريع عبر الاجتماع المشترك القديم ذاته، مما يدل على غياب الإرادة الحقيقية في إرساء المجلس التشريعي الذي تقترحه الكتلة الديمقراطية.
ثالث التحديات، فهو مسألة توزيع كيف يتم تمثيل ممثلي دارفور وكردفان في مناطقهم، ذلك أن أطراف سلام جوبا التي تمثل ربع المقاعد في طرح الكتلة الديمقراطية، تقع أقاليمها في معظمها تحت سيطرة الدعم السريع، مما يجعل نسبة الـ25% تمثيلا لسلطة في المنفى في أحسن أحوالها، ومحاصصةً للانتماء لا للتمثيل في أسوأها.
كما أن القوى المدنية التي كانت في صميم ثورة 2019 باتت مشتتة بين الشتات الخارجي والداخل المحاصر، مما يحوّل نسبة الـ40% المخصصة لها إلى رقم افتراضي، يحتاج إلى بنية تنظيمية حقيقية، حتى يتحول إلى تمثيل فاعل لا إلى واجهة لتوزيع الحقائب.
والأشد خطورة في تقديرنا، ليس المعارضة الخارجية للكتلة، بل الشروخ الداخلية في معسكرها الخاص. فقد أعلن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل الذي هو من أبرز مكوناتها رفضه المشاركة في المشاورات، معتبرا أن بعض أطراف اتفاق جوبا تسعى للانفراد بتحديد شكل السلطة الانتقالية، وطالب الحزب بتصحيح المسار التشاوري “الخاطئ”، في مشهد يثبت أن حتى أطراف “دعم الجيش” لا تملك رؤية موحدة.
وقد يكون من الضروري استدعاء خبرات وتجارب مماثلة، حيث أوجد اتفاق جوبا لجنوب السودان مثلا جمعية تشريعية معيّنة، بلغت 550 عضواً، غير أن لجنة الرصد أفادت في أكتوبر ٢٠٢٥ بحدوث انتهاك لترتيبات تقاسم الصلاحيات في جميع الهيئات بما فيها السلطة التشريعية.
وقد انتهى المطاف بالمشهد في جنوب السودان إلى مواجهات مسلحة متجددة في مطلع 2026، ووجود إمكانية حاليا لتقسيم جنوب السودان، فيما يعرف بجمهورية النيل، وهو أمر يُثبت أن الهيئات التشريعية المعينة بمنطق المحاصصة، تفقد وظيفتها فور انهيار التوافق السياسي حتى ولو كان برعاية دولية.
السؤال الأجدر بالطرح: ليس هل يجب أن يوجد هذا المجلس؟ بل كيف يوجد بحيث لا يولد ميتا.
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي إرادة سياسية سودانية حقيقية، تتجاوز حسابات المحاصصة، ودعما دوليا وإقليميا منسقا، يفرض تكاليف حقيقية، على أطراف تُهندِس محاصصة ناتجة عن الحرب، وليس عن تمثيل سياسي واقعي، يقود السودان نحو استقرار ممتد، بات مطلوبا بإلحاح للمصالح السودانية والإقليمية معا.
وهكذا فإن أي مجلس تشريعي يتم إنشاؤه قبل هدنة موثوقة، سيجد نفسه حاكما على رقعة جغرافية لا على دولة، ومتنازعا عليه من الداخل، قبل أن ينجز تشريعا واحدا، كما أنه ليس ضمانا كافيا للاستقرار السياسي المطلوب بشدة في المشهد السوداني.






