بتاريخ 16 فبراير أحال مجلس النواب المصري مشروع قانون الإدارة المحلية المقدم من النائب/ محمد عطية الفيومي، وكيل لجنة الإدارة المحلية، إلى لجنة الإدارة المحلية للدراسة والمناقشة. وبحسب ما تم نشره عن ذلك المشروع، فإنه يتضمن أحكامًا خاصة بالعاصمة الإدارية، إضافة إلى أحكام جديدة ومستحدثة عن اختصاصات المحافظات والوحدات المحلية، حيث يعيد تنظيم مستويات الإدارة المحلية، وكيفية تنظيم اختصاصاتها، ومدتها وكيفية انتخابها.

وقد كان من الأوجب أن يتم استصدار قانون الإدارة المحلية، ويتبعها انتخابات المحليات خلال فترة خمس سنوات، بحسب نص المادة 242 من الدستور المصري، والتي تنص على أن: يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم، إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه في الدستور تدريجيا خلال خمس سنوات من تاريخ العمل به، ودون إخلال بأحكام المادة 180 من الدستور، إلا أن الحكومة المصرية وبرغم تعاقب مجلس النواب لم تشرع قانون الإدارة المحلية، وكأنها تتعمد مخالفة صريحة لنصوص الدستور، ذلك على الرغم من أهمية نظام الحكم المحلي أو الإدارة المحلية، أو ما يمكننا قوله بشكل علمي اللا مركزية.

ويعد نظام اللا مركزية الإقليمية من أهم الأنظمة الإدارية والسياسية لإدارة شؤون السكان في الوحدات الإدارية في الدولة الحديثة، مما جعل أكثر دول العالم تأخذ به، وتعمل على تحديثه بين الحين والآخر، ولا يمكنها الحياد عنه لما يشكل من أهمية قصوى في تعميق الديمقراطية وإحداث تنمية محلية، وخلق تنافس بين الوحدات الإدارية لسد احتياجات السكان المحليين بأفضل الطرق والاستثمار الأفضل لمدخراتها ومواردها المحلية، وقد ارتبط نظام اللا مركزية الإقليمية بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتطور وظائف الدولة، مما جعل الدول تعمد إلى نقل وظيفتها الإدارية والسياسية من الهيئات المركزية في العاصمة إلى هيئات محلية منتخبة وإصدار التشريعات لتنظيمها وحمايتها، وإطلاق العنان لها في التنظيم الإقليمي للإدارة والسلطة، وتفرغ الهيئات المركزية للمهمات الجسيمة في ظل نظام العولمة، كما أن مفهوم اللا مركزية الإقليمية لم يعد ذلك الذي ينظر إليه بعض فقهاء القانون العام بأن اللا مركزية الإقليمية، هي صور اللا مركزية الإدارية، حيث أصبح ذلك اتجاهاً كلاسيكياً: أما اليوم فينظر في ظل التطور الإداري والعلمي للنظم الإدارية عالية التقنية والاستثمارات العالية والواسعة من ناحية، وإلى تطور الأنظمة السياسية للدول والتطور التقني السريع، جعلت من اللا مركزية الإقليمية نظاماً متميزاً وإدارياً وسياسيا، يضمن بما لا يدع مجالاً للشك الحلول الاستراتيجية لإحداث التنمية بكل أشكالها المختلفة.

وقد عبرت عنه اللجنة المعنية بالحقوق السياسية في تعليقها رقم 25، بأن إدارة الشؤون العامة المشار إليه هو مفهوم واسع، يتعلق بممارسة السلطة السياسية، وعلى وجه الخصوص، السلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية؛ وهو يشمل شتى أوجه الإدارة العامة، كما يخص تحديد وتنفيذ السياسة العامة التي ستتبع على الأصعدة الدولية والوطنية والإقليمية والمحلية، ويجب أن تحدد في الدستور والقوانين الأخرى كيفية توزيع السلطات، والوسائل التي ستتاح للمواطنين الأفراد كي يمارسوا حقهم المحمي في المادة 25 في المشاركة في الشؤون العامة، كما أنه يجب يشارك المواطنون مباشرة في إدارة الشؤون العامة، عندما يمارسون السلطة بوصفهم أعضاء الهيئات التشريعية أو بشغل مناصب تنفيذية، ويشارك المواطنون في إدارة الشؤون العامة بصفة مباشرة أيضا، عندما يختارون دستورهم أو يعدلونه، أو يبتون في مسائل عامة عن طريق الاستفتاءات الشعبية أو غيرها من الإجراءات الانتخابية التي تجري في البلاد، ويجوز للمواطنين أن يشاركوا مباشرة بانضمامهم إلى المجالس الشعبية المخولة بسلطة اتخاذ القرارات في المسائل المحلية أو في شؤون جماعة معينة، وبانتسابهم إلى هيئات تنشأ بالتشاور مع الحكومة لتمثيل المواطنين، ويجب حيثما أقرت المساهمة المباشرة للمواطنين، ألا يميزوا بين المواطنين بناء وألا تفرض عليهم قيود غير معقولة.

وإذ أن مساهمة الفرد في الحياة السياسية يعني انتهاجا للأسلوب الديمقراطي في الحكم، وعدم مساهمته دليل على استبدادية نظام الحكم فيها، ولقد اتخذت هذه المساهمة عمليا صورتين، الأولى تتعلق بحق المواطن في الانتخاب والترشيح لعضوية المجالس النيابية او التشريعية عند استيفائه الشروط القانونية، والثانية بحقه في الإدلاء برأيه في الاستفتاءات العامة السياسية وغير السياسية المتعلقة بشتى مجالات الخدمة العامة، وفي هذا المجال نـص الإعلان العالمـي لحقـوق الإنسـان على حـق كل شخص في (الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا، وقد نص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على (حق كل مواطن دون أي وجه من وجوه التمييز أن يشارك في إدارة الشؤون العامة أما مباشرة وأما بواسطة ممثلين يختارون في حرية)، وهذا جميعه يستند في أصله إلى أساس دستوري، أسس له الدستور المصري منذ تاريخ طويل، وقد خصص باباً كاملاً للحقوق والحريات العمة التي يشملها الشأن العام والمشاركة السياسية وتولي المناصب العامة.

وعلى الرغم من أهمية مناقشة قانون الإدارة المحلية، والذي تغيب عن الحياة السياسية منذ ثورة يناير لسنة 2011، إلا أن المجتمع المصري لم يزل بحاجة إلى وجود وحدات لا مركزية، تسعى إلى تطوير العلم السلطوي، بما يقربه من الشارع والاحتكاك المجتمعي، وهو الأمر الذي يجعله قريبا بشكل حقيقي من مشكلات وأزمات المجتمع المصري، وهو ما يعد بشكل حقيقي تطبيقا لنموذج اللا مركزية، إذ يتميز النظـام اللا مركزي في إدارة المديريات والمدن الكبرى، وما يشابهها من الإدارات الجغرافية الكبرى بالتطور المستمر الذي يحدث تبعًا لمتطلبات كل دولة واحتياجاتها، وقد يكون هذا التطور بسيطًا في بعض الأحيان، إلا أنه قد بكون تغييرا جذريًا في أحيان أخرى، إذا اقتضت ذلك ظروف جديدة هامة، ويحدث ذلك بصفة خاصة في الدول النامية التي تسعى إلى التخلص من تقاليدها الإدارية القديمة أي المركزية الضيقة، والتي تسعى أيضا للاستفادة من مواردها المادية والبشرية؛ لتحقيق أقصى ما يمكن من التنمية عن طريق الأخذ بقدر من اللامركزية في الإدارة المحلية (إدارة المناطق أو المقاطعات.. إلخ)، ولا شك أن هناك العديد من العناصر المتعلقة بإدارة وتنمية المناطق أو المقاطعات كإدارات محلية، منها ما يتعلق بالشكل القانوني لها الذي يتمثل في الحكومات المحلية وإدارتها في إطار النظام السياسي للدولة.

هذا بشكل عام، أما عن الأمور التفصيلية التي يتضمنها مشروع القانون، فسوف نتعرض لها في مقال مقبل، عسى أن يعوض هذا المشروع كل هذا التأخير في عرض القانون، أو في تطبيق نموذج الإدارة المحلية.