ما من شك، أن الأزمة الديمقراطية في الواقع المصري والعربي، لها أطراف عدة، وذلك منذ أن عرف الحكم العربي الاتجاه السلطوي الخانع لكفة توريث الحكم على النحو الذي جرى عمليا ومكرسا لأول مرة في التاريخ العربي والإسلامي، في عهد الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، مع أنه رفض قبل ذلك حتى من قائد تلك الأمة وشفيعها وأشرف الخلق، الذي رفض تسمية أبو بكر الصديق خليفة له، وهو على فراش الموت. منذ ذلك الحين، كانت هناك أطراف معنية بهذا التقييد للحياة الديمقراطية، وتلك المنعة لحقوق الإنسان. لكن ما يعنينا هنا هم أطراف تلك العملية في الواقع الراهن، أي منذ أن نالت البلدان العربية استقلالها.
الشعوب العربية أهم رقم في معادلة الاستحقاق الديمقراطي
ظلت الشعوب هي الطرف الرئيس والحاكم في أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، فهي الفاعل والمفعول به، فبدونها لن يجد الحكام من يمارسون سلطانهم وملكهم وقياداتهم عليهم. فبدون الشعوب تفتقد الدولة أصلا لكيانها، وتصبح لا محل لوجود أزمة ديمقراطية بداية.
في المحيط العربي ظلت الشعوب إما خانعة وإما ثائرة، وكان الخنوع أو الجثو ناتجا عن الخوف من طغيان السلطة، الظاهر والماثل في أذهان الكثيرين سواء عبر التهديد من خلال الكلام أو من الصورة، ومن باب أولى عبر الممارسة المرتبطة بفتح السجون وممارسة التعذيب والإيذاء البدني، على النحو الذي جرى في حماة (سوريا) أو حلابجة (العراق) ليشكل ذلك أبشع صور إجهاض أهم حق من حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو الحق في الحياة بداية، أما الثورة، أو الانتفاضة أو الهبات الشعبية، فظلت هي الاستثناء، لكونها حالة يصل إليها المواطن، بعد أن بلغ به السيل الزُبى، وتلك الحالة ربما تنجح كما حدث في مصر (25 يناير 2011) ومن قبلها بأيام في تونس (17ديسمبر2010) أو تتعثر كما حدث في كل من ليبيا (17 فبراير 2011) وسوريا (15 مارس 2011) واليمن (11فبراير 2011) والسودان (19 ديسمبر 2018)، وربما تفضي تلك الحالة إلى محاولة الحكام اللحاق باسترضاء الشعوب، كما حدث في أكثر من بلد خليجي على وقع الخشية من محاكاة الشعوب في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.
غياب الديمقراطية مولد للعنف
ولا شك أن عديد الحركات الشعبية المطالبة بالحكم الديمقراطي، من الممكن أن تتحول إلى حركات مسلحة، وأن بعضها قد يمتد نشاطه لأشهُر وربما سنوات، على النحو الذي جرى في سوريا قبل خلع الأسد الابن، أو العراق بعد خلع صدام حسين إثر الفوضى التي خلفها الغزو الأمريكي للعراق، ولربما تنجح تلك الحركات في حدوث تحول هادئ في شكل القيادة على النحو الذي جرى في تونس، أو شبة هادئ على النحو الذي جرى في مصر عقب نجاح الإخوان المسلمين في الوثوب إلى الحكم، ثم خلعهم إثر حركة 30 يونيو و3 يوليو 2013، وما سبق ذلك، وما أعقبه من أعمال عنف، تم احتواؤها بعد وقوع عديد الضحايا في القاهرة والجيزة والسويس وسيناء، المهم أنه في كل تلك الأحداث الناجحة وغير الناجحة لتلك الحركات، كان هناك مؤسسات وأحزاب وميليشيات، تتحرك لتثبيت الوضع الجديد، وبعضها بات يستخدم السلاح بكثافة، كما ظهر في حالة الإخوان المسلمين (مصر) وحالة أنصار الله (اليمن) وحالة هيئة تحرير الشام وغيرها من الفصائل المسلحة (سوريا) وحالة فجر ليبيا ودرع ليبيا وأنصار الشريعة، وكتيبة 17 فبراير وشهداء الزنتان وغيرها وغيرها (ليبيا)، المهم أن كافة تلك المواقع تقريبا، ورغم تغيير القيادة العتيقة للبلاد، لم تنجح البلاد في الولوج للاستحقاق الديمقراطي المرجو، لأنه لم تكن هناك قيادة واحدة للثوار، ولأن الحركات الشعبية خرجت عن سلميتها، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي أشعلت المواقف وزادتها تعقيدا.
تغول الحكام الطغاة في الاستبداد
كان الحاكم العربي المستبد والجانح إلى استمرار حكم الفرد، والأساليب الدكتاتورية في التسلط والرغبة الجامحة في البقاء، سواء في النظم الجمهورية أو الملكية العربية، هو الرقم الأكثر صعوبة في الأزمة الديمقراطية في الوطن العربي، فأشكال المحاكاة بين الزعماء المتسلطين للبقاء في الحكم، وبطانة الحكام التي تروج دوما لكاريزما وهمية، والشعور النفسي الزائف بأن الزعيم وكل من حوله هم الأشخاص الوطنيون، ومن سواهم هم حفنة من الخونة، كل ذلك يعد أبرز مسوغات الحكام للمنعة الديمقراطية وإعمال الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، ما جعل الغالبية العظمى من البلدان العربية تحكم بالحديد والنار، ولربما مارس هؤلاء أنماطا سادية على مواطنيهم، فاقت بكثير ما مارسه الاستعمار قبل الاستقلال أو ما مارسته سلطات الاحتلال الصهيوني في المناطق المحتلة على المواطنين القابعين تحت الاحتلال.
إطاحة الطاغية العربي بأقرب المقربين منه
وفي الكثير من الأحيان- كما أظهره الواقع المعاش- لا يكتفي الحاكم العربي، بأن يُخضع المواطنين إلى سلطانه المستبد والمتسلط، بل قد يُمارس كل تلك الأدوات مع المنافسين من حوله على النحو الذي جرى في مصر بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1971، وفي سوريا تحت حكم حافظ الأسد عام 1970، حيث أزاح كل من السادات والأسد على الترتيب خصومهما، فوضعهم الأول في السجون، بينما قام الثاني بنفيهم أو اعتقالهم إضافة إلى التصفية الجسدية، كما تمثل ذلك في فلسطين من خلال الصراع الدامي بين فتح وحماس منذ 2007 وما تلاها، وفي العراق إبان عهد الرئيس صدام حسين. ولا غرابة من سيادة المشهد آنف الذكر في عديد البلدان العربية، إذا عُرف أنه أيضا مُورس، واتُبع من الحاكم العربي إزاء من هم يرتبطون معه برابطة الدم، على النحو الذي جرى في الإمارات العربية المتحدة قبل الاستقلال، وقطر حديثا بين الأمير السابق ووالده، وفي السعودية ممثلا في ولي العهد محمد بن سلمان من خلال تغيير نمط وراثة العرش بالقوة، والاحتجاز والتعذيب البدني لعديد الأمراء من نفس العائلة المالكة بحجة عدم دفع الضرائب للبلاد عام 2017 أو بسبب نقد الحكم عام 2020، ناهيك عن الصراع الدامي بين صدام حسين وعائلته في العراق، وبين الأسد الأب والابن، وبين أبناء الطائفة العلوية من شركائه المتواجدين بمراكز السلطة.
دور القوى الخارجية
وبالانتقال إلى العامل الخارجي، فقد ظلت القوى الخارجية دوما عاملا هامشيا في مسألة الاستحقاق الديمقراطي العربي، لكونه تاليا مباشرة لأطراف الأزمة الديمقراطية في الوطن العربي بعد الشعوب والمؤسسات غير الرسمية من ناحية وبين الحكام المتسلطين من ناحية أخرى، ويرجع ذلك إلى أن تلك القوى تعمل حال توافر عوامل مؤهلة لها، مثل الحاجة الدائمة للدعم الاقتصادي؛ بسبب الأزمات الاقتصادية المتتابعة في تلك البلدان، ما يظهر في حاجتها إلى القروض والمنح والمساعدات من قبل البلدان الغربية وصندوق النقد الدولي عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، أو حاجتها للدعم العسكري والمساندة العسكرية المتواصلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، بسبب ما تراه من تهديد واقع أو مفتعل من بلدان مجاورة كإيران، كما هو واقع في حالة بلدان الخليج العربي عامة والمملكة العربية السعودية خاصة.
في السنوات الماضية، تعرضت مصر إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وربما في بعض فترات حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي لابتزاز أمريكي؛ بسبب حاجتها للمساعدات الخارجية، وذلك فيما يتصل بمطالب الولايات المتحدة بإصلاح الملف الحقوقي، وتعرضت بلدان مثل سوريا لعقوبات اقتصادية مكثفة إبان حكم الأسد الابن؛ بسبب حالة الانغلاق الديمقراطي الكامل، كما تعرضت بلدان كالسعودية لحملات ابتزاز أمريكية كبيرة؛ بسبب ملفها الحقوقي، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما حدث لها عقب اغتيال المعارض السعودي جمال خاشقجي على يد أركان النظام السعودي في تركيا في أكتوبر 2018، هذا بالطبع إضافة لأعمال الابتزاز الأمريكي لتأسيس قواعد عسكرية وبيع عتاد عسكري لممالك الخليج على خلفية استجابة ملوك تلك البلدان لمبالغات أمريكية بإطاحة إيران عروش هؤلاء.
الغرب يدعم دكتاتوريات عربية
ما من شك، أن العامل الخارجي في معادلة أزمة الديمقراطية في الوطن العربي هو عامل مصلحي بالأساس، بمعنى أن تلك البلدان تصمت كثيرا على تجاوزات نظم عربية بحق الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما دام حكام هذه الدول يحققوا لها ما تريد من مصالح مقابل احتفاظهم بمقاعدهم رغما عن إرادة شعوبهم، بل ولربما تقوم تلك البلدان بدعم كامل لنظم عربية أشد وطأة في التسلط والاستبداد لمجرد أن الحكام يحققوا لها مصالحها. أبرز الأمثلة على ذلك العلاقات الأمريكية مع العديد من الأنظمة الخليجية، والأمريكية مع النظام العسكري السوداني إبان حكم نميري، والعلاقات الفرنسية الليبية إبان بعض فترات حكم القذافي، وعامة، فإن العامل الخارجي لا يجد غضاضة في الكثير من الأحيان في الإطاحة بالحاكم/ الصديق حال التأكد من نجاح الثورة عليه، على النحو الذي حدث من الولايات المتحدة نحو مصر مبارك في 25 يناير 2011، ورفع فرنسا يدها عن ابن علي في تونس الذي فر إلى السعودية في 14 يناير 2011، وتدخل الناتو عسكريا للمشاركة في الإطاحة بالقذافي في ليبيا في 19 مارس 2011، قبل أن تساهم فرنسا ذاتها في مقتله في 20 أكتوبر 2011.
دروس للعظة
كل التجارب السابقة يمكن الخروج منها بنتيجة، هي أن البلدان العربية يتحتم عليها تطبيق الاستحقاق الديمقراطي بغرض رفعة شعوبها وليس لإرضاء القوى الخارجية، فبتطبيق هذا الاستحقاق تتحقق الشرعية ببقاء الحكام في مقاعدهم اعتمادا على شرعيات الداخل لا الخارج، ما يجعل هناك منعة لتلك البلدان من التوترات الداخلية، وحتى لا يصيد الغرب في الماء العكر، بتطبيق الاستحقاق الديمقراطي، يحدث التداول السلمي للسلطة، ويستمع للرأي والرأي الآخر، وتطرح البدائل، وتعيش البلاد في حالة من الاسترخاء، بعيدة عن الإرهاب والعنف، وتسد كافة أزمات التنمية السياسية وعلى رأسها الشرعية والمشاركة والتوزيع والهوية.






