باستثناء محمد علي باشا ونجله إبراهيم لم يعرف الشرق العربي- الإسلامي أو الشرق الأوسط قائداً سياسياً، أنجز نصراً عسكرياً في حرب نظامية بين جيوش حكومية غير الرئيس أنور السادات في حرب أكتوبر 1973، خاضت الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة حروباً، لكنها في مواجهة قبائل وبجيوش قبائل وبفكر قتالي قبائلي، كما خاضت عديد من الشعوب العربية كفاحاً مسلحاً ضد الغزو ثم الاحتلال ثم الاستعمار الأجنبي مثل الحركة العرابية في مصر، وحركة عمر المختار في ليبيا، وحركة عبد الكريم الخطابي في المغرب، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر، وحركات التحرير الفلسطينية، لكن هذه وغيرها كانت عزائم ومبادرات شعبية أكثر منها جيوش نظامية. حرب العراق مع إيران دامت عشر سنوات، ولم يصمد إلا بإمدادات خليجية وعربية، لم تنقطع طوال سنوات الحرب التي طالت لعجزه عن حسمها. فقط الحرب اليتيمة التي حسمها صدام حسين في مسافة السكة القريبة جداً هي غزو ثم احتلال الكويت في دقائق معدودات دون مقاومة كويتية تُذكر. وانهزم عراق صدام حسين مرتين أمام الغرباء في 1991 ثم في 2003، حيث سقط إلى الأبد. النظام السعودي له خبرة طويلة منذ قامت الوهابية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر في حروب القبائل، لكن يتضاءل هذا السجل في حالة الحروب النظامية وآخر مثال، عندما تورطت السعودية في الحرب على الحوثيين 2015 حيث غاصت أقدامُها ثم تاهت أهدافُها ثم سكتت في صمت. أعادت إنتاج خطأ مصر عندما ذهبت تغوص ثم تتوه في مغارات وجبال اليمن خمس سنوات كاملة 1962 – 1967، وكانت مقدمة تمهيدية للهزيمة الكبرى أمام إسرائيل 1967. كانت مصر على مدار خمسة عشر عاماً التي تقع بين قيام ثورة يوليو 1952 ووقوع نكسة يونيو 1967 تتيه فخراً على كل من حولها من العرب، لكن في صباح 5 يونيو انهزمت شر هزيمة وانهزم معها العرب. أعادت إنتاج الهزيمة الأولى أمام إسرائيل 1948 التي انهزمت فيها مصر، ومعها العرب أمام عصابات صهيونية، لم تكن حتى ذاك الوقت تمثل جيشاً نظامياً. كافة الأنظمة العربية التي لبست أثواب الثورية والتحررية والتقدمية والوطنية والقومية، رفعت أشد الشعارات عداءً ضد إسرائيل، لكنها لم تبادر بمبادرة عسكرية واحدة ضد إسرائيل، فلا مصر الناصرية فعلت ذلك، ولا عراق صدام حسين فعل ذلك، ولا سوريا الأسد فعلت ذلك، لم يكن أي نظام عربي ثوري جاداً في الاستعداد لمواجهة عسكرية حاسمة ضد إسرائيل، فقط كان لديها خطاب شعبوي تعبوي نظري ضد إسرائيل. طبعاً عندنا عدد من الدول العربية خبرتها في فنون القتال صفر، أي لم تقاتل أبداً منذ تأسست كدولة، تنتسب إلى الأمم المتحدة ولها علم ونشيد وطني ومطار دولي إلى آخره، هذه الدول لم تقاتل الاحتلال ولا الاستعمار، لأن الاحتلال والاستعمار دخلها بتوافق وخرج منها بتوافق، عندما أراد الخروج، وكان هو من قرر أن يمنحها الاستقلال، ثم هذه الدول لم تجرب القتال الذي يكون بين دول متحاربة بجيوش نظامية لسبب بسيط، وهو أن هذه الدول عقدت اتفاقيات دفاع وحماية مع القوى الدولية العظمى توفر لها الحماية والأمان. والخلاصة، أنه باستثناء حروب الباشا ونجله في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم باستثناء حرب أكتوبر المجيدة عند خاتمة الربع الثالث من القرن العشرين، باستثناء هذه وتلك، فإن تاريخ العسكرية النظامية المظفرة لا يشغل حيزاً معتبراً في سجلات التاريخ العربي المعاصر.
إيران لا تختلف عن العرب كثيراً، غير أن سجلات الباشا ونجله في النصف الأول من القرن التاسع عشر لم تظفر بمثلها إيران، كانت إيران في القرن التاسع عشر قد فقدت كل مناعتها وحصانتها أمام الاختراق الأجنبي، اختراق روسي من الشمال، اختراق بريطاني من الجنوب، امتيازات فرنسية، مشروعات ألمانية، كانت في حالة اهتراء كامل لنسيجها الوطني. لم تلتئم إيران، ولم تلتحم مكوناتها، ولم تتبلور في ظل دولة مركزية قوية إلا في المائة عام الأخيرة، نصفها الأول تحت حكم الدولة البهلوية، ثم نصفها الأخير تحت حكم إيديولوجيا ولاية الفقيه. الدولة البهلوية شيدت مؤسسات دولة حديثة تحت حكم ديكتاتوري طامح للسيطرة الإمبراطورية على جيرانه العرب. الدولة الإسلامية وظفت البنية التحتية للدولة الحديثة في خلق دولة دينية لها طبعتها المتفردة في إنتاج الديكتاتورية كما لها نفس النزوع البهلوي للتفوق على جيرانها من العرب وغير العرب. ومثلها مثل العرب ليس في سجلات التاريخ الإيراني المعاصر مفاخر عسكرية انتصرت فيها بجيشها النظامي، لا في الدولة البهلوية، ولا في الدولة الإسلامية، فقط في الدولة البهلوية كانت تراكم السلاح لتحظى بدور الشرطي الأمريكي في الخليج. ثم في الدولة الإسلامية خرجت مستنزفة من حرب الثماني سنوات مع العراق دون حسم من جانبها، ودون حسم من جانبه، فقط توقفت الحرب عندما لم تعد نيرانُها تجد ما تلتهمه، كلا البلدين كان قد أوشك على الاستنزاف الكامل معنويا ومادياً. لكن بعد سقوط نظام صدام حسين تمددت إيران في العراق كمنطقة نفوذ مستباحة، لم تحظ إيران بمثلها منذ الدولة البويهية 945- 1055 ميلادية ومنذ انتزع الفاتحون العرب ملكية العراق من أيدي الإمبراطورية الفارسية صبيحة الفتح الإسلامي 636 ميلادية. هذا النفوذ المباغت الذي تمتعت به إيران في العراق بعد غزوه 2003 كان فاتحة حقبة ذات طابع إمبراطوري تمتعت فيه إيران بقدرات استثنائية على اختراق ثم تطويق المشرق العربي، فكانت ذات كلمة نافذة ومسموعة في: العراق، ولبنان، وسوريا، والأرض الفلسطينية، واليمن، كما طوقت كافة دول الجزيرة العربية، بما في ذلك السعودية التي تكاد تكون بحجم ومساحة قارة.
عشرون عاما كاملة 2003- 2023 وإيران تستمتع بوضع إمبراطوري في المشرق العربي، حتى قامت حرب طوفان الأقصى ثم حرب الإبادة الصهيونية على غزة، ثم سقوط نظام الأسد في سوريا، ثم خسارة إيران مساحة نفوذها الكبيرة في سوريا، ثم تكسير أذرع القوى العربية الموالية لإيران وبخاصة حزب الله ثم حرب الاثنى عشر يوماً التي شنتها إسرائيل على إيران من 13 إلى 24 يونيو 2025، ثم حرب ال 28 من فبراير 2026 التي شنتها كل من أمريكا وإسرائيل على إيران. خلال العامين خسرت إيران الهالة والحضور الجذاب والتأثير النافذ الذي ظهرت به خلال عقدين كاملين. صحيح، أن إيران قاتلت في المرتين، قاتلت في حرب الاثنى عشر يوماً من صيف 2025، كما قاتلت في حرب 28 فبراير 2026، لكنها في المرتين قاتلت قتال المُضطر، قاتلت قتال المُكره، قاتلت قتال من كُتِبَت عليه الحربُ، وهو لها من الكارهين، قاتلت لترد بعض الصفعة، قاتلت لتحفظ بعض ماء الوجه، لم تقاتل قتال المُبادر الجاهز المستعد المُغامر البادئ الواثق.
صحيح، إيران تجاه أمريكا وإسرائيل تظل أفضل نسبياً من العرب حتى في عز مجد الناصرية، وحتى في عز النشوة الخطابية في عراق صدام وسوريا الأسد، لكن تظل هناك فجوة حقيقة بين الشعارات الإيرانية تجاه إسرائيل على مدى ما يقرب من نصف قرن منذ قيام الثورة الإسلامية وبين قدرة إيران على ترجمة هذه الشعارات إلى فعل عسكري نظامي قادر على تهديد وجود وبقاء إسرائيل من جذوره، فقط تستطيع إلحاق أضرار مادية وأدبية بإسرائيل، دون أن يمتد ذلك الضرر إلى المساس بثوابت الأمن والوجود الإسرائيلي.






