عقب اعتداءات ١١ سبتمبر الإرهابية، أعلنت الولايات المتحدة مشروعها لمحاربة الإرهاب، فبدأت باحتلال أفغانستان وإسقاط نظام حكمها متمثلا في حركة طالبان بالقوة المسلحة في ٢٠٠١، وفرضت نظاما جديدا على الشعب الأفغاني، استمر عشرين عاما، وعاد وسقط على يد حركة طالبان، وقد كررت أمريكا نفس الخطيئة في ٢٠٠٣ حين غزت العراق، وأسقطت نظام صدام حسين، وحلت الجيش وهدمت الدولة، وعرف العراق على مدار أكثر من عقد من الزمان اقتتالا أهليا وعمليات عنف وإرهاب لم يشهدها في تاريخه الحديث، وتحولت الحرب الأمريكية لمواجهة الإرهاب إلى أحد مصادر الإرهاب في المنطقة وشهد العالم تصاعدا في عمليات تنظيم القاعدة، ثم ظهور تنظيم داعش وانتشاره بكل الجرائم الإرهابية التي ارتكبها، وعطلت مسيرة بناء عراق جديد.
والحقيقة، أن الحرب الدائرة الآن بين أمريكا وإسرائيل في مواجهة إيران أعادت مرة أخرى النقاش حول نتائجها ومستقبلها، خاصة في ظل وجود إصرار إسرائيلي على استدعاء “مفردات غزة” في تدمير النظام واستئصاله واجتثاثه، ونست أو تناست إن هذا التعبير الذي استخدمه الأمريكيون عقب غزو العراق عن “اجتثاث البعث”، اعتبروه من الخطايا التي ارتكبوها بعد احتلال العراق.
والحقيقة، أن خطورة إسقاط النظام الإيراني بالقوة على ضوء ما جرى في أفغانستان والعراق، يعني أن الأمريكيين لم يتعلموا شيئا من دروسهم الماضية، وليس دروس أحد آخر، وإن هذه العقلية الأحادية في التفكير والتي تتصور، أنها ستبني جديدا على “نظافة”، يستأصل كل شرور النظام القديم، في حين أن الواقع أثبت أن أي جديد سيحمل في طياته بعض عناصر القديم الذي أسقطه، ولا يوجد جديد خالٍ من “شوائب القديم” إلا في الأفلام أو الأحلام الوردية، وإن تصور أنه يمكن تصنيع نظام جديد وفرضه بالقوة العسكرية، سيعني كارثة حقيقية على إيران والمنطقة والعالم؛ لأنه ببساطه هدف شبه مستحيل التحقيق وسيفشل إذا تحقق، وسيجلب الدمار والخراب لكل شعوب المنطقة؛ لأن الفصائل التي ستحارب هذا النظام سابق التجهيز أمريكيا، ستكون من ناحية القاعدة الاجتماعية والدعم الشعبي أقوى منه بكثير.
والمؤكد، أن أمريكا أرسلت قوات على الأرض لتحارب في أفغانستان والعراق، ثم احتلتهما وأسقطت نظامهما، وهو ما لم تفعله مع إيران، ولذا سنجدها حملت “العصا والجزرة” لهذه البلاد، فمع قسوة الاحتلال، إلا أنه أنفق بسخاء على بناء “نموذج سياسي” جديد في أفغانستان، فدفع أكثر من تريليون دولار على تأسيس جيش جديد لعقدين من الزمان وتدريبه وتسليحه، وأقامت أشكالا ديمقراطية ومؤسسات حديثة من الخارج، ولكنها من الداخل كان “يعشش” فيها الفساد وسوء الإدارة رغم مظهرها الحداثي.
لقد قضت أمريكا ٢٠ عاما في أفغانستان، وهي تحاول بناء نموذج بديل لطالبان، وفشلت لأنها كانت قوة احتلال وانسحبت وتركت السلطة لحركة طالبان التي حاربتها منذ ٢٠٠١.
أما العراق فقد غزته بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وثبت كذب هذا الادعاء، وفي نفس الوقت، تصورت أنها يمكن أن تبني مشروعا ديمقراطيا جديدا في العراق، يكون نموذجا لدول المنطقة، واعتمدت أطروحة وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق “كونداليزا رايس” في الفوضى الخلاقة التي من خلالها، راهنت على قيام شرق أوسط جديد على أنقاض القديم الذي وصفته بالاستبداد، فجاءت الفوضى والإرهاب، وغابت الديمقراطية ودولة القانون.
لم تبنِ أمريكا بعد احتلالها للعراق النموذج الذي أرادته، وتحولت حربها على الإرهاب إلى أحد أسباب انتشاره، كما أصبحت القوى المؤثرة على الأرض، هي تنظيمات وميليشيات شيعية خارج مؤسسات الدولة ومعادية لأمريكا ومرتبطة بالاستراتيجية الإيرانية، كما أن الحكومة العراقية الحالية اتسمت سياساتها بقدر من الاستقلالية عن الولايات المتحدة، ورفضت أن تصطف معها في مواجهه إيران، ورفضت أيضا أن تكون مع إيران في مواجهه أمريكا، أي في النهاية لم تبنِ أمريكا نظاما تابعا بالمطلق لها كما تصورت، بل أن أحد قادة العراق السابقين والمسئولين عن انتشار داعش والإرهاب في العراق بسياساته الطائفية، وهو نوري المالكي، رشحته أغلبية برلمانية ليعود ليرأس الحكومة العراقية، ولولا الضغوط الأمريكية التي أجلت مجيئه لعاد مرة أخرى بكل سهولة للحكم، ولربما يدخل العراق في دوامة جديدة.
والحقيقة، أن هذا الفشل لأكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم في اجتثاث أعدائها الذين حاربتهم في العراق وأفغانستان، وجاءت لتنتقم منهم بعد اعتداءات ١١ سبتمبر، لم يلفت نظرها حين تحاول تحت تأثير خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي تكرار نفس تجربة الفشل السابقة، وتردد في أحيان كثيرة نفس المفردات في الاجتثاث والتدمير تأثُرا بالخطاب الإسرائيلي.
دروس أمريكا في أفغانستان والعراق تقول إن مشروع تغيير نظام سياسي بالقوة والاحتلال فشل، وإن إعادة طرح هذا المشروع مرة أخرى عبر الغارات الجوية سيفشل أيضا، ولن يصبح واقعا كما جرى من قبل، وإذا حدث نتيجة أسباب داخلية وتدخلات خارجية، وظهر هذا النظام المصنع خارجيا (وهو ما نستبعده)، فإن نهايته ستكون ليس فقط الفشل، إنما أخطار لا حصر لها ستتعرض لها دول المنطقة والعالم.
من الواضح، أن الأمريكيين لم يعوا جيدا دروس الماضي، صحيح أن الرئيس ترامب تراوح في موقفه بين الحديث عن إسقاط النظام أو إضعافه، إلا أن مجرد الاستمرار في حرب بهذه العدوانية لتحقيق هدف لن يتحقق وهو إسقاط النظام، فهذا يعني أن دروس الماضي تحتاج لمُراجِع آخر غير تل أبيب، حتى تضع أمريكا والعالم تصورا لإنهاء الحرب ودفع طهران لتقديم تنازلات يقبلها المجتمع الدولي.






