توج إعلان ماركو ربيو وزير الخارجية أمريكي الاتجاه نحو تصنيف إخوان السودان منظمة إرهابية، سلسة من الإجراءات الأمريكية المرتبطة بذلك، منها قرار وزارة الخزانة الأمريكية رقم ١٤٠٩٨ الذي بلور عقوبات على شخصيات وكيانات اقتصادية سودانية، منها كتيبة البراء بن مالك، باعتبار أن عناصر هذه الكتيبة (طبقا للمنظور الأمريكي) قد تلقوا تدريبا في إيران، كما أنهم مارسوا عمليات إعدام جماعية ضد المدنيين على خلفيات عرقية وقبلية، وقد جاءت تصريحات مسعد بولس مبعوث الرئيس ترامب إلى إفريقيا بهذا الشأن أمام مجلس الأمن؛ لتضيف بعدا إضافيا، خصوصا مع قوله إن هناك عناصر مرتبطة بالنظام السابق، تسعى لاستعادة نفوذها السياسي، كما حذر في تغريدة حديثة، أن واشنطن لن تتسامح مع أي من شبكات الإسلاميين التي تعطل الانتقال المدني، كما أن واشنطن سوف تواصل جهودها ضد أية أطراف موالية أو متفاعلة مع إيران.

ويبدو أن هذه التقديرات الأمريكية قد استندت إلى أن كتيبة البراء بن مالك قد أدت دورا كبيرا في بعض مكاسب الجيش السوداني، خصوصا في الخرطوم، بمساعدة ما يسمى بكتائب الظل، ولكن واشنطن قد تجاهلت حقيقة أن الجيش السوداني كان مضطرا لإفساح دور لهذه الكتائب؛ ليحقق إنجازات عسكرية ضد قوات الدعم السريع، وذلك في ضوء افتقاد الجيش إلى سلاح المشاة، نتيجة هندسة الرئيس السابق البشير الذي استعاض عن سلاح المشاة في المؤسسة العسكرية بقوات الدعم السريع.

أما علاقة السودان مع إيران، فهي علاقة قديمة منذ أيام البشير، وقد شهدت صعودا وهبوطا طبقا لاتجاهات التموضع السوداني إقليميا ودوليا، ولكن يبدو أن هذه العلاقة قد شهدت تعاونا منذ اندلاع الحرب في إبريل ٢٠٢٣.

وتكشف التقارير الدولية أن إيران أمدت الجيش السوداني بطائرات مسيّرة قتالية، أبرزها طراز مهاجر- 6، فضلا عن نوع محلي الصنع مشتق من طائرة أبابيل الإيرانية، أُطلق عليه “زجيل-3″، وقد بدأ استخدامه في يناير 2024، وتشير تحقيقات أممية وغربية إلى وصول شحنات عسكرية إيرانية إلى ميناء بورتسودان بين ديسمبر 2023 ويوليو 2024.

وإذا كانت واشنطن قد تجاهلت هذه العلاقة العسكرية بين إيران والسودان إلى حد ما، فإن تصريحات الناجي عبد لله قائد كتيبة البراء بن مالك في لحظة حرجة بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، جعلت الصبر الأمريكي ينفد مع إسلاميي السودان، وذلك بعد تصريح عبد لله أن قواته سوف تساند إيران عسكريا معددا القدرات العسكرية لكتيبته، خصوصا من سلاح المسيرات.

وكشف هذا الحادث عن انقسام داخلي في صفوف الإسلاميين أنفسهم: فبينما أيد تيار متشدد التصريحات، وانتقد ضعف موقف الجيش، مال تيار آخر إلى التحفظ عليها، مدركا أن الاصطدام المباشر مع الموقف الأمريكي سيكلف الحركة ثمنا استراتيجيا باهظا، فيما خرج علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، ليدين استهداف الدول العربية والإسلامية، دون أن يحسم موقفه صراحة من تصريحات عبد الله.

في هذا السياق، تواجه البراء بن مالك وأخواتها نتيجة التصنيف الأمريكي بمعضلة متعددة الأبعاد، فعلى الصعيد المالي يعني التصنيف قطع خطوط التمويل عبر شبكات المغتربين السودانيين والمانحين الخليجيين المحتملين.

وعلى الصعيد السياسي، يجعل الكتيبة كيانا مدرجا على قوائم الإرهاب بموجب القانون الأمريكي، مما يعقد أي مساعٍ لإدماجها في هيكل نظامي بعد الحرب.

أمام هذه الضغوط، يبدو أن ثمة ثلاثة مسارات ممكنة لمستقبل الكتيبة وكتائب الظل. المسار الأول هو الانكفاء التكتيكي المؤقت وإعادة الهيكلة: تذوب الكتيبة رسميا في هيكل الجيش النظامي، تغير تسميتها أو قياداتها الظاهرة، مع الإبقاء على بنيتها الفعلية وشبكاتها السرية وهو ما يرجحه سلوك الحركة الإسلامية تاريخيا.

المسار الثاني هو التشدد والمواجهة، تستقطب الكتيبة عناصر راديكالية ترفض أي تنازل، مع ترحيب ضمني من الشبكات الإيرانية التي قد توفر لها تمويلا بديلا، المسار الثالث هو التفكك والانشقاق: تنقسم على عتبة ضغط مزدوج داخلي من قبل قيادة الجيش التي تحاول إدماجها، وخارجي من قبل التصنيف الأمريكي الذي يجعلها عبئا.

والمرجح، أن تسلك الكتيبة المسارين الأول والثالث معا بصورة متداخلة: انشقاق بين تيار يقبل إعادة الهيكلة، وتيار متشدد يلجأ إلى السرية التامة والارتباط بشبكات إيرانية وإقليمية بديلة، أما كتائب الظل الأكثر غموضا، فإنها بحكم هيكلها اللا مركزي قادرة على الاستمرار في الظل تحت مسميات مختلفة، مستفيدةً من ضعف الرقابة المؤسسية على الأجهزة الأمنية الموازية في السودان، لكن السؤال هنا هو هل يتطور هذا التصنيف الأمريكي إلى ذريعة لعمل عسكري ضد السودان؟ ظني أن هذا الخيار يبدو مستبعدا حاليا، في ضوء أن الحرب الإيرانية نفسها من المرجح، أن تنتهي خلال أسبوع، كما أن الفريق البرهان قد اتخذ إجراءات حاسمة ضد الناجي عبد لله، وهذا الاتجاه عموما، على أن استبعاد العمل العسكري الأمريكي ضد السودان نهائيا هو غير صحيح أيضا، وذلك في ضوء الخبرات الأمريكية والإقليمية المتراكمة بشأن الأذرع العسكرية لإيران كالحوثي وحزب الله.

يرسم التصنيف الأمريكي تعقيداً جديدا أمام مسار السلام الذي تقوده الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)، فالخطة الخمسية التي قدّمها بولس— الهدنة الإنسانية، وحماية المدنيين، ووقف دائم لإطلاق النار، والانتقال السياسي المدني، وإعادة الإعمار— تفترض ضمنياً إزاحةً للتأثير الإسلامي من مؤسسات الدولة، وهذا يجعل الإسلاميين طرفاً موضوعياً في رفض أي تسوية، تفضي إلى حكومة مدنية حقيقية.

في ضوء ما سبق، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الإسلاميين السودانيين في مرحلة ما بعد التصنيف.

السيناريو الأول، الانكفاء التكتيكي والبقاء المؤسسي: يقبل الإسلاميون الانسحاب من المشهد العسكري الظاهر تحت الضغط الأمريكي، مع مواصلة ترسيخ وجودهم البيروقراطي والقضائي، وهذا هو السيناريو الأرجح على المدى القريب، إذ يتيح لهم الحفاظ على نفوذهم الحقيقي بمعزل عن التصنيف القانوني الأمريكي.

السيناريو الثاني، الاندماج في السلطة عبر الانتخابات: رسم أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني والمطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، هذا المسار في مقابلة نادرة مع رويترز، معلنا اتخاذ قرار استراتيجي بعدم العودة إلى السلطة إلا عبر صناديق الاقتراع، وهو مسار يرجّح أن يقابَل بمقاومة من القوى المدنية إلى إقصاء الحركة من الحياة السياسية.

السيناريو الثالث، التشدد والانزلاق نحو الجهادية: إذا شعر التيار المتشدد داخل الكتيبة، بأن المسارين السابقين يعنيان التخلي عن المشروع الإسلامي، فإنه قد يختار الانزلاق نحو شبكات جهادية أكثر تشددا، معمقا الارتباط مع طهران أو حتى مع شبكات تتجاوزها، وهذا هو السيناريو الأشد خطورة على الاستقرار الإقليمي.

على المستوى الأمريكي يمثل انخراط واشنطن في تصنيف الإسلاميين السودانيين بالإرهاببين تحولا أمريكيا نوعيا تجاه الأزمة السودانية، من موقف يميز بين الجيش وحلفائه الإسلاميين إلى موقف يضع الجميع في دائرة المساءلة، وهذه رسالة مزدوجة موجهة إلى البرهان، واشنطن جاهزة للانخراط معه في مسار سلام، لكن لن تغض الطرف عن تحالفاته مع جماعة صنفتها إرهابية.

غير أن واشنطن بدورها أمام استحقاق صعب: فهي لا تستطيع تجاهل أن البرهان هو الطرف الذي يتفاوض معه بولس على السلام، وأنه لا يمكنه الاستغناء عن الإسلاميين دون أن يفقد جيشه جزءا جوهريا من قدرته القتالية في مرحلة الحرب.

يبقى السودان أمام سؤاله التاريخي الوجودي الأعمق: هل تستطيع دولة نشأت فيها المؤسسة العسكرية والبيروقراطية خلال ثلاثة عقود في كنف حكم إسلامي، أن تنجز تحولا ديمقراطيا حقيقياً يفضي إلى نظام مدني فعلي؟ التصنيف الأمريكي يضيف عاملاً جديداً إلى هذه المعادلة، دون أن يجيب عن سؤالها المحوري، والإجابة لن تأتي من واشنطن، بل من عمق الديناميكيات الداخلية السودانية التي ستظهر في اليوم التالي لوقف إطلاق النار.