هذا سؤال يضغط على أعصاب العالم كله، لا المنطقة وحدها، خشية اتساع نطاقها بأكثر مما هو حادث، وتفاقم أزمة الطاقة الماثلة بارتفاعات قياسية جديدة في أسعارها.
يستلفت النظر بعد عشرة أيام من اندلاعها فوضى تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بين إشارات عن قرب نهايتها وإشارات عكسية، عن أنها سوف تنتهي عندما تحقق أهدافها الكاملة، التي تعيد تعريف نفسها من ساعة لأخرى.
كل شيء يخضع لضغوط وأهواء اللحظة.
بدت إشارته عن قرب انتهاء الحرب مثيرة بذاتها، فإيران لم ترفع الرايات البيضاء وضرباتها الصاروخية الموجعة، ما زالت حاضرة في العمق الإسرائيلي بالذات.
وفق أي منطق وحساب، سوف يعلن “ترامب” نهاية الحرب، دون أن يحقق أي نصر ملموس وواضح.
هذا مأزقه، الذي لا فكاك منه.
بمجرد إشارته الغائمة لقرب وقف الحرب، انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية.
المعنى العملي والميداني معا، أن إنهاء الحرب مسألة وقت قصير، لا أسابيع ولا شهور.
هذه حقائق ميدان وسياسة واقتصاد معا، بعد أن أخفقت جميع خططه ورهاناته على إسقاط النظام الإيراني.
لم يخف إحباطه من اختيار “مجتبى خامنئي” مرشدا أعلى خلفا لوالده؛ خشية أن يكون أكثر تشددا.
كانت آخر رهاناته الفاشلة استدعاء قوة كردية إيرانية من كردستان العراق لإثارة الفوضى والنزاعات الطائفية والمذهبية في إيران المنهكة.
أجهض ذلك المشروع، قبل أن يجد طريقه للتنفيذ.
لم يكن ممكنا أن تمرره تركيا بلا تدخل عسكري مضاد، حيث تبني نظرية أمنها على منع وجود كيان كردي على حدودها.
ولا كان بوسع الحكومة العراقية، أن تصمت على أي تدخل عسكري ضد إيران من داخل أراضيها، ولا أن تمنع دخول الحشد الشعبي كردستان العراق.
بنفس القدر يصعب إسقاط قوات عسكرية داخل إيران بذريعة الحصول على مخزون اليورانيوم المخصب ونقله خارجها.
إذا ما حدث مثل هذا السيناريو الافتراضي، فإن هذه القوات سوف تعود يقينا إلى بلادها في توابيت.
أمام قوة الحقائق، أولها وأهمها، أزمة الطاقة المتفاقمة، بدا تصريح “ترامب” المثير بصياغته وتوقيته أقرب إلى محاولة لطمأنة الرأي العام في بلاده أولا، وبين الحلفاء ثانيا، والعالم كله بالتبعية، إلى أنه بصدد إنهاء الحرب، التي تفجرت إثرها أزمة طاقة لا سبيل إلى تدارك آثارها الوخيمة على الاقتصاد الأمريكي نفسه، لكنه لم يحدد توقيتا محددا، ولا أشار إلى أية مفاوضات منتظرة.
“أنا مستعد للحوار مع الإيرانيين”.
لم يكن هناك على الجانب الآخر من هو مستعد أن يصدق، أو أن يتفاوض مجددا.
لمرتين متتاليتين في غضون شهور قليلة، استجابت طهران لدعوات التفاوض، شرط أن يكون جديا ونديا ومنتجا لتفاهمات، ترفع العقوبات الاقتصادية عنها.
في المرتين، جرى العدوان عليها بمشاركة إسرائيلية كاملة، رغم أية إشارات عن تقدم ملحوظ في المفاوضات.
يلخص تصريح لافت للحرس الثوري الإيراني أزمة الثقة والمصداقية في أي رهان على المفاوضات مجددا:
“لا نبحث عن مبادرات لوقف الحرب”.. “إما أن يكون الأمن للجميع، وإما لن ينعم به أحد في المنطقة”.
الإيرانيون يريدون بالقطع وقف الحرب، لكن ليس بأي ثمن.
إثر الوعد الترامبي المراوغ صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”: “الحرب لن تنتهي قبل تحقيق كامل أهدافها.
كان ذلك أقرب إلى فيتو على الوعد الترامبي، لكنه لا يملكه.
لم يكن خلاف التقدير والحساب بين شريكي الحرب محض مصادفة.
الأول، مأزوم في شعبيته، وشبح الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي نوفمبر المقبل يطارده.
تفاقم أزمة الطاقة تبدد وعوده، التي انتخب على أساسها، في تحسين مستويات معيشة الأمريكيين وخفض الأسعار وعدم خوض أية حروب خارج الحدود.
تبددت صدقية شعاره الانتخابي “أمريكا أولا”، “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، بخوض حرب غير قانونية وغير ضرورية بطلب من دولة أخرى، كما اعترف بعض أركان إدارته أمام الكاميرات.
والثاني، لديه أجندته الخاصة في استغلال التورط الأمريكي العسكري المباشر بالتمدد والتوسع وإثارة الفوضى في أرجاء المنطقة وبناء تحالفات جديدة ضد المحورين “الإيراني الشيعي” و”السني المتشكل”- بحسب نص تعبيره.
“لن تتوقف الحرب على حزب الله في لبنان، حتى إذا انتهت الحرب الإيرانية”.
كان ذلك تصريحا آخر موازيا، لا يجد من يؤيده في العالم باستثناء “ترامب”.
وبدا تصريح ثالث منسوبا للجيش الإسرائيلي، وفق وكالة “رويترز”، مكملا وشارحا: “نعمل على أساس، أن ترامب قد يأمر في أية لحظة بوقف إطلاق النار”.
“إننا نعمل على إلحاق أكبر قدر ممكن من الإضرار بإيران”.
الهدف النهائي: تفكيك إيران كخطوة ضرورية لإعادة صياغة خرائط المنطقة وبناء شرق أوسط جديد تقوده وحدها.
حسب تصريحات متواترة، أمريكية وإسرائيلية، فقد تم السيطرة بالكامل على الجو، وتحطيم البحرية، ولم يعد يملك الإيرانيون الأسلحة الدقيقة، التي تمكنهم من الصمود لفترات أطول.
حسب هذه التصريحات، الحرب انتهت وحققت أهدافها.
كان ذلك محض ادعاء.
أثبت الإيرانيون قدرتهم على الصمود، لا النظام انهار عقب اغتيال المرشد الأعلى “علي خامنئي”، ولا القدرة على إطلاق صواريخ باليستية ضد الدولة العبرية تقوضت، رغم أرقام وزير دفاعه، التي تتحدث عن تراجع معدلاتها بنسبة (90%).
ثم أن الرئيس الأمريكي ليس لديه خطة ما على شيء من التماسك والإقناع، تجيب على سؤال: “اليوم التالي”؟
كان ذلك تعبيرا عن فشل سياسي وعسكري معا.
هكذا دخل إلى مأزق محكم، يصعب الخروج منه.
إذا لم تهزم إيران، فإنها سوف تخرج بعد الحرب أقوى، مما كانت قبلها.
ما الذي يمكن أن يقوله للأمريكيين؟
لا شيء غير إعادة تعريف الأهداف المتبقية من الحرب.
لا إسقاط النظام، ولا عودة الديمقراطية.
هذا كلام خارج الحساب الآن.. بل ضرب منصات الصواريخ والبنية الصناعية للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتوعد بضربات أقسى وأشد.
هكذا تحدث وزير دفاعه والمتحدثة باسم البيت الأبيض.
تحت ضغط أزمة الطاقة تراجع شبه الاصطفاف الأوروبي وراء الحليفين الأمريكي والإسرائيلي.
وزراء مالية الاتحاد الأوروبي يميلون إلى استخدام الاحتياطات النفطية؛ لتخفيف وطأة الأزمة.
بدأت وساطات تعرض نفسها، أوروبية وصينية وروسية، لإنهاء الحرب.
حسب المستشار الألماني “فريدريش ميرتس”: “ليس من مصلحتنا، ولا مصلحة أوروبا، تفكيك إيران”.
هذه لغة تختلف، عما أبداه “ميرتس” نفسه في البيت الأبيض من انحياز كامل للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
إنها قوة المصالح في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم قبل وبعد أي شيء آخر.






