تناولت منصة مصر 360 خلال الفترة من 2023 حتى 2025 التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، عبر مجموعة واسعة من المقالات والتقارير التحليلية والملفات الخاصة والدراسات التي سعت إلى قراءة ملامح التغير في بنية النظام الإقليمي وبؤر الصراع الممتدة في المنطقة.

وقد ركزت هذه المعالجات على رصد إعادة تشكيل موازين القوة، وتحليل طبيعة التحالفات التي تتبلور في ظل التحولات الجيو سياسية المتسارعة، مع اهتمام خاص بموقع مصر داخل هذه الترتيبات الإقليمية الجديدة.

ويستند هذا العرض إلى تحليل مضمون ما يقارب من مائة مادة منشورة على المنصة خلال تلك الفترة، بهدف رصد الاتجاهات الرئيسة في خطابها بشأن التحالفات الإقليمية وأنماط التعاون والصراع بين القوى الفاعلة في الشرق الأوسط، إضافة إلى استكشاف الرؤى المستقبلية التي طرحها كُتاب المنصة وباحثوها، سواء في تشخيص المخاطر التي تواجه المنطقة أو في استشراف مسارات التغيير وسبل التعامل معها.

واعتمد التحليل على رصد المضامين الرئيسة المتكررة في المواد المنشورة، وتصنيفها وفق محاور تتعلق بالتحالفات الإقليمية وبؤر الصراع وموقع مصر في النظام الإقليمي.

ويكشف تحليل هذه المواد عن أربعة محاور رئيسية هي: إعادة هندسة التحالفات في ظل التحولات الجيو سياسية الراهنة، واتجاهات التقارب بين القوى الإقليمية الكبرى، وبؤر الصراع الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فضلاً عن تأثير التحولات الدولية في بنية التحالفات القائمة ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

أولاً: مشروعات «الشرق الأوسط الجديد» وإعادة تعريف موازين القوة

الهيمنة والتهجير والتطبيع
الهيمنة والتهجير والتطبيع

ركزت العديد من المواد المنشورة على تحليل مشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، سواء في إطار ما عُرف بمشروعات «الشرق الأوسط الجديد»، أو عبر المبادرات السياسية والأمنية التي برزت مع توقيع ما يسمى «الاتفاقيات الإبراهيمية».

وقد تناولت المنصة هذه التحولات في عدد من الملفات التحليلية التي سعت إلى تقييم آثار هذه الاتفاقيات سياسياً وأمنياً واقتصاديا، ومناقشة انعكاساتها على توازنات المنطقة، إلى جانب طرح تساؤلات حول الرابحين والخاسرين منها، ومحاولة بلورة رؤية مستقبلية حولها.

وفي هذا السياق، برز نقاش واسع حول إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، وموقع القوى التقليدية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مصر والسعودية وتركيا وإيران، في ظل محاولات بناء ترتيبات أمنية جديدة.

وقد ناقشت بعض المقالات فكرة ما طُرح تحت مسمى «ناتو الشرق الأوسط»، وهو مشروع طُرح بوصفه إطاراً أمنياً تقوده إسرائيل بدعم من بعض الدول الإقليمية.

غير أن عدداً من الكتاب والمحللين على المنصة، رأوا أن هذا المشروع يواجه عقبات كبيرة، في ظل رفض قوى إقليمية رئيسية مثل مصر والسعودية وتركيا الانخراط في تحالفات أمنية تقودها إسرائيل.

ومن هنا تكرر في خطاب المنصة طرح سؤال مركزي: إلى أين يتجه الشرق الأوسط في ظل هذه التحولات؟ وما موقع مصر في النظام الإقليمي المتغير، خاصة في ظل تصاعد مشاريع التطبيع وطرح مشروع إسرائيل الكبرى في صورة هيمنة وليس بالضرورة احتلال مباشر.

ثانياً: التقارب بين القوى الإقليمية واتجاهات إعادة ترتيب التوازنات

مصر ودول الخليج وإسرائيل الكبرى
مصر ودول الخليج وإسرائيل الكبرى

أظهرت المواد التحليلية المنشورة على المنصة ميلاً واضحاً لدى عدد من الكتاب إلى تفسير التحولات الجارية، باعتبارها مؤشراً على اتجاه نحو تقارب نسبي بين بعض القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها مصر والسعودية وتركيا، مع بقاء إيران طرفاً أساسياً في معادلة التوازن الإقليمي.

وقد أشار عدد من الكتاب، إلى أن هذه القوى تمثل «المحرك» الرئيسي لأي نظام إقليمي مستقر في الشرق الأوسط، وأن التغيرات الجارية تدفعها تدريجياً نحو قدر أكبر من التنسيق، حتى في ظل استمرار التباينات السياسية والأيديولوجية بينها.

وأن الاعتبارات الجيوبوليتيكية والمصالح القومية أصبحت تتقدم على الخلافات الأيديولوجية، في ظل حالة من السيولة الاستراتيجية التي تمر بها المنطقة.

وقد انعكس ذلك في تحركات دبلوماسية متبادلة، من بينها التقارب بين السعودية وإيران، الذي اعتُبر مؤشراً على السعي للحفاظ على التوازنات الإقليمية، ومنع اختلالها لصالح إسرائيل.

وفي إطار متابعة انعكاسات التحولات الدولية على المنطقة، استضافت المنصة عدداً من الفعاليات والندوات شارك فيها خبراء ودبلوماسيون، كان من بين موضوعاتها، تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الشرق الأوسط، وحرب غزة وتداعياتها على الشرق  الأوسط، وصولا إلى حلقة نقاشية أخيرة، حول تقارب قوى الشرق الأوسط عقدت في فبراير 2026.

ثالثاً: بؤر الصراع الإقليمية من غزة إلى القرن الإفريقي

القرن الإفريقي بعد حرب غزة
القرن الإفريقي بعد حرب غزة

أبرزت المواد المنشورة أيضاً تصاعد أهمية بؤر الصراع الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي باعتبارها ساحات مركزية للتنافس الإقليمي والدولي.

 وقد اعتبرت بعض التحليلات أن الحرب في غزة تمثل «زلزالاً استراتيجياً» أعاد طرح أسئلة عميقة حول مستقبل التوازنات في المنطقة، في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية وامتداد الصراع إلى أكثر من ساحة إقليمية.

وفي ضوء هذه التطورات، ناقش كتاب المنصة ديناميكيات التحالفات المحتملة في المنطقة، انطلاقاً من تداخل المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية بين القوى الإقليمية.

ومن بين القضايا التي حظيت باهتمام خاص التعاون بين مصر وتركيا في الصومال، في إطار مواجهة النفوذ المتصاعد لإثيوبيا وبعض الأطراف الإقليمية الأخرى، إلى جانب التنسيق بين القاهرة وأنقرة والرياض في بعض ملفات المنطقة، ومنها الأزمة السودانية وأرض الصومال وامن البحر الأحمر .

مجلس الأمن الدولي
مجلس الأمن الدولي

كما طرحت بعض التحليلات مبكرا  وجود محورين متنافسين في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي: محور يضم مصر والسعودية وتركيا مع عدد من الأطراف المتحالفة، ومحور آخر يضم إثيوبيا والإمارات وإسرائيل، وهو محور تعززت بعض ملامحه بعد اتفاقيات التطبيع، خاصة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتعاون الأمني.

وفي هذا السياق، اعتبر بعض الكتاب أن التقارب التركي المصري يمثل محاولة لإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي، وخلق توازن في مواجهة تمدد النفوذ الإسرائيلي في بعض مناطق الإقليم، خاصة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

رابعاً: تراجع المظلة الأمريكية وصعود أدوار دولية جديدة

تناولت مواد المنصة أيضاً مسألة تراجع الدور التقليدي للقوى الكبرى في إدارة أزمات الشرق الأوسط، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما دفع عدداً من الدول الإقليمية إلى البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية وأشكال من التحالفات.

وقد استُحضرت في هذا السياق الهجمات التي استهدفت منشآت «أرامكو» في السعودية عام 2019، باعتبارها نقطة كاشفة لهشاشة منظومات الردع التقليدية، وما تبعها من تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على توفير الحماية الأمنية المباشرة لحلفائها في المنطقة،

وأسهمت هذه التطورات، إلى جانب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، في تعزيز توجه بعض الدول نحو تنويع شراكاتها والبحث عن مفهوم الدفاع الذاتي وبناء أطر تعاون جديدة.

وفي المقابل، برزت أدوار دولية جديدة في الوساطة وإدارة الأزمات، وفي مقدمتها الصين، التي لعبت دوراً في رعاية التقارب السعودي الإيراني، وقدمت نموذجاً دبلوماسياً، يقوم على الوساطة والتعاون الاقتصادي، وهو ما اعتبره بعض المحللين مؤشراً على تغير تدريجي في أنماط إدارة الأزمات في الشرق الأوسط، غير محاولتها في التقريب بين الفصائل الفلسطينية.

عامان بعد السابع من أكتوبر
عامان بعد السابع من أكتوبر

وتكشف قراءة مضمون المواد المنشورة عن رؤية مفادها: أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة والتحالفات، ففي ظل تراجع بعض أنماط التحالفات التقليدية وصعود بؤر صراع جديدة، تميل القوى الإقليمية الكبرى إلى البحث عن صيغ تعاون وتنسيق أكثر مرونة، تحكمها المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الجيوبوليتيكية، وهذا الطرح كان مبكرا، قبل أن يتخذ مؤشرات على خطوات عملية جاءت بوضوح خلال نهاية عام 2025 .

وقد طُرح أيضا دور القاهرة بوصفه ممكنا ومحوريا، في معادلة التوازن الإقليمي، سواء عبر علاقاتها مع القوى الكبرى في المنطقة، أو من خلال حضورها في ملفات الصراع الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي ملفات مرشحة؛ لأن تلعب دوراً مهماً في إعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، إذا اتسمت خطواتها بالمبادرة وتراجع نهج التحفظ والحذر.