بالرغم من التحذيرات التي سبقت الهجوم على إيران ووضوح مآلاته وتداعياته، فإن تلك التحذيرات قوبلت بالتجاهل والتقليل من حجم الرد الإيراني المحتمل، مع رفع سقوف المطالب السياسية، بصورة تجاوزت حدود أي محاولة تفاوض حقيقية، الأمر الذي جعل مسار التفاوض أقرب إلى وسيلة لشراء الوقت والتمويه تمهيدًا للهجوم، وقد تزامن ذلك مع ضغط إسرائيلي مكثف على مراكز القرار في الولايات المتحدة؛ للدفع نحو توجيه ضربة عسكرية لإيران، وهو ما ترافق مع حملة سياسية وإعلامية واسعة؛ لتبرير الهجوم وتهيئة البيئة الدولية له.

اندلعت الحرب فعليًا مع تنفيذ إسرائيل هجومًا استباقيًا واسعًا، استهدف مواقع عسكرية إيرانية متعددة إلى جانب مواقع سيادية وتنفيذية مرتبطة ببنية الدولة والقيادة السياسية، إلا أن الرد الإيراني جاء سريعًا خلال ساعات قليلة، عبر تنفيذ هجمات واسعة النطاق، استهدفت إسرائيل مباشرة إلى جانب القواعد الأمريكية في البحرين والكويت والإمارات وقطر والسعودية، وقد كشف اليوم الأول من الحرب عن سمة أساسية في الاستراتيجية الإيرانية، وهي محاولة توسيع ساحة المواجهة منذ اللحظة الأولى وعدم حصرها في الجبهة الإيرانية- الإسرائيلية فقط، بحيث تتحول القواعد الأمريكية والبنية العسكرية في الخليج إلى جزء من ميدان المعركة، هذا التوسيع الفوري للعمليات كان يهدف إلى خلق ضغط متزامن على عدة جبهات وإرباك منظومات الدفاع الجوي في إسرائيل والخليج في وقت واحد.

الإغراق الدفاعي

كما أظهرت الهجمات الإيرانية منذ بدايتها اعتماد تكتيك الإغراق الدفاعي، عبر إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في موجات متزامنة، الأمر الذي يهدف إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي وإجبارها على التعامل مع عدد كبير من الأهداف في وقت واحد، هذا الأسلوب لا يعتمد فقط على دقة الضربة، بقدر ما يعتمد على الكثافة العددية والتزامن في الوقت، وهو ما يسمح لبعض المقذوفات باختراق الدفاعات وإحداث أضرار مباشرة في البنية العسكرية أو الاقتصادية للخصم، وفي هذا السياق، يبدو واضحًا، أن إيران لم تكن تستهدف فقط إلحاق الضرر العسكري المباشر بخصومها، بل كانت تسعى أيضًا إلى إرباك مراكز القرار السياسي والقيادة العسكرية لدى خصومها عبر خلق ضغط عملياتي متزامن في أكثر من جبهة.

في اليوم الثاني من الحرب تكرر الهجوم الإسرائيلي على إيران مستهدفًا العديد من المواقع نفسها التي ضُربت في اليوم الأول، إلا أن التصعيد الأبرز تمثل في توسيع نطاق الاستهداف ليشمل قيادة النظام الإيراني، بدءًا بعملية استهداف المرشد الأعلى، وصولًا إلى اغتيال عدد من قيادات الصف الأول في المؤسسة العسكرية والأمنية، هذا النوع من الضربات يشير إلى انتقال الهجوم من محاولة إضعاف القدرات العسكرية إلى محاولة ضرب مركز القرار السياسي نفسه، غير أن هذا التصعيد كان له تأثير معاكس في طبيعة الرد الإيراني، إذ تحولت الهجمات الإيرانية إلى نمط أكثر شدة واتساعًا، مع زيادة حجم الضربات على إسرائيل بالرغم من حالة الاستنفار الدفاعي والنزول إلى الملاجئ.

في الوقت نفسه، توسعت الهجمات الإيرانية نحو دول الخليج، حيث استهدفت موجات الصواريخ والطائرات المسيّرة أهدافًا متعددة، شملت قواعد عسكرية ومنشآت مدنية، وهو ما ترافق مع محاولات لإغراق الدفاعات الجوية الخليجية بعدد كبير من المقذوفات، كما أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من بعدها العسكري المباشر إلى بعد اقتصادي واستراتيجي أوسع، يرتبط بأمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة البحرية، ومن الواضح أن استهداف الخليج لم يكن مجرد رد فعل عسكري، بل جزءا من استراتيجية تهدف إلى نقل كلفة الحرب إلى المجال الاقتصادي العالمي، وإلى المصالح الحيوية للولايات المتحدة والدول الغربية في المنطقة.

مع دخول اليوم الثالث استمرت العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، حيث تواصلت عمليات الاغتيال في إيران عبر هجمات أمريكية- إسرائيلية مشتركة استهدفت قيادات إضافية، إلى جانب قصف مواقع داخل عدد من المدن الإيرانية، في المقابل، وسعت إيران ردها العسكري باتجاه الخليج بصورة أكبر، خاصة عبر استهداف المواني الحيوية في الإمارات مثل ميناء الفجيرة وميناء جبل علي، كما امتد الهجوم ليشمل مواني في سلطنة عُمان، واستهداف سفن في مضيق هرمز، وهو ما يشير إلى محاولة إيرانية لضرب البنية اللوجستية والاقتصادية التي يعتمد عليها خصومها في المنطقة.

وفي أعقاب استهداف المرشد الأعلى وتصاعد عمليات الاغتيال، انخرطت قوى حليفة لإيران في المواجهة، إذ دخلت فصائل مسلحة في العراق إلى جانب حزب الله على خط الحرب دعمًا لإيران، ما أدى إلى توسع ساحة القتال إقليميًا ودفع إسرائيل إلى الإعلان عن نيتها توسيع العمليات باتجاه جنوبي لبنان.

في اليوم الرابع، ورغم عدم صدور إعلان واضح عن قيادة إيرانية جديدة عقب اغتيال عدد من القادة، استمر الرد الإيراني بوتيرة تصاعدية، حيث شملت الهجمات قواعد أمريكية في الأردن والعراق، إضافة إلى استهداف مطارات في دبي وبغداد والكويت، كما شهدت تلك المرحلة توسعًا في استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، التي حلّقت في نطاق أوسع وصل إلى مناطق مثل قبرص وتركيا، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وطلب دعم تقني في مواجهة هذه الهجمات.

كما أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا إجلاء رعاياهما من الشرق الأوسط، وهو إعلان جاء بعد مشاركة بريطانية في اعتراض الهجمات الإيرانية انطلاقًا من قواعد في الخليج، إضافة إلى مشاركة في استهداف مصادر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل إيران، خصوصًا المواقع العسكرية المحصنة تحت الجبال. وقد أثار ذلك جدلًا سياسيًا، خاصة بعد تصريحات أوروبية، تؤكد الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة التصعيد.

ورغم إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل امتلاك السيطرة الجوية فوق الأجواء الإيرانية، فإن الهجمات الإيرانية استمرت واتسع نطاقها ليشمل أهدافًا إضافية مثل، منشآت نفطية في السعودية والبحرين والإمارات والكويت، إلى جانب ضربات وصلت إلى أذربيجان، وهو ما يعكس محاولة إيرانية لإظهار قدرتها على الاستمرار في القتال رغم الضربات التي تلقتها. كما ترافقت هذه التطورات مع تقارير عن محاولات لفتح جبهة برية عبر مجموعات كردية في مناطق حدودية داخل إيران والعراق.

في المجمل، تكشف هذه التطورات أن الاستراتيجية الإيرانية في الحرب لم تعتمد على الدفاع فقط، بل على تحويل الضربة الأولى التي تلقتها إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، تقوم على توسيع نطاق الاستهداف، وإغراق الدفاعات الجوية، وضرب البنية الاقتصادية واللوجستية في الخليج، مع محاولة الحفاظ على وتيرة هجومية مستمرة رغم الضربات التي استهدفت قيادتها العسكرية والسياسية، كما يتضح أن إيران تعمدت من خلال هذا النمط من الهجمات إلى إرباك مراكز القرار السياسي والقيادة العسكرية لدى خصومها، عبر توجيه ضغوط متزامنة على إسرائيل وعلى القواعد الأمريكية وعلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في الخليج، بما يؤدي إلى توسيع دائرة التهديد والألم؛ ليشمل أكبر قدر ممكن من الدول والمصالح الأمريكية والغربية، وبالتالي، تحويل الحرب من مواجهة محدودة إلى أزمة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها بسرعة.

كيف تطورت الدفاعات الجوية الإيرانية؟

في الحرب الحالية صمدت الدفاعات الإيرانية إلى حد ما بالرغم من الهجوم الأمريكي والإسرائيلي الشامل والعنيف، الذي استخدم فيه قاذفات بي‑ 1 وبي‑ 2 والمقاتلات المتقدمة إف‑ 35 لايتنينج الثانية وإف‑ 22 رابتر، إضافة إلى صواريخ كروز وطائرات إف‑ 15 وإي‑ إيه‑ 18 جي جراولرز للدعم الإلكتروني، مع استخدام صواريخ بلوسبارو وطائرات مسيرة هجومية مثل إم‌كيو‑ 9 ريبر والطائرات المسيرة القتالية الصغيرة، كما تم الاستعانة بأنظمة هيمارس وقذائف توماهوك البحرية والصواريخ المضادة للرادار والذخائر الموجهة بالليزر والقنابل الذكية لتنفيذ ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية على مواقع دفاع جوي ومراكز قيادة وسيطرة وأهداف استراتيجية، بالمقارنة مع حرب الـ12 يوم في العام الماضي، أصبح نطاق الهجوم في الحرب الحالية واسعًا ومتزامنًا، ويشمل كل طبقات الدفاع الإيرانية، وتنوعت الأسلحة لتشمل الصواريخ الباليستية وكروز والطائرات المسيرة والذخائر الدقيقة والهجمات الإلكترونية، وكان التكتيك يعتمد على إغراق الدفاعات المتزامن وتكامل هجومي بين مختلف الوسائل، ما أدى إلى تعطّل جزئي للبعيدة، وضعف المتوسطة، وبقاء القصيرة تحت ضغط مستمر، بينما القدرة على تعطيل القيادة والسيطرة أصبحت شاملة، مما جعل الهجوم أكثر فاعلية وتكاملاً.

خلال حرب الـ12 يوم، اعتمدت إيران على شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات محدودة التكامل، شملت أنظمة بعيدة المدى مثل إس‑ 300 بي إم يو‑ 2 ونسخة أولية من بفر‑ 373، ومنظومات متوسطة المدى مثل خرداد‑ 3 وثالث خرداد، والدفاعات القصيرة المدى مثل مرصاد وسياد‑ 2، إلا أن الحرب أظهرت ضعف التكامل بين الطبقات وضعف قدرة بعض البطاريات على الحركة وإعادة الانتشار، ما جعلها عرضة للاستهداف المباشر، كما ظهرت محدودية القدرة على مواجهة الهجمات المتزامنة والإغراقية والهجمات الإلكترونية.

في السنوات الأخيرة، وعقب تجربة حرب الـ12 يوم، اتجهت إيران إلى تطوير دفاعاتها الجوية من خلال تعزيز بطارياتها المحلية وإدخال بطاريات جديدة من الصين لتعزيز الشبكة الدفاعية، والمنظومات المحلية وشملت تطوير بفر‑ 373 ونسخ خرداد‑ 15 لزيادة مدى الاعتراض وتحسين الرادارات، وربط البطاريات ضمن شبكة موحدة تزيد المرونة، بينما شملت الطبقة القصيرة أنظمة محلية مثل ماجد، مع تركيز على الحركة والتمويه ونشر أهداف وهمية لتقليل احتمالية تدميرها بضربة مفاجئة، إلى جانب ذلك، تشير التقارير إلى أن إيران حصلت على بطاريات بعيدة المدى صينية قريبة من طراز إتش‌ كيو‑ 9 بي، سواء بشكل بطاريات كاملة أو مكونات تقنية لتعزيز الرادارات والقدرة على اعتراض أهداف بعيدة، ما ساعد على سد الفجوة في الطبقة البعيدة بعد فقدان بعض البطاريات خلال الهجمات السابقة، لكن هذه المنظومات الصينية تحتاج إلى تكامل شامل مع الشبكة الإيرانية القائمة، خاصة في الرادارات والقيادة والسيطرة، وإلا تقل فاعليتها تحت هجوم متزامن أو هجوم إلكتروني مكثف.

في الحرب الحالية شهدت الدفاعات الجوية الإيرانية تحسينات مهمة، شملت تحديث المنظومات بعيدة المدى مثل بفر‑ 373 ونسخ إس‑ 300 برادارات أكثر تطورًا قادرة على تتبع أهداف منخفضة البصمة مثل الطائرات المسيرة وصواريخ كروز، وتحديث الطبقة المتوسطة في خرداد‑ 15 وثالث خرداد للعمل بشكل أفضل ضمن شبكة موحدة لتقليل الاعتماد على كل بطارية منفردة، وتوسيع الطبقة القصيرة المدى بإدخال أنظمة محلية جديدة مثل ماجد مع التركيز على الحركة والتمويه ونشر أهداف وهمية، كما تم تعزيز شبكة القيادة والسيطرة وربط جميع الطبقات الدفاعية بشكل أكثر تكاملاً وتحسين البرمجيات لمواجهة الحرب الإلكترونية وتمييز الأهداف الحقيقية من الوهمية، إلا أن نقاط الضعف ما زالت موجودة تحت ضغط الهجمات المتزامنة والإغراقية والهجمات الإلكترونية المتقدمة.

أنظمة الدفاع الجوي الإيراني
أنظمة الدفاع الجوي الإيراني

حتى مع هذه التحديثات، فإن فاعلية الدفاعات الإيرانية تعتمد على التكامل بين الصواريخ والرادارات وشبكة القيادة والسيطرة، حيث أن الصواريخ الإيرانية مثل بفر‑ 373 أو خرداد‑ 15 فعالة في إسقاط أهداف فردية، لكنها تتضاءل تحت هجوم متزامن أو أهداف منخفضة البصمة، والرادارات تواجه تحديات في اكتشاف الأهداف الصغيرة أو تحت التشويش الإلكتروني، وقدرات القيادة والسيطرة تتحسن مع الربط الشبكي، لكنها تبقى معرضة للتأثر بالهجمات الإلكترونية والتزامن الكبير للضربات، لذلك تظل نقطة الضعف الأساسية في الدفاعات الإيرانية هي تكامل الرادارات والقيادة والسيطرة تحت الضغط والإغراق، وليس الصاروخ نفسه، رغم أن تعزيز البطاريات المحلية وإدخال البطاريات الصينية بعيدة المدى ساهم في زيادة مرونة الدفاعات وقدرتها على مواجهة الضربات المتنوعة وتقليل احتمالية تدميرها

الحرب السيبرانية والعمل الاستخباراتي للتمهيد وضرب إيران.. الإختراق المعادي

سبقت الحرب السيبرانية الهجوم العسكري المباشر وإطلاق النيران بفترة طويلة، وكانت جزءًا من عملية ممتدة ومتراكمة استمرت لسنوات قبل اندلاع المواجهة، فالهجمات الإلكترونية وعمليات الاختراق وبناء شبكات التجسس الرقمية وزرع البرمجيات الخبيثة داخل البنية التحتية الحساسة كانت مراحل تمهيدية، استخدمت لاختبار الدفاعات وجمع المعلومات وتعطيل الأنظمة عند الحاجة، في إيران مثلت الشبكة الرقمية المترابطة نقطة حساسة في منظومة الدفاع، لأن الرادارات المتعددة ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة تعتمد جميعها على تدفق بيانات سريع ودقيق لتشكيل الصورة الجوية التي تسمح بتحديد الأهداف وتوزيعها، وبالتالي، فإن أي اضطراب فيها يمكن أن يبطئ الاستجابة أو يخلق تضاربًا في التوجيهات بين الوحدات الدفاعية، لذلك لم يكن الهدف الأول للهجوم السيبراني تدمير المعدات بل التأثير في تدفق المعلومات نفسها.

في المقابل، اعتمدت إسرائيل على مزيج معقد من القدرات التقنية والاستخباراتية المتقدمة عبر وحدات متخصصة، ولم تقتصر استراتيجيتها على الضربات العسكرية المباشرة فقط. بدأت العملية بجمع معلومات تفصيلية عن بنية الدفاعات الإيرانية، بما في ذلك أنظمة الرادارات وشبكات القيادة والسيطرة والبرمجيات المستخدمة وطبيعة الربط بين هذه الأنظمة، هذا الجمع المكثف للمعلومات سمح بتحديد الثغرات المحتملة في الشبكة سواء في تحديثات البرمجيات أو أجهزة الصيانة أو نقاط تبادل البيانات التي تربط الأنظمة المختلفة.

بعد تحديد نقاط الضعف بدأ تنفيذ اختراق تدريجي للشبكات غالبًا عبر بوابات رقمية مخفية أو برامج متسللة، أُدخلت داخل تحديثات تبدو شرعية، داخل الشبكة تمكن المهاجمون من مراقبة حركة البيانات بين الرادارات ووحدات الإطلاق واستهداف الصورة الجوية التي تجمع إشارات الرادارات المختلفة لتحديد الأهداف الحقيقية، ومن خلال إدخال تأخير في نقل البيانات أو خلق تضارب في الإشارات تأثر القرار العسكري داخل إيران، بينما بدا للمشغلين في كثير من الحالات، أن الأنظمة تعمل بصورة طبيعية.

في الوقت نفسه، تم دمج هذا الاختراق الرقمي مع عمليات تشويش إلكتروني ميدانية، نفذتها منصات متقدمة مثل المقاتلة الشبحية «إف- 35 آي أدير» التي تستطيع جمع الإشارات الإلكترونية وتشويش الرادارات أثناء الطيران، هذا الدمج بين التشويش الإلكتروني والهجوم السيبراني خلق بيئة من الارتباك المركب، حيث تتلقى الرادارات إشارات مضللة وتصل إلى شبكات القيادة بيانات غير متناسقة، بينما تضطر البطاريات الدفاعية في بعض الحالات إلى العمل بصورة شبه مستقلة، وهو ما يقلل من فعالية منظومة الدفاع ككل، ومع ذلك تشير طبيعة الضربات الإيرانية اللاحقة، إلى أن تأثير هذا الاضطراب في الصورة الجوية كان محدودًا نسبيًا، إذ تمكنت إيران من توجيه ضربات دقيقة، وتجاوز بعض الدفاعات الجوية عبر استخدام صواريخ متقدمة متعددة الرؤوس، ما يشير إلى أن قدراتها الهجومية ظلت قادرة على العمل رغم الضغوط السيبرانية والتشويش الإلكتروني.

كما لعبت العمليات البشرية والاستخباراتية دورًا مهمًا في هذه العملية، إذ ساعدت المعلومات المتعلقة بالمشغلين والمهندسين ومسئولي الصيانة على تسهيل إدخال البرمجيات الخبيثة وإبقائها مخفية داخل الشبكات لفترات طويلة، هذا المزيج من الخبرة التقنية والبشرية سمح بتنفيذ هجمات، لا تستهدف تدمير الأنظمة مباشرة بل إبطاء استجابتها وخلق ثغرات زمنية مؤقتة، يمكن استغلالها عسكريًا، وقد أشارت تقارير إعلامية بينها صحيفة فايننشال تايمز، إلى أن الضربات التي استهدفت مواقع حساسة داخل إيران؛ كانت نتيجة عملية مركبة، جمعت بين الاستخبارات البشرية والتجسس التقني والهجمات السيبرانية، وهو ما مكّن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية من كشف القيادة الإيرانية وتحركاتها اليومية بدقة كبيرة.

الاختراق الرقمي لم يقتصر على منظومات الدفاع الجوي، بل امتد إلى البنية التحتية الرقمية والإعلامية داخل إيران. خلال العمليات العسكرية ظهرت مؤشرات على موجات من الهجمات السيبرانية التي استهدفت تطبيقات ومنصات رقمية يستخدمها الإيرانيون يوميًا، مثل تطبيق المواقيت الشهير تقويم بادِسَبا الذي تم اختراقه لإرسال رسائل جماعية إلى ملايين المستخدمين، ووفق تقارير متعددة فقد استُخدم التطبيق لإرسال إشعارات سياسية إلى أكثر من خمسة ملايين هاتف داخل إيران، تحث المستخدمين على الانضمام إلى ما وُصف بجهود «تحرير البلاد»، في مثال واضح على استخدام التطبيقات اليومية كأدوات للحرب النفسية.

كما تعرضت وسائل الإعلام الرسمية للاختراق، فقد أظهرت مقاطع فيديو من داخل إيران، تعرض بث القناة الثانية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية للاختراق لبضع دقائق، حيث ظهرت على الشاشة لقطات لرضا بهلوي ولي العهد الإيراني السابق مع رسائل سياسية موجهة للشعب الإيراني، هذا النوع من الاختراقات الإعلامية يعكس محاولة للتأثير على الرأي العام وإحداث صدمة نفسية داخل المجتمع في لحظات الصراع.

الهجمات السيبرانية لم تقتصر على إيران فقط، بل امتدت إلى دول المنطقة، فقد أعلنت وزارة الاتصال الحكومي الأردنية عن هجوم سيبراني، استهدف نظام صوامع القمح التابع للشركة الأردنية العامة، وهو ما يشير إلى أن البنية التحتية الحيوية مثل الغذاء والطاقة أصبحت جزءًا من ساحة الصراع الرقمي، كما شهدت المنطقة حوادث مشابهة مثل انقطاع كامل للتيار الكهربائي في معسكر التاجي أحد أكبر القواعد العسكرية في العراق؛ نتيجة هجوم سيبراني، إضافة إلى انقطاع الكهرباء في مطار بغداد الدولي لفترة وجيزة في حادثة نُسبت إلى هجوم إلكتروني.

وفي دول أخرى ظهرت مؤشرات على اتساع نطاق الهجمات الرقمية، إذ اتخذت سوريا إجراءات لتعزيز الأمن السيبراني بعد اختراق حسابات رسمية بينها حساب الرئاسة وعدد من الوزارات، بينما تعرضت مواقع حكومية في الكويت لاختراقات، شملت الوصول إلى أنظمة تبادل البيانات الخارجية وقواعد بيانات حساسة بينها، بيانات التعداد السكاني. هذه الحوادث تعكس اتساع ساحة الحرب السيبرانية؛ لتشمل بنى تحتية ومؤسسات حكومية في عدة دول في المنطقة.

إلى جانب الاختراق الرقمي برز عنصر آخر لا يقل أهمية وهو الاختراق البشري على الأرض، فقد أقرّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع قناة الجزيرة بوجود عملاء وشبكات اختراق داخلية، تعمل داخل إيران، مشيراً إلى أن الحكومة أنشأت أجهزة خاصة للتعامل مع هذه الاختراقات وملاحقة الشبكات المرتبطة بأجهزة استخبارات أجنبية، وأوضح عراقجي أن هذه الاختراقات لا يمكن ربطها بالاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، مؤكداً أن تلك الاحتجاجات كانت مرتبطة أساساً بالعقوبات الاقتصادية والضغوط المعيشية، وأن الحكومة تعمل على معالجة أسبابها، حتى فيما يتعلق بالمعارضين الإيرانيين في الخارج.

وتشير بعض الروايات، إلى أن عمليات الاختراق البشري امتدت لسنوات طويلة عبر شبكات تجسس متخفية داخل المجتمع الإيراني، بما في ذلك عناصر يشتبه في أنهم عملوا تحت غطاء مهني مثل أطباء أو خبراء تقنيين للوصول إلى شخصيات سياسية وعسكرية حساسة، مما يمكنها من جمع معلومات دقيقة عن تحركات القيادات أو تسهيل تحديد الأهداف في العمليات العسكرية.

كما امتدت الحرب الرقمية إلى مستوى الحرب النفسية، فقد نقل الإعلام الإيراني تحذيراً من القيادة السيبرانية في إيران، يدعو المواطنين إلى حذف تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي الأجنبية مثل تيك توك وواتساب وإكس وفيسبوك، بدعوى أن أجهزة الاستخبارات المعادية تمتلك القدرة على الوصول إلى بيانات المستخدمين واستخدام هذه المنصات لتنفيذ عمليات تأثير واختراق معلوماتي.

هذا التكامل بين العمليات السيبرانية والعمليات الاستخباراتية والميدانية سمح بخلق فجوة زمنية واستراتيجية، يمكن استغلالها عسكريًا دون الحاجة إلى تدمير الدفاعات الجوية بشكل مباشر.