انطلاقًا من أن تعريف اللا مركزية، بأنها استراتيجية تساعد على التقريب بين الدولة ومواطنيها، حيث تسمح البلديات وهيئات الحكم المحلي كما المؤسسات المحلية الديمقراطية للمواطنين بالتعبير عن احتياجاتهم وتطلعاتهم، ووضع استراتيجيات فاعلة لمواجهة المشكلات التي تواجههم وتؤثر عليهم إلى جانب إدارة موارد الدولة، كما يسهم القرار السياسي المحلي القائم على أساس من الديمقراطية والمشاركة في زيادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ومن ثم تساعد في بناء شرعيتها، وهو ما يعتبر أمراً حاسماً في المراحل الانتقالية، كما أن تعزيز الحوكمة المحلية الديمقراطية يخلق نوعاً من المساحة للمواطنين، ويتيح الفرصة لتفاعل مجموعة متنوعة من الجهات المحلية الفاعلة، مثل الشخصيات الفاعلة في المجتمع ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص ومسئولي القطاع العام والممثلين السياسيين المحليين وموظفي القطاع الحكومي والأقليات، لكن في الوقت نفسه تواجه “اللا مركزية” خطر تغلغل “شبكات الزبائنية السياسية”، وتفشي الفساد وتهميش الأقليات والفقراء، وذلك في حال عدم وجود أنظمة مؤسسية وسياسية قوية على المستوى المحلي، وغياب آليات المشاركة والمساءلة التي يستطيع المواطنون من خلالها مراقبة البلديات وهيئات الحكم المحلي، ولعب دور أساسي في تحديد برامجها ونشاطاتها، كما أنه يجب أن تقوم استراتيجيات اللا مركزية السليمة؛ بهدف تحقيق توازن دقيق بين الحكم الذاتي المحلي وبين الدولة المركزية، وتعتبر الحكومات المحلية المنتخبة مكون أساسي من النظام، والتي من خلالها يتمكن المواطنون من المشاركة ومراقبة كيفية استغلال الموارد العامة، ومساءلة مسئولي الحكومات المحلية، وذلك من خلال الانتخابات وآليات المساءلة الاجتماعية.

فإلى أي نمط ينتمي مشروع القانون الجديد، ولكن قبل ذلك، لا بد وأن نؤكد على أن الدستور المصري في فصل نظام الحكم قد أكد على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية، تتمتع كل وحدة بالشخصية المعنوية، وهو ما يؤكد السعي نحو اللا مركزية بشكل دستوري قاطع الدلالة، بل وأكد على أن المحليات تتمتع باستقلالية تامة، ولا بد من احترام ما تقرره، وعلى هذا الهدف قد جاء مشروع القانون الجديد المقدم من النائب/ عطية الفيومي، فقد سار في تقسيماته للوحدات الإدارية على ذات النهج في القانون القديم، إذ قسم الجمهورية إلى وحدات كبرى، ممثلة في المحافظات، ويخرج منها وحدات أقل، ممثلة في المراكز أو المدن، ومن تحتها وحدات أصغر، ممثلة في المجالس القروية.

ولكن قد جاء هذا المشروع بوضعية جديدة لم يسبق وجودها، وهي مخصصة للعاصمة الإدارية الجديدة، وذلك بحسب نص المادة 119 من المشروع، والتي يجري نصها على أن: هي مقاطعة ذات طبيعة خاصة ضمن نطاق مدينة القاهرة واستثناءً من أحكام هذا القانون، يصدر بتحديد حدودها وتنظيمها وإدارتها قرار من رئيس الجمهورية، وهى مقر الحكم وبها مقر رئاسة الجمهورية ومقر الحكومة والوزارات والسفارات ومجلس النواب ومجلس الشيوخ وغيرها من المؤسسات والهيئات العامة والدستورية، ثم جعل لها وضعية مختلفة استثناء من نصوص هذا المشروع بقانون، بأن جعل لها مجلس أمناء، يعينه رئيس الجمهورية، بخلاف النص على سلطة رئيس الدولة في تعيين رئيس لما أسماه بالمقاطعة الجديدة، وتكون له سلطات المحافظ، وذلك وفق نصي المادتين 120، 121 من هذا المشروع.

فهل يتفق ذلك مع أي تعريف بسيط لمفهوم الديمقراطية؟ أو يتناسق مع مفهوم اللا مركزية، أو يتماهى مع ما للمحليات من توجهات في النظام الديمقراطي، إذ كيف يتم تكريس سلطة التعيين لما أسماه هذا المشروع بالمقاطعة في يد رئيس الجمهورية، مع أن نظام المحليات في أساسه يقوم على تكريس نمط الانتخابات، ولم يقف حد التعيين عند منصب رئيس المقاطعة، بل امتد إلى تعيين ما أطلق عليه مجلس الأمناء، وهو الأمر الذي يتقاطع بشكل عكسي مع مفهوم الديمقراطية من كون تعزيز الحوكمة المحلية الديمقراطية تخلق نوعاً من المساحة للمواطنين، وتتيح الفرصة لتفاعل مجموعة متنوعة من الجهات المحلية الفاعلة مثل الشخصيات الفاعلة في المجتمع ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص ومسئولي القطاع العام والممثلين السياسيين المحليين وموظفي القطاع الحكومي والأقليات، كما أن ذلك التخصيص الاستثنائي يخرج بهذا المقاطعة عن النمط السائد لباقي قطاعات الجمهورية، فما هو مدلول الاختلاف بين العاصمة الإدارية، وبين باقي مساحة جمهورية مصر العربية، حتى تخرج عن السياق القانوني المنظم لإدارة المحليات فيها، ومن ناحية ثانية، كيفية الوضع في تكريس سلطة التعيين في يد رئيس السلطة التنفيذية.

وإذ أن تعزيز الحوكمة المحلية الديمقراطية تخلق نوعاً من المساحة للمواطنين، وتتيح الفرصة لتفاعل مجموعة متنوعة من الجهات المحلية الفاعلة، مثل الشخصيات الفاعلة في المجتمع ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص ومسئولي القطاع العام والممثلين السياسيين المحليين وموظفي القطاع الحكومي والأقليات.

كما أنه يتميز النظـام اللا مركزي في إدارة المديريات والمدن الكبرى، وما يشابهها من الإدارات الجغرافية الكبرى بالتطور المستمر الذي يحدث تبعًا لمتطلبات كل دولة واحتياجاتها, وقد يكون هذا التطور بسيطًا في بعض الأحيان، إلا انه قد بكون تغييرا جذريًا في أحيان أخرى، إذا اقتضت ذلك ظروف جديدة هامة. ويحدث ذلك بصفة خاصة في الدول النامية التي تسعى إلى التخلص من تقاليدها الإدارية القديمة أي المركزية الضيقة، والتي تسعى أيضا للاستفادة من مواردها المادية والبشرية؛ لتحقيق أقصى ما يمكن من التنمية عن طريق الأخذ بقدر من اللا مركزية في الإدارة المحلية (إدارة المناطق أو المقاطعات.. إلخ)، ولا شك أن هناك العديد من العناصر المتعلقة بإدارة وتنمية المناطق أو المقاطعات كإدارات محلية، منها ما يتعلق بالشكل القانوني لها الذي يتمثل في الحكومات المحلية وإدارتها في إطار النظام السياسي للدولة.

لكن كل ذلك لا يسمح بوجود وضع تمييزي بين الوحدات وبعضها البعض، خصوصًا في ذات النواحي أو الأطر المشتركة بينهم، وهو ما تفضحه نصوص ذلك المشروع بوضعية تميزية تخرج بالعاصمة الإدارية عن الإطار الحاكم لنظام المحليات في كل أرجاء الجمهورية، وهذا الوضع التمييزي لا يدفع إلى جودة العمل المحلي كنموذج من تبسيط إجراءات الحكم، بل يدفع إلى تكريس السلطة في يد السلطة التنفيذية بشكل قاطع الدلالة، وهو ما يتنافى مع مفهوم اللا مركزية أو المحليات، كما أنه يهدر قيم الديمقراطية، ويستبعد النظام الانتخابي كأهم أدوات تنظيم الحكم في دولة القانون، حيث يعد نظام اللا مركزية الإقليمية من أهم الأنظمة الإدارية والسياسية لإدارة شؤون السكان في الوحدات الإدارية في الدولة الحديثة، مما جعل أكثر دول العالم، أن تأخذ به، وتعمل على تحديثه بين الحين والآخر، ولا يمكنها الحياد عنه لما يشكل من أهمية قصوى في تعميق الديمقراطية وإحداث تنمية محلية وخلق تنافس بين الوحدات الإدارية لسد حاجيات السكان المحليين بأفضل الطرق والاستثمار الأفضل لمدخراتها ومواردها المحلية، كما ارتبط نظام اللا مركزية الإقليمية بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتطور وظائف الدولة، مما جعل الدول تعمد إلى نقل وظيفتها الإدارية والسياسية من الهيئات المركزية في العاصمة إلى هيئات محلية منتخبة وإصدار التشريعات لتنظيمها وحمايتها، وإطلاق العنان لها في التنظيم الإقليمي للإدارة والسلطة، وتفرغ الهيئات المركزية للمهمات الجسيمة في ظل نظام العولمة.

فمن هنا، فإن ذلك المشروع بهذه الوضعية التميزية لقطاع مستحدث من قطاعات الجمهورية، يخرج بذلك القانون عن الهدف الاساسي له، في تعميق مفهوم الديمقراطية واللا مركزية.