في ظل المناخ المُلبد بغيوم التسلط والاستبداد، والذي يضاف إليه اليوم حالة الاختراق الخارجي الصهيو- أمريكي في المنطقة العربية، لا شك لدى الكثيرين من أن هناك إمكانية لإصلاح الأوضاع القائمة، بحيث تتبدل منظومة وتراتبية وسرديات الاستبداد أو الحكم الشمولي أو الديمقراطيات المقيدة في مصر وأغلب البلدان العربية، كي تجنح نحو الديمقراطية ورفعة المناخ الحقوقي في تلك البلدان.
ما من شك أن الإصلاح المطلوب مُرتهن بعدة شروط منها ارتباطه ببقاء الأوضاع القائمة بشأن النظم الحاكمة على حالها، بمعنى أنه يستحيل في الوقت الراهن الحديث عن تحول الملكيات غير الدستورية العربية إلى ملكيات دستورية، ومن ثم، فإن الأمر قد يرتبط بإصلاحات أكثر منه تغييرات، فمثلا إذا كانت النظم الملكية في بلدان الخليج يصعُب تغيير نظمها الحاكمة، فإنه من الممكن أن ترمم ديمقراطيا بشكل يُبقي على طرائق وراثة العرش في تلك الممالك، وبقاء الحكام كقادة للسلطة التنفيذية بها كما هو، لكن مع إحداث بعض التعديلات، كأن تتحول تلك الدول من التجربة السعودية الموغلة في التسلط مثلا إلى التجربة الكويتية على سبيل المثال الأقل وطأة والأكثر استنارة مقارنة بباقي بلدان الخليج، مع التحفظ بالطبع على مزاجية وتواتر قيام الأمير بدولة الكويت بتعليق العمل بالتجربة الديمقراطية، وحل مجلس النواب كما يحلو له.
الأمر أو الشرط الثاني، أن الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة مرتبط بثُلة القيم التي جرى عليها العمل وفقا للشرعة الدولية لحقوق الإنسان المرتبطة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية (1966)، وغيرها.
ما سبق يعني، أن المرء سيكون بعيد بالكلية عن أية انتقادات مرتبطة بالمنظومة الديمقراطية التي جرى، ويجري العمل بها في الديمقراطيات العتيقة والراسخة، بعبارة أخرى، إن كافة الكتابات التي تنتقد الممارسات الديمقراطية، وترتبط بالبحث عن أطر بديلة كالديمقراطية المباشرة أو خلافه، هي أمور ستكون من الرفاهية أو الترف البحث فيها.
حتمية إنهاء عصر النظم العربية الفاشلة
ما من شك أن لدى الكثيرين هموما كبيرة؛ بسبب ما يحدث منذ سنوات في كل من الصومال وليبيا وسوريا والسودان واليمن، فهذه الدول تشكل عام 2026 نحو 37% من عدد سكان الوطن العربي، أما مساحتها فتصل إلى نحو 36% من المساحة الإجمالية لكافة الأقطار العربية، ومن ثم، فإن الحديث عن الاستحقاق الديمقراطي في منطقتنا العربية، لا يمكن أن يستقيم وتلك البقاع الخمس، تنزف نتيجة الصراع على السلطة وأزمات الهوية والاندماج والتكامل والشرعية والتغلغل والمشاركة والتوزيع، كل تلك الأزمات أحدها أو بعضها أو كلها مُتخم بها الأقطار الخمسة، صحيح أن بعض الدول العربية الأخرى تعاني من بعض تلك الأزمات، لكن يبدو أن الحد الأدنى من مقومات الدولة متواجد في تلك البلدان، أما البلدان الخمسة آنفة الذكر، فيمكن أن يطلق عليها بلدان فاشلة بامتياز، ومن ثم فإن الحديث عن الاستحقاق الديمقراطي في الوطن العربي من دون هذه البلدان يبدو غريبا وغير منطقي، ليس فقط بحكم عدد السكان ومساحة تلك البلدان التي تتجاوز ثلث عدد السكان والمساحة، بل لكون تلك البلدان ذات أهمية جيو سياسية كبرى في الوطن العربي، نظرا لموقعها وثرواتها ووقوعها في خاصرة الوطن رغم أن البعض منها يبدو جغرافيا ضمن تخومه.
لا شك أن هناك أبعادا خارجية للأزمات في تلك البلدان، ناهيك عن أن عديد القوى الخارجية- إقليميا ودوليا- تساهم في التهاب الصراع في تلك البلدان، بما في ذلك بلدان عربية متورطة في تأجيج الصراعات في البلدان الخمسة، على النحو القائم على سبيل المثال لا الحصر في التدخل الإماراتي والتركي في شؤون ليبيا، والإماراتي في السودان، والإثيوبي والصهيوني في الصومال، والتركي والأمريكي والصهيوني في سوريا، والإماراتي والسعودي والإيراني في اليمن.
من هنا، فإن تجميع أطراف الصراع في تلك البلدان، بما في ذلك الصراع المهم المسكوت عنه بين فتح وحماس في غزة، يبقى مسئولية عربية، قبل أن يكون مسئولية إقليمية أو دولية، ولعل أحد سبل حل تلك الصراعات هو ضرورة إيجاد مخرج لتقاسم السلطة وتمثيل الكيانات الثقافية في الحكم والقضاء على الميليشيات المسلحة، وإجراء إصلاحات في بنية وهياكل المؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية، بما يضمن الاتفاق على إنهاء تلك الأزمات الست آنفة الذكر.
لا شك أن إحداث صيغ توافقية هو أمر لا غنى عنه، بحيث تخرج تلك البلدان من حلقة الصراع الدامي وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب، بما يضمن الحلول الوسط والتوافق العام، وصولا لعقد اجتماعي يحقق لتلك البلدان تماسكها، وحتى لا تبكي شعوب تلك البلدان على عهود الحكام الفرديين والمتسلطين والمستبدين الذين حكموا تلك البلدان لسنوات طويلة بالحديد والنار دون اقتتال أهلي. هذا البكاء والندم يبدو غير منطقي، لأن تلك الحالة التي وصلت إليها تلك البلدان اليوم هي أحد أبرز نواتج هذا الحكم التسلطي.
الأحزاب السياسية والعدالة الاجتماعية
ويقصد بذلك ضرورة العمل على تأسيس الأحزاب السياسية وضمان استمراريتها، حيث يعتبر ذلك أحد أهم الحلول للخروج من الأزمة الديمقراطية القائمة، ما من شك أن هناك صيغا سياسية تنظيمية قديمة، يبدو أن الزمن قد عفى عليها تماما، ومنها الصيغة الناصرية المرتبطة بتحالف قوى الشعب العامل، حيث كانت تلك الصيغة مناسبة لوقتها وزمانها، إذ إنه كان نتيجة المشكلات الداخلية والخارجية التي مرت بها دولة كمصر، أن صدرت تلك الصيغة للتحالف بين العمال والفلاحين والجنود والرأسمالية الوطنية والمثقفين، وقد تأسس وقتئذ الاتحاد الاشتراكي العربي في رفض واضح لمبدأ التعددية الحزبية، والاندماج بين القوى الثورية، وإلى جانب ذلك الشأن السياسي حدثت طفرة واضحة في الشأن الاجتماعي المعتمد على تحقيق العدالة الاجتماعية، ومساعدة الطبقتين الوسطى والدنيا على الارتقاء، وقد تم ذلك كله من خلال التعليم والصحة والأخذ بيد العمال والفلاحين، لرفع الغبن التاريخي عنهم.
الأحزاب اليوم- رغم عديد الانتقادات لها- ما زالت لب التنمية السياسية في البلدان المتمدينة، وهي الذراع الضامن للرأي والرأي الآخر، ولكون هدفها هو الوصول إلى السلطة سلميا، فإنها تصبح ملاذا للكثيرين لممارسة العمل السياسي بنجاح ودون أي اقتتال، من ناحية أخرى، فإن الأحزاب كمؤسسات غير رسمية في الدولة هي وسائل معتبرة للتجنيد السياسي، فهي إلى جانب أعمال كثيرة تُعد وسيلة صحية للتأهيل للصعود إلى ناصية القرار التنفيذي والتشريعي في البلاد، فضلا عن ذلك، فإن وجود الأحزاب السياسية يُظهر الخلافات المكبوتة إلى العلن، حيث تكون تلك الكيانات مكشوفة لذاتها وللأنداد، ومن ثم تُصبح وسائل الانفجار أو الثورة على الحكم غير مبررة، ما دامت وجدت كافة المسهلات التي تعمل بها تلك الأحزاب كما في حالة البلدان المتمدينة، ويقصد بالمسهلات في البيئة الداخلية للأحزاب: حرية الاجتماع والتنظيم، وتداول القيادة بها، وديمقراطية صنع القرار داخلها، والانتشار الجغرافي، والحوكمة والحكم الرشيد في كافة شؤونها المالية، وتقرير وسائل لحل النزاعات بها، أما المسهلات في البيئة الخارجية، فيقصد بها إتاحة مشاركتها في الانتخابات على كافة المستويات، والتمثيل في المجالس النيابية والبلدية، ونشر البيانات عبر الصحافة الحزبية والمواقع الإلكترونية.. إلخ.
في الوطن العربي هناك 9 دول عربية، تعترف بالأحزاب السياسية كمؤسسات سياسية غير رسمية، بينما تبقى دولتان فقط هما: الكويت والبحرين تقر بوجود جمعيات، تقوم بعمل الأحزاب السياسية، وبطبيعة الحال، يختلف النشاط المصرح به لكافة تلك الكيانات في الـ11 دولة، ما بين التقييد والتسهيل. أما باقي البلدان العربية فلا تعرف التجربة التعددية، وربما لم تمر بها على الإطلاق. وهذا الأمر يتحتم تغييره جملة وتفصيلا.
مقابل تحقيق التنمية السياسية عبر الأحزاب السياسية، فإن استمرار الاهتمام بالعدالة الاجتماعية، ورفع الظلم عن الطبقات الكادحة، يبقى هو الطرف الثاني المهم لإكمال معادلة العدالة والمساواة بكافة المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي أمور تتم من خلال الدعم العيني أو النقدي للفقراء، وإعادة توزيع الدخول من خلال وضع حدين أعلى وأقصى للدخل، والضرائب التصاعدية، وتأسيس حزم اجتماعية نوعية للعناية بصحة وتعليم الطبقات والفئات الأكثر احتياجا.
دمج الأحزاب الدينية بالأحزاب المدنية
ظلت الأحزاب الدينية والرغبة في وثوبها إلى السلطة، وخشية بعض نظم الحكم العربية من هذا العمل، واحدا من أبرز الأمور التي ساهمت في إرجاء الاستحقاق الديمقراطي. فبعض النظم لديها قناعة، أن شعوبها تميل إلى انتخاب الإسلاميين، وأن خطاب هؤلاء يستميل عقول الكثير من العامة، ما يجعل هناك رغبة في احتواء هذا التيار الصاعد، خاصة وقد قام في أوقات سابقة بأعمال مساعدة وإغاثة للناس في الكثير من الخطب والنكبات التي مروا بها؛ خشية بعض النظم العربية تنبع من عدم القدرة على ملاحقة خطاب وسلوك الإسلاميين، وكذلك الخوف من أن يتوقف التداول السلمي للسلطة حتى حدود وصولهم إليها، وكأنهم- أي الحكام في تلك النظم- هم من قاموا بتداول السلطة بين من هم من غير الإسلاميين.
الصراع بين الديني والمدني، رغم أنه موجود بالفعل في أكثر من بلد عربي كمصر وتونس والأردن وسوريا، إلا أن الشاهد أن أبرز ضحاياه ليس الطرف الإسلامي أو نده المدني، بل أن المواطن العربي نفسه هو الضحية المباشرة، لإن إرجاء الاستحقاق الديمقراطي يمس مصلحة مباشرة له، وهو التفاعل الإيجابي السلمي مع الشأن العام، والمشاركة في الحياة العامة، والمساهمة في صنع القرار، والترشيح والانتخاب في المناصب العامة، وإعلان الرأي والرأي المقابل، والانغماس في الأنشطة والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في الدولة، ما يساهم في الحد من العنف.
أحد أهم سبل منع الإسلاميين كتنظيمات من الوصول إلى سدة الحكم، هو تقنين مشاركتهم في العمل السياسي كمواطنين، وليس كتنظيمات أو مؤسسات دينية حزبية أو غير حزبية. بعبارة أخرى، تقوم الأحزاب السياسية بإشراك الإسلاميين كأفراد، في الحياة العامة من خلال تلك المؤسسات، مع اتخاذ كافة السبل لمنع هيمنة هؤلاء على المؤسسات الحزبية المدنية.
وللحديث بقية






