لا يعرف أغلب الناس من المتصوفات، العابدات الزاهدات، سوى رابعة العدوية، فاسمها الأكثر جريًا على الألسنة، وحكايتها متداولة، مختلفة الروايات، قابلة للحذف والإضافة، ومفتوحة على التقول والتخيل، حتى صارت أمثولة، بينما تجهل الأغلبية الكاسحة من المسلمين أسماء الأخريات.
ربما يعود هذا إلى أن حكاية رابعة آسرة جاذبة حافلة بالدراما، وخاضعة لمنطق الفن الذي يرى الشخصيات الإنسانية في نموها وتطورها، كائنات من لحم ودم، فهي وفق إحدى الروايات الشائعة، كانت مغنية وغانية جميلة، تفتن الناس، ثم تابت واعتزلت، في خلوتها تتعبد، وكان لها عزم شديد، في أن تعطي ظهرها لدنيا مقبلة عليها، حيث المال والذيوع وخضوع أصحاب الجاه.
إنها حالة متكررة في الأدب الإنساني، رأيناها مع الناسكة الإسبانية تريزا الآبلية (1515- 1582 م) التي غادرت الدير، وبدأت حياتها الثانية وقرأناها عند أناتول فرانس في رواية بطلتها غانية من الإسكندرية اسمها “تاييس”، فتنت شباب المدينة، وما إن تحضر في الشهود أمام العيون، أو في الشرود لدى المخيلات، أو في النفوس فتضطرب لها الخواطر، حتى تبدد كل عظات القديس “بافنوس”، كان هو يحدث الشباب نهارًا عن الورع والزهد، فتفسدهم هي ليلًا، فلا يأتي الفجر إلا ويكون جهد القديس قد ذهب هباء منثورًا.
لم يجد القديس أمامه من سبيل سوى أن يسعى في هداية “تاييس” موقنًا، أنه إن تمكن من ذلك فسيهتدي كل شباب المدينة، ذهب إليها يدعوها إلى التقوى، فدعته إلى الفجور، يحدثها عما بعد الموت، فتمطره بحديث عن زينة الدنيا، يكلمها عن الرب، فتطارده بكل ما علمه إياها الشيطان.
طالت اللقاءات بينهما، وإذا بالقديس يشعر تباعًا، أن ما يجعله يحرص على مواصلة اللقاء ليس البحث عن الهداية، إنما هي الغواية، وبينما كان هو يزداد بها شغفًا، ويجرفه إليها اشتهاء، كانت هي تفكر فيما تسمعه منه، وتقف على أول الطريق إلى الله، فانقلب الحال تمامًا، هو يصرخ من فرط شوقه إليها بعد تمنعها عليه، حين رأت الشيطان، يسكن نظرته إليها: “أيها الأحمق الباحث عن السعادة الخالدة في غير شفاه تاييس”، بينما هي ترفع وجهها إلى السماء، وتنادي الله: “أنا آتية إليك”.
يطلب منها القديس، أن تجاريه فيما يطلبه، ولم يكن سوى جسدها اللين، فتطلب منه ألا يخون مساره، يذهب هو إلى الحانة، وتذهب هي إلى الدير، لتنتهي الرواية، هي راهبة، وهو ماجن مجنون بها، يسير أشعث أغبر يهذي في الطرقات، والشباب الذين كان يعظهم بالأمس يقذفونه بالحجارة.
هذه الصورة المتخيلة، وعابرة الثقافات، لرابعة العدوية لفتت انتباه د. هالة فؤاد، في دراستها “حضور السطوة أو سطوة الحضور في هامش الهامش.. ما بين أيقونة رابعة ومخايلة الهوامش المنفية” فذكرت أن الدارسين سقطوا في فخ الصورة المتخيلة لرابعة، ذات الوهج السردي الساحر، الذي استدعى تواريخ مماثلة لقديسات مسيحيات شهيرات لفترة رابعة، في مقاربة مع صورة السيدة مريم العذراء.
ولا يمكننا في هذا المقام إهمال ما ظهر في القرن الثالث عشر الميلادي في الوسط المسيحي الغربي، “حيث تظهر نساء تميزن باعترافات العامة، متبوعة بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل والحلول في جسد المسيح. كانت هذه تجربة تبين إلحاح وعزيمة المرأة على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضا لإقصائها من المشاركة إلى جانب الرجل في هذا الميدان”، كما يقول رحال بوبريك في كتابه “بركة النساء.. الدين بصيغة المؤنث”.
ويتماهى هذا التصور مع التفسير الذي ذهبت إليه المستشرقة الألمانية آنا شيمل، في كتابها “الأبعاد الصوفية في الإسلام، وتاريخ التصوف”، حيث نجدها تقول: “إن الصوفية يحبون مريم بصفة خاصة لكونها الأم الطاهرة التي ولدت الابن الروحي عيسى، وغالبا ما ينظرون إليها على أنها رمز للروح التي تلقت الإلهام الإلهي، وحملت بالنور الرباني، لذا يتم قبول الدور الروحي الخالص للنور الأنثوي”.
ليس هذا فحسب، بل تم استدعاء حكاية رابعة في ثنايا التصوف والأدب والفن المعاصر، لتكون هي المعادل المسلم لتاييس، غانية الإسكندرية، إنها حكاية مغرية لأقلام الأدباء، وصناع السينما، فأخرجوا عنها فيلمًا، قامت ببطولته الفنانة نبيلة عبيد، وكتب الشاعر طاهر أبو فاشا قصائد أغنياته، وشدت بها أم كلثوم، فاكتملت أسطورة رابعة في الذاكرة، ولم تكن هذه الأسطر، راجعة إلى التخييل والتخليق أو اختراع معدم، إنما هي أسطورة بشرية، لامرأة، تركت كل شيء وراء ظهرها، وذهبت فردًا إلى الله تعالى.
في كتابي “فرسان العشق الإلهي” حلت رابعة وحدها بين أربعة وأربعين شخصية صوفية بارزة، وردت أسماؤهم بقوة في الحوليات التاريخية، وكتب المتصوفة، وواضعو معاجم الأعلام، فطغت علىَّ طغيانًا شديدًا، فلم أرَ من أهل التصوف سوى الرجال، ولم يرد وقتها على ذهني سؤال عن أخوات رابعة، أين هن؟
نحن في مصر، تسيطر علينا أسماء نسوة راسخات في حديث المتصوفة، والحكايات الشعبية التي تتناسل على ألسنة عموم الناس، ولدى الأدباء حين يرون ما حول شخصيات قصصهم من سياق، ولعل أبرزهم هنا هو يحيى حقي في “قنديل أم هاشم” و”أم العواجز”، وهو اللقب الذي يطلقه أهل مصر على السيدة زينب إلى جانب لقبها المفضل عند المتصوفة وهو “رئيسة الديوان”، ومعها يطول حديثنا عن السيدتين نفيسة وسكينة، ويقصد الناس مساجد الثلاثة للصلاة وزيارة الأضرحة، طالبين منهن البركة.
فهل لا يوجد في تاريخ المسلمين من الزاهدات العابدات سوى هؤلاء النسوة الأربع: زينب ونفيسة وسكينة ورابعة؟ أم أن هناك كثيرات، غِبن عن التأريخ، ولم يعن بهن المتصوفة حق العناية، وإن أتى أحد على ذكرهن، فيكون هذا مقتضبًا، وفي سطور قلائل، تتوارى خلف سطور طاغية ساطعة عن الأولياء.
ثار في رأسي السؤال، وكان علي أن أبحث عن إجابة، وحين بحثت، وجدت أن التاريخ حافل بمتصوفات زاهدات، بعضهن كن بمنزلة الأستاذ لبعض أبرز أعلام التصوف، مثل فاطمة النيسابورية التي علمت ذا النون المصري والبسطامي، ومثل فاطمة القرطبية وأم الفقراء شمس اللتين علمتا الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.
في كتابه “ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات” يورد عبد الرحمن السلمي أسماء ما يزيد عن سبعين امرأة صوفية زاهدة، وينقل نصوصًا قصيرة ومحدودة منسوبة إليهن، اكتفى الدارسون المحدثون والمعاصرون بإعادة إنتاجها، فكرروا الأقوال والأحوال والمعلومات والحكايات، وبعضهم ربما فاض من عنده، فراح يفسر هذا، ساعيًا إلى إضفاء طابع مقدس على هؤلاء المتصوفات، ومن ثم، فإنه رغم الإقصاء المتعمد، أو غير المقصود، استطاعت بعض المتصوفات التسلل إلى التأريخ، أو اختلاس الحضور، وفق تعبير هالة فؤاد، لكن عبر ألسنة الرجال وأقلامهم.






