مثلما السلامُ ضرورة للحياة، فإن الحرب العادلة هي كذلك ضرورة للحياة، عرفت مصر الحديثة موجتين كبيرتين من الحروب المتواصلة التي أثرت في تكوينها، وصاغت وجدانها وصنعت هويتها الوطنية المعاصرة:
1- ففي الموجة الأولى من خاتمة القرن الثامن عشر، حتى منتصف القرن التاسع عشر، جربت مصر الحديثة الحروب في أشكالٍ مختلفة: الحرب في مواجهة الغزو الفرنسي 1798، ثم الحرب في مواجهة الغزو البريطاني 1807، ثم الحرب بأوامر السلطان العثماني ضد الدولة السعودية الأولى 1811 – 1818، ثم الحرب التوسعية في السودان 1820 – 1824، ثم الحرب في اليونان بأوامر السلطان العثماني لإخماد حركة الاستقلال اليوناني 1824 – 1828، ثم الحروب التوسعية في الشام 1831 – 1840، وقد أسفرت هذه الحروب المتواصلة عن إمبراطورية مساحتها عشرة أضعاف مساحة مصر، لكن بمجرد أن وصلت ذروة الإكتمال كانت القوى العظمى المهيمنة على السياسة الدولية في القرن التاسع عشر جاهزةً؛ لتمنع دخول مصر نادي الإمبراطوريات الاستعمارية المغلق على الكبار: بريطانيا، فرنسا، النمسا، روسيا، ثم الإمبراطورية العثمانية التي ترقد على فراش الموت البطئ، وبالفعل انتبهت هذه القوى لكون محمد علي باشا ليس مجرد مغامر محلي ولا مقامر إقليمي صغير، يلعبُ مع الكبار ويلعب به الكبار، ثم ينتهي المطاف، فقد أثبت الباشا- بالغريزة الفطرية – أنه عقل استعماري جبار مدعوم بهمة عالية وروح وثابة وعزيمة تفوت في الصخر ولا يكسرها الصخر ، فبكل يقين تمكن الباشا – بعد اعتصار مصر وامتصاص المصريين- من استخدام موقعها العبقري في تغيير وجه الجغرافيا ومسار التاريخ معاً؛ معتمداً فقط على اقتصادها دون استدانة جنيه واحد، خرج بمصر إلى ما حولها، واندفعت مصر وراء قيادته إلى مجالها الحيوي، كما رسم حدوده تحتمس الثالث عند المائة السابعة من الألف الثانية قبل الميلاد، فمن حيث يدري أو لا يدري، فإن الباشا بحروبه أعاد مصر إلى مجالها الطبيعي، ووزنها الطبيعي، واسترد قدرتها على الفعل والتأثير والحركة في هوامش واسعة من منابع النيل في الجنوب حتى أطراف الأناضول في الشمال، صحيح أن الباشا فقد إمبراطوريته بتواطؤ وتوافق نادي الإمبراطوريات المغلق الذي لم يرحب بالباشا، واعتبر الاعتراف بإمبراطوريته تهديداً للتوازن الدولي، وخطراً على السلام العالمي، فاجتمعوا عليه حتى ردوا المارد الجبار ليرقد على ضفاف النيل في مصر والسودان، ذهبت الإمبراطورية عندما اكتملت، لكن بقي معناها الذي جدد معنى مصر في التاريخ كقاعدة، أو قلب يتمركز في صميم مجال حيوي واسع، يكشف عن نفسه بنفسه، بمجرد أن يعثر على القائد العظيم الذي تجري في دمائه غرائز التاريخ وطبائع القيادة العظمى، فمصر محمد علي باشا هي مصر تحتمس الثالث، هي مصر المعز لدين الله، هي مصر صلاح الدين، هي مصر الظاهر بيبرس، هي مصر علي بك الكبير، هي مصر جمال عبد الناصر، تحتمس الثالث جعل منها نموذجاً مثالياً لأول إمبراطورية لها معنى الإمبراطورية في تاريخ الإنسانية، المعز لدين الله ومن بعده من الفاطميين عرفوا معنى أن تحكم العالم الإسلامي من مصر، حتى حاصروا الخلافة العباسية في مقرها في بغداد، ونقلوا نفوذهم ومعه التشيع إلى كل مكان حتى الهند، ولم يخرج عن سيطرتهم غير الأندلس، وفي المجال الذي أرساه تحتمس الثالث كانت خُطى صلاح الدين تعيد المعنى لاسم مصر ووزنها ودورها ومكانتها في الجغرافيا والتاريخ معاً، ولم يفعل علي بك الكبير، أكثر من أنه مشى على الخطى ذاتها وتتبع المسارات ذاتها، فاهتدى إلى تكوين إمبراطورية في ست سنوات، غلطة علي بك الكبير أنه مملوك لم يكن أمامه مفر من الاستعانة برجال من المماليك، فخانوه ثم أفشلوه، عبقرية محمد علي باشا أنه بدأ بقتل المماليك، بدأ من البداية الصحيحة التي لم ينتبه لها علي بك الكبير الذي لا يقل عن الباشا نبوغاً وجبروتاً وعبقرية، انفتح الطريق أمام مصر الحديثة، يوم تخلصت من المؤسسة المملوكية التي دامت- في أشكال مختلفة- قريباً من ستة قرون، هذه الموجة من الحروب أعادت خلق مصر من جديد، نقلتها من مجتمع عصور وسطى إلى مجتمع منفتح على بذور وجذور وبدايات كل ما هو حديث في التعليم والترجمة والطب والتصنيع والتسليح وتنظيم الجيوش وتجنيد الأهالي والإدارة والري والزراعة إلى آخره، كان من المستحيل أن تولد مصر الحديثة، دون أن تخوض غمار هذه الموجة من الحروب المتواصلة على طيف من الجبهات القتالية المتباعدة من قلب جزيرة العرب إلى قلب إفريقيا إلى اليونان إلى الشام إلى الأناضول، هذه الحرب كانت الرحم الذي حمل مصر الحديثة، ثم قذف بها وليداً جديداً، يختلف تماماً عما كانت عليه مصر في القرن الثامن عشر.
المشكلة الكبرى أن هذه الحروب، وهذا البعث الجبار، وهذه الإمبراطورية العملاقة، انبعثت على عجل، وانطلقت مسرعة تسابق الزمن وتحرق المراحل، فلم يكن لها تمهيد ولا تدريج ولم تنشأ على تراكم تاريخي تأسس على مدى قرون، فالإمبراطوريات الأوروبية المعاصرة لها، كانت كل منها قد تكونت عبر زمن طويل، أنتجت خلاله المعارف والعلوم والمبتكرات، وكونت الثروات ونظمت الجيوش وأنتجت الفكر والقانون والفلسفة وكافة البنى التحتية اللازمة؛ لبناء دولة قوية تتوسع لتكون إمبراطورية، أما إمبراطورية الباشا فقامت على استيراد الأفكار الجاهزة والحلول الجاهزة تماما، مثلما نحن إلى اليوم نستورد الدساتير الجاهزة، الحلول الجاهزة أعانت الباشا في تكوين إمبراطورية سريعة التجهيز، لكنها لم تساعده في الاحتفاظ بها، الاحتفاظ بالإمبراطورية كان يحتاج إلى حلول محلية، والحلول المحلية كانت تحتاج إلى مجتمع، تمت ترقيته وتعليمه وفتح كافة الطرق أمام تقدمه وتحضره وتثقيف عقله وروحه وضميره، وليس كهربته بسرعة واعتصاره وامتصاصه وإجهاده وإنهاكه، كما فعل الباشا المتعجل المتسرع الذي أنشأ في نصف قرن، ما كان يحتاج إلى عدة قرون.
لهذا، حدث النقيض تماماً: تحولت مصر من إمبراطورية في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ لتكون منطقة رخوة يخترقها النفوذ الأجنبي من كل دول أوروبا الاستعمارية، ثم ينفرد الإنجليز باحتلالها، تناقض حاد وعنيف في قرن واحد وتحت حكم أسرة واحدة، هذا التناقض الحاد العنيف ترك آثاره العصبية على عقل الدولة المصرية الحديثة، كما ترك بصماته العميقة على التكوين العصبي والنفسي والروحي لجمهرة المصريين، سواء كانوا على وعي بذلك أم على غفلة مما انطبعت به شخصيتهم المعاصرة.
2 – أما الموجة الثانية من الحروب، فهي تلك التي دارت رحاها ثلاثين عاماً من 1948 إلى اتفاق كامب ديفيد 1978، وهي موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.






